أخبار

التعيين السريع للتسلسل الجيني ينقذ حياة الرُّضَّع

يساعد التحليل السريع للجينومات على تشخيص وعلاج الأطفال ذوي الأمراض الشديدة.

سارة ريردون
  • Published online:

<br>يمكن الآن تحليل تسلسل القواعد في جينومات الأطفال المرضى حديثي الولادة في أقل من 24 ساعة؛ لإعطاء الأطباء تشخيصًا سريعًا.


يمكن الآن تحليل تسلسل القواعد في جينومات الأطفال المرضى حديثي الولادة في أقل من 24 ساعة؛ لإعطاء الأطباء تشخيصًا سريعًا.

Conrad Bornman/Gallo Images/Getty


حين بلغ عمره شهرين، كان الصبي على وشك الموت. كان قد قضى عمره القصير بالكامل فى وحدة العناية المركزة لحديثى الولادة (NICU) بمستشفى ميرسي للأطفال فى كانساس سيتي، ميسوري، بينما حاول الأطباء معرفة سبب مرضه. وحين فشل كبده فى إبريل 2013؛ حَذَّرَ الطاقم الطبي والديه مِن أنّ القادم أسوأ.

بعد ذلك، قام المتخصِّص في عِلْم الوراثة، ستيفن كينجزمور، وفريقه بمستشفى ميرسي للأطفال بِتَوَلِّي الحالة. فى غضون ثلاثة أيام، كان الفريق قد حلَّل تسلسل جينومات الطفل ووالديه، وقام بتعيين طفرة نادرة مشتركة بين الطفل ووالديه. اتضح لاحقًا أن تلك الطفرة مرتبطة بمرض يعمل فيه جهاز المناعة بنشاط زائد يؤدى إلى تدمير الكبد والطحال. قام أطباء الطفل ـ مسلحين بالتشخيص الصحيح ـ بوضعه على نظام دوائي يقوم بالحدّ من الاستجابة المناعية. الطفل الآن فى بيته، ويتمتع بصحة جيدة. ولو كان أطباؤه قد أرسلوا الحمض النووي الخاص به إلى التحليل الجينومي التقليدي؛ لاستغرق إيجاد التشخيص السليم شهرًا على الأقل؛ ولكان من الممكن أن يموت الطفل غالبًا حينئذ.

يُعَدّ هذا الصبي واحدًا من 44 طفلًا مريضًا، قامت مجموعة كينجزمور بتحليل تسلسل جينوماتهم باستخدام طريقة يمكن أن توفِّر تشخيصًا خلال 24 ساعة فقط. فى 28 حالة من تلك الحالات، استطاع الباحثون تشخيص مرض الطفل. وفي حوالي نصف هذه الحالات، أمكنهم أن يوصوا بتعديلات على نظام العلاج، وذلك وفقًا لتقرير قدَّمه كينجزمور فى 19 سبتمبر فى مؤتمر علم جينوم الأمراض الشائعة فى بوتوماك، ميريلاند. فى 6 أكتوبر 2014، أطلقت مجموعته مشروعًا أكبر لتحليل تسلسل جينومات مئات الأطفال. ويُعتبر هذا هو الأول من أربع دراسات أخرى تهدف إلى تعيين التسلسل الجيني لحديثي الولادة، التي يلقى كل منها مِنَحًا تُقَدَّر بملايين الدولارات من معهد الصحة الوطني الأمريكي (NIH) فى سبتمبر 2013. ستقوم تلك الأبحاث بدراسة كلٍّ من جدوى وأخلاقية تلك الطريقة التي من الممكن قريبًا أن تصبح نموذجية لعلاج المرضى من حديثي الولادة.

على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، سيقوم فريق كينجزمور بتعيين تسلسل جينومات 500 طفل مريض من وحدة العناية الفائقة بمستشفى ميرسي للأطفال، ومقارنة النتائج الإكلينيكية لأولئك الاطفال بنتائج 500 طفل آخرين من الوحدة من الذين تم تشخيصهم باستخدام الاختبارات الجينية والأيضية التقليدية. سيحدد الباحثون ما إذا كان التعيين السريع للجينوم يجنِّب الأطفال اختبارات وطُرُق علاج غير ضرورية، وما إذا كان يساعد الأبوين على اتخاذ القرار بشأن العناية الطبية لأطفالهم حين يتم تشخيص الطفل بمرض قاتل، أم لا. وحتى إذا ما توفي الطفل بالفعل، فإن تحليل جينومه وإيجاد تشخيص ما يمكن أن يوفِّرا معلومات للأبوين، ومعلومات أكثر عن الأمراض الوراثية التى يحملانها.

