أخبار

القِـرَدَة الأمريكيـة نجـم مشـروع يابـاني طمـوح لدراسة المـخ البشـري

إنّ المجهودات المتعلقة بالتخطيط المخي ـ التي استمرت لعشر سنوات ـ تقوم باستخدام القردة؛ لدراسة الاضطرابات العصبية والعقلية في الإنسان.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:

تشترك القردة الأمريكية الصغيرة مع الإنسان في خصائصه الاجتماعية حيث تظهر قدرة على الاتصال البصري كوسيلة للتواصل الاجتماعي.

تشترك القردة الأمريكية الصغيرة مع الإنسان في خصائصه الاجتماعية حيث تظهر قدرة على الاتصال البصري كوسيلة للتواصل الاجتماعي.

Ryan Ladbrook/Shutterstock


تمتلك كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مشروعًا لرسم خريطة المخ. ومؤخرًا، انضمت اليابان إلى دائرة المنافسة، بعد تدشينها لمشروع رسم خريطة المخ الخاص بها. وعلى عكس منافسيها الغربيين، فإن المحاولة اليابانية ستعتمد موردًا نادرًا، وهو عدد كبير من القردة الأمريكية الصغيرة المعروفة بـ(القشة)، التي عكف العلماء على تطويرها خلال العقد الماضي، كما ستقوم بالاعتماد على تقنيات جينية جديدة، من المحتمَل أن تُستخدم في تعديل تلك الحيوانات التي تُظْهِر قدرات اجتماعية عالية. الهدف من مشروع العشر سنوات لرسم خريطة المخ ـ المعتمِد على التقنيات العصبية المتكاملة في دراسة الأمراض ـ هو رسم خريطة مخ الرئيسيات؛ لزيادة فهم الاضطرابات البشرية، مثل مرض الزهايمر، والفصام. في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، قامت وزارة العلوم اليابانية بالإعلان عن أسماء قادة المجموعات، وعن كيفية تنظيم المشروع.

تبلغ تكلفة المشروع في السنة الأولى ثلاثة مليارات ين (27 مليون دولار أمريكي)، ويُحتمل أن تزيد في السنة الثانية؛ لتصل إلى أربعة مليارات ين ياباني, إلا أن المشروع الياباني يُعتبر صغيرًا، مقارنةً بمشروع الاتحاد الأوروبي للمخ البشري، والمشروع الأمريكي «براين» (بحوث المخ القائمة على التقنيات العصبية الحديثة والمتقدمة)، اللذين يُقَدَّر لهما أن يَتَلَقَّيَا مليار دولار على الأقل خلال العقد القادم. يقول الباحثون العاملون في تلك المشروعات إن المشروع الياباني سيعمل على ملء فجوة أساسية تقع بين نماذج الأمراض في الحيوانات الأصغر حجمًا، التي دائمًا ما تفشل في محاكاة اضطرابات المخ البشري، وبين نماذج العقل البشري، التي تحتاج إلى بيانات موثَّقة.

يقول عالِم الأعصاب تيري سَينوفسكي، الذي يعمل في معهد سولك في لاجولا بولاية كاليفورنيا، والعضو في المجموعة العاملة في مبادرة المخ بالمعهد الوطني للصحة: «من الضروري أن يكون لدينا نموذج جيني للرئيسيات، يساعد في دراسة علم الإدراك واضطرابات المخ المعرفية، كالفصام، والاكتئاب، التي لا تتوفر لها نماذج من الفئران». ويردف قائلًا: «بدأَت مجموعات عمل في كل من الصين والولايات المتحدة محاولات للتعديل الوراثي؛ لدمج أجزاء من الحمض النووي لجينومين مختلفين في الرئيسيات، لكنْ لم ترق أي محاولة منها إلى ضخامة أو نظام المشروع الياباني».

رحَّب عالِم الأعصاب هنري ماركرام ـ الذي يعمل بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، ويرأس المبادرة الأوروبية ـ بالمجهود قائلًا: «إنه مشروع مثير للإعجاب حقًّا، وعلينا تشجيع اليابان؛ لوضع تلك الخطة الرائعة.

«أنا أفضِّل أن تتم دراسة مرض واحد بشكل عميق».

أساس المشروع الياباني هو استيلاد قِرَدَة معدَّلة وراثيًّا تساعد في توضيح الوظائف المعرفية للمخ، وتكون نموذجًا لاضطرابات المخ البشري. ورغم اختلافها الكبير عن المخ البشري، مقارنةً بالرئيسيات الأخرى، كالشمبانزي، إلا أن تلك القردة الصغيرة تُعتبر مثالية على أصعدة كثيرة لدراسة المخ البشري.. فأحجامها الصغيرة وخصوبتها تجعلان التعامل معها أكثر سهولة وكفاءة من التعامل مع أنواع أخرى من القردة، مثل المكاك ـ قردة موطنها الأصلي شرق الهند وآسيا وأفريقيا ـ التي يتم استخدامها عادةً كنماذج حيوانية.

