تحقيق إخباري

الأمراض المُعْدِية: جناح إيبولا المفقود

يناضِل مستشفى في سيراليون للاستمرار في بحثه، إبّان أسوأ اجتياح للإيبولا في التاريخ.

إريكا تشيك هايدن
  • Published online:

هَجَرَ العاملون والمرضى أحد الأجنحة العامة بمستشفى كينيما الحكومي، خوفًا من الإيبولا.

هَجَرَ العاملون والمرضى أحد الأجنحة العامة بمستشفى كينيما الحكومي، خوفًا من الإيبولا.

Tommy Trenchard/The New York Times/Redux/eyevine


خامر روبرت جاري شعور سيئ حول سقف الصفيح الذي كان يتأرجح فوق رأسه. كان ذلك في شهر يونيو، وكان وزميله الشيخ همّر خان يتفحَّصان مأوى مؤقتًا كان من المفترَض استخدامه كقسم مؤقت لمرضى إيبولا في مستشفى كينيما الحكومي في سيراليون. وقد استطاعا أن يَرَيَا أن الشيء الوحيد الذي كان يربط الصفائح المعدنية بالإطار الخشبي ـ البالغ ارتفاعه خمسة أمتار ـ كان حفنة من الأسلاك الملتوية الدقيقة.

بعد نصف ساعة، وفي اجتماع عقد في المبنى الرئيس للمستشفى، سمع الرجال صوت ارتطام هائل. ومع انتقال دويّ الصوت في أرضيات المستشفى، أسرع جاري وخان إلى الخارج؛ لرؤية ما كان لا مفر من حدوثه.. لقد انهار الهيكل المتداعي.

كان هذا نذيرًا لما سيحدث لاحقًا. ففي أقل من شهر، توقَّف تشغيل المستشفى تحت وطأة أسوأ اجتياح للإيبولا في التاريخ. وامتلأت العنابر بالمرضى، وكان خان ـ طبيب الأمراض المعدية في كينيما ـ وعديد مِن معاونيه مِن بين الذين يصارعون من أجل حياتهم.

قضى الوباء على حياة أكثر من 2,600 شخص منذ أن بدأ في ديسمبر 2013، وقد يصيب عشرات الآلاف حتى نهاية هذا العام، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO). كانت البلدان الثلاثة التي تمثل مركز الإصابة (غينيا وليبيريا وسيراليون) تصارِع النظم الصحية الواهنة والمعونة     العالمية غير الكافية على الإطلاق، حتى بعد أن اعتبرت منظمة الصحة العالمية الوباء حالة طوارئ صحية عامة دولية في أوائل أغسطس الماضي (انظر: Nature http://doi.org/vsc; 2014).

جاء خان وفريقه لمكافحة فيروس الإيبولا، مسلَّحين بخبرة قتال فيروس آخر، وهو فيروس لاسا. يشبه لاسا الإيبولا في إحداثه لمرض مهدِّد للحياة، يسبِّب حمى نزفية في بعض الأحيان، لكن لاسا يتميز بدورات عدوى سنوية أكثر توقعًا. وإلى جانب جاري، عالِم الفيروسات في جامعة تولين في نيو أورليانز، لويزيانا، وفريق دولي من العلماء، أمضى خان أفضل سنواته في عقد من الزمن وهو يضع برنامجًا لعلاج وبحوث لاسا في كينيما، متضمِّنًا قسمًا مخصَّصًا، ومختبرًا حديثًا للتشخيص. كان القسم الذي يضيفونه هو الخطوة التالية في ترسانتهم ضد المرض، لكنْ قبل اكتماله، وضع مختبر لاسا تشخيص أول حالة إيبولا في سيراليون، ثم تلتها المئات. وهكذا أضحت منشأة طبية أُنشئت لدراسة مرض معين غارقةً في مرض آخر.

عمل الباحثون بجدّ لدراسة هذا المرض الذي كان يملأ العنابر؛ لتتبُّع مساره إلى البلاد وعبرها، لكن اجتياح المرض استنزف المستشفى؛ فأُوقِفَت البحوث. بدا واضحًا أنه حتى لو تمكَّن العِلْم من الإبلاغ عن الاستجابة للاجتياح، فإن الحاجة الأكثر إلحاحًا كانت للموارد الصحية والمساعدات الإنسانية.

تقول برديس سابتي، المتخصصة في علم الوراثة الحاسوبية في معهد برود في كمبريدج، ماساتشوستس، وعملت مع فريق كينيما منذ عام 2008: «هناك سؤال عن دور البحث هنا». ولشدة إحباطها نتيجة البقاء على الهامش، طالبت مع غيرها من الباحثين الأمريكيين بإرسال مزيد من المساعدات إلى كينيما، لكنها وجدت الاستجابة بطيئة لدرجة مؤلمة، حيث تقول: «كان أصدقاؤنا بحاجة إلى الدعم، وكل منظمة دولية لجأنا إليها تباطأت بشكل غير مقبول».