يشبه كينجزمور تقنية التحليل السريع للجينوم «بخط تصنيع»، حيث يقوم كل واحد من أربعة أو خمسة متخصصين بخطوة معينة من العملية ـ من سَحْب الدم، حتى التشخيص النهائي ـ بأسرع ما يمكن. يقوم الفريق بجمع الحمض النووي من الأبوين والطفل؛ للتعرف بسرعة على الطفرات في جينوم الطفل، وبعدها يقوم بتعيين تسلسل قواعد الحمض ويَستخدم برنامجًا مُعَدًّا خصيصًا ليستهدف أماكن بعينها من الجينوم، تُحدَّد على أساس أعراض المرض. بعد أن يتم التشخيص الجيني، وإعلام أطباء الطفل بالمعلومات التي يحتاجونها، يقوم الفريق بحفظ بيانات التسلسل الجيني ـ دون اسم ـ فى قاعدة بيانات محصَّنة، لحين الحاجة إليها فى أبحاث مستقبلية.

«الجميع راغبون في معرفة ما إذا كانت هذه هى بداية أسلوب جديد، أم ماذا..؟»

تقول ميشا أنجريست، الخبيرة بالسياسة الجينومية بجامعة ديوك فى دورهام، نورث كارولينا: «رغم أن طريقة تحليل الجينوم فى 24 ساعة مثيرة للإعجاب، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان تحليل تسلسل الجينوم في حديثي الولادة سيصبح من الطرق الثابتة للتشخيص قريبًا، أم لا». تظل هناك أسئلة عديدة حول مَنْ يتحمل تكلفة الاختبار، ومَنْ يكون له حق الولوج إلى البيانات، وإلى أي مدى يذهب الأطباء لاستخلاص معلومات لا علاقة لها بالمرض محل النظر من الجينوم. وهناك سؤال أيضًا عن مدى نفع المعلومات التي توفرها تلك الطريقة. تقول أنجريست: «أعتقد أنه من المهم إجراء مثل تلك التجارب؛ حتى نرى العائد من ورائها».

حتى الآن، فإن الفريق الوحيد الذى سُمح له ببدء التجارب هو فريق كانساس سيتي، وذلك بفضل قرار من إدارة الغذاء الأغذية والدواء الأمريكية، يسمح بتعيين تسلسل القواعد الجينومية في الأطفال شديدي المرض. في الظروف العادية، يجب أن يكون الاختبار مثبَت معمليًّا، قبل أن يُستخدم في تشخيص حالة مرضى. يقول كينجزمور: «تلك الدراسات رائدة للغاية. أعتقد أن الجميع راغبون في معرفة ما إذا كانت هذه هى بداية أسلوب جديد تتبعه إدارة الغذاء والدواء، وما إذا كان سوف يحدث فى المستقبل مع دراسات أخرى، أم لا».

تنتظر المجموعات الأخرى المموَّلة من NIH تصديقًا من الإدارة أو من لجان مراجعة الأخلاقيات الداخلية. فى بوسطن، ماساشوستس، يقوم فريق يقوده الطبيبان آلان بيجز من مستشفى أطفال بوسطن، وروبرت جرين من مستشفى نساء بريهام، بوضع خطة لدراسة 250 من الأطفال الأصحاء و240 آخرين من وحدات العناية الفائقة. سيقوم الفريق بصورة عشوائية بتحليل تتابع القواعد فى الإكسوم (Exome) ـ الأجزاء من الجينوم المشفرة لإنتاج بروتينات ـ لنصف عدد الأطفال من كل مجموعة؛ لتحديد ما إذا كانت تلك البيانات وحدها قادرة على تحسين صحة الأطفال، أم لا. يُعَدّ تحليل قواعد الإكسوم أقل تكلفة ـ وإنْ كان أقل شمولًا ـ من تحليل قواعد الجينوم بأكمله.

يخطِّط فريق ثالث بقيادة عالِمَي الوراثة سينثيا باول، وجوناثان بيرج من جامعة نورث كارولينا في شابل هيل لتحليل تسلسل القواعد لجينومات 400 طفل مصابين بأمراض وراثية معروفة، مثل التليف الكيسي؛ ليروا ما إذا كانوا يستطيعون استخلاص معلومات أكثر عن تلك الأمراض، أم لا. هذا.. بالإضافة إلى فريق عالِم الوراثة روبرت نوسباوم بجامعة كاليفورنيا فى سان فرانسيسكو، الذي سيقوم بتحليل قواعد إكسومات من 1,400 مسحة دم، كان قد تم جمْعها من أطفال حديثي الولادة، لتحديد ما إذا كانت هذه المعلومات مهمة للتشخيص، أم لا.

يضم كل فريق علماءَ أخلاقيات البحث العلمي، وستكون مهمتهم التعامل مع أسئلة معينة، كمَنْ يحِقّ له الإفصاح عن معلومات لا علاقة لها بالتشخيص. يقول جرين: «الناس حسَّاسون لنفوذ تكنولوجيا المعلومات في مجال أبحاث الجينوم، ومعهم كل الحق». إنّ تلك المخاوف تكون مضخَّمَة حين يتعلق الأمر بالأطفال.