تُعتبر أمخاخ القردة الأمريكية الصغيرة دقيقة جدًّا، إذ تصل إلى 8 جرامات فقط، وهو ما يسهِّل نسبيًّا عملية تحليلها. ومع ذلك.. يُعَد الفص الأمامي ـ المنطقة المتعلقة بالأمراض النفسية ـ في مخ القردة الأمريكية الصغيرة أكثر تطورًا وأقرب للمخ البشري من الفص الأمامي لحيوانات أخرى ذات أمخاخ صغيرة. كما تشترك القردة الأمريكية مع الإنسان في خصائصه الاجتماعية، التي لا تظهر في غيرها من القردة، حتى الشمبانزي، إذ تعيش في شكل وحدات عائلية تتشابه مع الوحدات العائلية البشرية، وتُظهِر قدرة على الاتصال البصري، كوسيلة للتواصل الاجتماعي، لا لإظهار العنف.

يلمِّح كاتسوكي ناكامورا، عالِم الأعصاب في جامعة كيوتو في اليابان، الذي يعمل على القردة الأمريكية الصغيرة، إلى أنه من المتوقع أن تصبح القردة نماذج جيدة لدراسة حالات معينة، مثل مرض باركنسون (الشلل الرعاش) ومرض الزهايمر. كما أن دراسة الأسباب التي تؤدي إلى انهيار سلوكيات اجتماعية معينة، مثل التواصل البصري، ستساعد غالبًا في توضيح الآلية التي تنطوي على مرض التوحد.

قد تساعد الخطوات المعاصرة الباحثين في إحداث هندسة جينية للقردة الأمريكية الصغيرة بشكل أكثر كفاءة. ففي عام 2009، قام فريق برئاسة إيريكا ساساكي، المتخصصة في علم التعديل الوراثي في الحيوانات، التي تعمل في المعهد المركزي للحيوانات التجريبية في كاواساكي في اليابان، للمرة الأولى بتلقيح جين في قرد من الرئيسيات، وتمريره في نسله. تقوم حاليًّا طريقة تصحيح الجينات (المعروفة باسم كريسبر) بالسماح بتغيير محدود في الحمض النووي1،2. وقد استخدمت تلك الطريقة لإنتاج قردة معدلة وراثيًّا3. في الوقت نفسه، ساعد علماء الجينات في التعرف على بعض الطفرات الجوهرية، التي تسهم في اضطرابات بشرية، مثل الفصام، والتوحد. يقول روبرت ديسيمون، مدير معهد ماكجافِرن لبحوث المخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج: «من المهم جدًّا في الوقت الحالي تطوير نماذج جينية للرئيسيات».

سيتم تقسيم المشروع الياباني إلى ثلاث مجموعات، يترأس الأولى الرئيس المشارك للمشروع هيديوكي أوكانو من جامعة كيو، حيث ستقوم تلك المجموعة برسم خرائط وظائف ونسيج المخ، مستخدمةً تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي. وستقوم باستخدام نماذج معدلة وراثيًّا للأمراض، تساعد في الربط بين دراسات وظائف المخ الكلية ـ مثل المسارات العصبية الطويلة في المخ ـ ودراسات الوظائف الدقيقة التي تميز بعض الخصائص العصبية. ستقوم المجموعة الثانية، التي سيرأسها مشارك آخر في قيادة المشروع، هو أتسوشي مياواكي من معهد رايكن لعلوم المخ في واكو، والتي ستتكون من 17 فرقة منفصلة، بتطوير تقنيات تساعد على دعم جهود رسم المخ. كما سيقوم كيوتو كاساي ـ من جامعة طوكيو ـ بترأس المجموعة الثالثة، التي ستقوم بجمع معلومات، مثل صور لأمخاخ مرضى، تُستخدم في إيجاد بصمات لأمراض نفسية، أو عصبية، أو متعلقة بالأوعية الدموية، تفيد فيما بعد في الأبحاث على القردة الأمريكية الصغيرة.

تُعتبر القوانين اليابانية المتعلقة بالأبحاث على الرئيسيات أقل حَزْمًا من مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، لكن رغم ذلك.. قد يواجه المشروع موانع قانونية أخلاقية تتعلق بالقسوة تجاه تلك الحيوانات. يعلِّق سَينوفسكي على ذلك قائلًا: «من المهم للمشروع الياباني على القردة الأمريكية الصغيرة أن يكون حريصًا في فحص القضايا الأخلاقية التي ستظهر حتمًا على الطريق».

يُعتبر المشروع الياباني طموحًا من الناحية التقنية. ويشير ألفونسو سيلفا ـ عالم الأعصاب بالمعهد الوطني للاضطرابات العصبية والجلطات في بيثيسدا ميريلاند، الذي تعاوَن مع ساساكي ـ إلى أن كرسيبر قد بدأ توًّا في الاشتغال على القردة الصغيرة. ويقول إنه على الباحثين أن يقاوموا النزعة لمعالجة موضوعات كثيرة في الوقت نفسه، حتى لاينتهي بهم المطاف إلى نتائج سطحية «أنا أفضِّل أن تتم دراسة مرض واحد بشكل عميق. كما أن توثيق الطريقة التي تمت بها الدراسة سيساعد في تكرارها فيما بعد على أمراض أخرى».

  1. Cong, L. et al. Science 339, 819823 (2013).

  2. Mali, P. et al. Science 339, 823826 (2013).

  3. Niu, Y. et al. Cell 156, 836843 (2014).