افتتاحيات

تحديـات سَحْب الأوراق العلميــة

تنقية الإنتاج العلمي قد تكون مهمة عسيرة.

  • Published online:

تتمثل إحدى المسؤوليات الأصيلة والأساسية لأيّ دورية علمية في تصحيح المعلومات الخاطئة التي تنشرها، وفي أسرع وقت ممكن، لكنْ ما أسهل القول..! حيث بإمكان أي مؤلف أن يصحِّح ورقته العلمية، لكنْ إذا بات واضحًا بعد الطبع أن النتائج بها أخطاء جوهرية، يصبح سحب الورقة العلمية والتراجع عنها هو الخطوة الحتميّة، لكنْ حينها تزداد الأمور تعقيدًا.

إذًا، لماذا يسحب أي شخص بحثه المنشور في دورية رفيعة، إلا إذا اضطر لذلك عن طريق التأديب بعد إساءة السلوك؟ فمِمَّا يُؤسَف له أن السَّحْب ـ رغم ما يلحقه بالسمعة العلمية من ضرر ـ يتطلب ميثاقًا غليظًا من الشرف، واتفاقًا تامًّا بين العديد من المؤلفين في بعض الأحيان، لكي يتم في العلن، بدلًا من التخلّي عن الورقة العلمية؛ لكي تذبل وتموت كواحدة ضمن أوراق علمية معيبة.

لهذا.. يتجه سَحْب الأوراق العلمية من الدوريات عالية التأثير نحو الأوراق التي ثبت بها سوء السلوك العلمي بعد التحقيق والتمحيص، لكن المؤلفين الذين قرروا سحب أوراقهم بوَازِعٍ من الشرف والضمير هُم مَنْ ينالون الاحترام. وعندما يوضح المؤلفون أن السَّحْب لم يحدث سوى لخطأ حدث بحُسْن نِيَّة؛ تصبح الورقة المسحوبة نقطة بيضاء في رصيدهم العلمي.

عندما يتضح أن سوء السلوك العلمي ـ أي المحاولة المتعمَّدة للخداع ـ هو السبب؛ تزداد الأمور تعقيدًا. فالجامعات تخشاه، لما يجلبه عليها من المتاعب الجمة في التحقيقات، والمشادّات القانونية التي قد تحدث إذا تم الطعن في الإجراءات، وأخيرًا.. بسبب الأضرار المحتمَلة التي تصيب سمعتها. وعندما تثبِت التحقيقات تعمُّد الخِداع، فإن ذلك يفضي ـ في الغالب ـ إلى سَحْب ورقة، أو عدة أوراق بحثية. وحينها، وإذا طُعن في النتائج، وتم التشكيك فيها؛ ستجد الدوريات العلمية نفسها مهدَّدة بالتقاضي، بسبب الورقة العلمية المسحوبة ذاتها، ناهيك عن بيان السَّحْب الذي يحتوي على أي إشارة لسوء السلوك، أو تعمُّد الخِداع.

وقد ظلت الأوراق البحثية التي تسحبها دورية Nature الدولية سنويًّا تتأرجح ـ لسنوات، وباستثناءات عارضة ـ ما بين واحدة واثنتين في المتوسط، لكنْ خلال العامين الماضيين، طرأت زيادة كبيرة في هذا العدد؛ ليصل إلى ست أوراق بحثية في عام 2013، وسبع أوراق بحثية في عام 2014 حتى الآن. وقد راجعنا هذه الأوراق الأخيرة المسحوبة، والأوراق السابقة، ولدينا بعض الملاحظات التي نريد التنويه إليها، بناءً على محتواها، وحول تجربة نشرها.

يرجع عدد كبير من الأوراق المسحوبة في دورية Nature في السنوات الأخيرة إلى الأخطاء حسنة النِّيَّة، فإمّا أن المؤلفين اكتشفوا أخطاءهم بأنفسهم بعد النشر، أو لَفَتَ آخرون انتباههم إليها؛ واتخذوا قرار السَّحْب بناءً على ذلك.

الملاحظة الأخرى أن التفاوض حول بعض الأوراق المسحوبة قد يؤدي إلى تأجيل حتمي لسنوات، بسبب تعقيد العلوم، والخلافات بين المؤلفين المشاركين، والحاجة إلى انتظار نتائج تحقيقات مستفيضة، والخلافات حول هذه الإجراءات. فمحرِّرو الدوريات العلمية لا يمتلكون السلطة أو الوسيلة لمراقبة المؤلفين، أو مؤسساتهم، وقد يعتمدون على إجراءات تظل تفاصيلها قاصرة على هذه المؤسسات فقط. وينبغي عليهم ـ في الوقت نفسه ـ أن يراعوا مصالح واهتمامات المؤلفين المساعدين الأبرياء.

حتى عندما تتفق مؤسسة ودوريّة على سَحْب ورقة بحثية، فقد تتعارض مصالحهم في ذلك. فالمؤسسة قد تكون مقيَّدة باتفاقيات سِرِّيَّة، ولهذا.. لا تستطيع الإفصاح عن نتائج تحقيقاتها العلمية، مما يجعل المحرِّرين لا يعرفون شيئًا عن الظروف المحيطة بالأخطاء في الورقة العلمية المسحوبة. وربما ترغب المؤسسة أيضًا في صياغة بيان السَّحْب؛ ليعزِّز موقفها من الباحث أو المؤلف مرتكب الخطأ، أمّا اهتمام الدورية العلمية، فينصَبّ على تجنُّب إطالة الخلافات، ونسيان أمر الورقة المسحوبة، وتجنُّب إهدار المزيد من جهود الباحثين. وسواء لهذا السبب أو لأسباب قانونية ـ في بعض الأحيان ـ فقد خلصنا إلى أنه يتعذر علينا عادةً الثقة في بيانات السَّحْب كوسيلة لتسليط الضوء على الأخطاء.

لماذا هذه الطفرة المفاجئة في عدد الأوراق المسحوبة في دورية Nature في عامي 2013، و2014؟ (آخر عام وصلنا فيه إلى مثل هذا الرقم في الأوراق المسحوبة كان 2003، عندما سحبنا سبع أوراق مزوَّرة للعالِم الفيزيائي جان هيندريك شون). إنّ بإمكاننا التكهن فقط. تتراوح تواريخ نشر الأوراق المسحوبة في العامين الأخيرين ما بين عامي 1994، و2014. فالبيانات هذه الأيام غدت متاحة للجميع على نطاق واسع أكثر من ذي قبل، والتدقيق على الإنترنت صارم للغاية. وجزء من الزيادة في أعداد الأوراق المسحوبة يُعزى إلى النمو في التصحيحات الرسمية المرتبطة بمشكلات "تعذُّر إعادة الإنتاج" التي تنشأ بدورها من الارتباك في بعض المختبرات التي تعاني من ضغوط هائلة.

قد يُثقِل ذلك هموم الذين يؤرقهم هاجس القلق حول تبديد مبالغ التمويل المخصَّصة للبحوث. والأحرى بهؤلاء أن تؤرقهم أكثر الزيادة في تكاليف التقاضي، لأن الباحثين الذين يخضعون للتحقيق يلجأون إلى محامين؛ لإبراء ساحتهم؛ وإنقاذ سمعتهم، كما تضطر الجهات التي يعملون بها، والدوريات التي ينشرون بها إلى التصرف وفقًا لذلك، ولكنْ أيًّا كانت العقبات، يظل سَحْب ورقة بحثية ثبت خطأها مهمة واجبة، لها الأولوية القصوى.