كبر الصورة


مثال ساطع

أدرك خان مخاطر العمل على الحُمَّيات النزفية، وقد أصبح الطبيب الرائد لعلاج لاسا في كينيما، بعد وفاة سلفه بسبب المرض. يصيب لاسا نحو 300,000 إلى 500,000 شخص سنويًّا، ويودي بحياة ما بين 5,000 و20,000 منهم.

كان المستشفى في كينيما يعالِج المرضى في جناح لاسا منذ عقود، واستمر في الكفاح أثناء الحرب الأهلية الدامية التي استمرت بين عامي 1991 و2002. وقد مكَّنته خبرته من أن يصبح نواة مثالية لمجموعة تُسمى مجموعة الحمى النزفية الفيروسية، بدأت عام 2010، وضمّت علماء من كينيما، وتولين، وشركاء آخرين في غرب أفريقيا، والولايات المتحدة.

كانت إحدى العقبات الرئيسة التي واجهها الأطباء هي تشخيص الأمراض بسرعة كافية لعلاجها؛ فبعد الحرب، لم يكن هناك في أفريقيا مختبَر يمتلك تقنية الكشف عن لاسا في دم المريض. لذا.. في عام 2005، سعت كينيما لبناء مختبَر، وطوَّرت اختبارًا تشخيصيًّا، وبدأت سابتي ـ وهي واحدة من بين الأعضاء المؤسسين ـ في وضْع تسلسل عيِّنات لفهم كيفية انتشار المرض عبر غرب أفريقيا.

في مايو، التقت سابتي وجاري وخان في نيجيريا؛ للاحتفال بتقدُّمهم خطوة كبيرة في عملهم. وفي أكتوبر، مَوَّل البنك الدولي والمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة مركز جينوميات الأمراض المعدية، الذي يقوده متعاوِن من ولاية أوجون، نيجيريا. وهذا المركز سيستخدم التقنيات الوراثية لدراسة الميكروبات في غرب أفريقيا؛ وسيمتلك عما قريب أول منظّم تسلسل عالي الإنتاجية في المنطقة، أي أن كينيما لن تضطر إلى إرسال عيِّنات فيروس لاسا وغيره إلى الخارج؛ للحصول على تسلسل متعمق. أصبحت هذه المشارَكة مثالًا ساطعًا على التعاون العلمي في القارة، وبناء البنية التحتية والخبرة الداخلية، بدلًا من استيرادها بكاملها من الخارج.

ابتهج الجميع من هذه الاخبار، والتقدم الحادث في سيراليون، حيث كانت كينيما تبني جناحها الجديد الخاص بفيروس لاسا، بموجب منحة من البحرية الأمريكية. هذا الجناح كان سيضم 48 سريرًا، أي ما يعادل تقريبًا ضعف استيعاب الجناح الحالي. وكان سيجهَّز بمكيفات الهواء؛ لمساعدة الممرضات والأطباء، الذين كانوا ـ في كثير من الأحيان ـ يرتدون ملابس واقية خانقة في أجواء الحرارة الاستوائية المرهِقَة. وسيتمتع بسلامة أكثر، نتيجة ميزاته المتعددة، كالأرضية المبلَّطة، ونظام التصريف، الذي يمكّن العامل من التنظيف بمجرد تسليط الماء عليه. يعاني المصابون بالحميات النزفية من نزف الدم، والقيء، والإسهال، والعرق، والدموع. في عنبر لاسا القديم ـ ذي الأرضيات الأسمنتية ـ كان العاملون مهدَّدِين بخطر العدوى مع كل ضربة مكنسة في النفايات.

كان الفريق يدرك دنوّ المشكلة. وعندما أبلغت غينيا ـ على الحدود الشمالية ـ منظمة الصحة العالمية عن ظهور حالات إيبولا في مارس (انظر: «مركز الإيبولا»)، توقَّع جاري أن تكون كينيما هي التالية؛ فقام هو وسابتي بشحن الملابس الواقية إلى كينيما، وسافر الباحثون من مختبر سابتي إلى هناك مع المسابير الجينية اللازمة لتشخيص الإيبولا.

في مايو، وصلت الحالات الأولى. جاءت امرأة مصابة بالحمى، وكانت تنزف بغزارة بعد إجهاض. كانت قد أصيبت هي و13 شخصًا آخرين في جنازة معالِج تقليدي كان يعالج ضحايا فيروس الإيبولا في غينيا المجاورة. وفي 25 مايو، أكَّد أوجستين جوبا ـ رئيس مختبر لاسا التشخيصي ـ أن هؤلاء الأشخاص قد جلبوا الفيروس إلى سيراليون، ليتم قبولهم في عنبر لاسا في كينيما.

طار جاري على الفور للمساعدة في التأكد من استعداد موظفي كينيما. كانوا بحاجة إلى تبديل ملابسهم وأقنعتهم المعتادة، واستعمال بدلات «تايفك»، المعروفة باسم «صغير الأرنب»، وهي بدلات تغطي الجسم كله، ومُعَدَّة من قماش مضاد للماء. تأكَّد جاري أيضًا من أن الفنيين كانوا يجمعون عيِّنات الدم من المرضى، ويطهرونها، ويغلفونها، بعد أن تكون قد استُخدمت في التشخيص، بحيث تتمكن سابتي من وضع تسلسل الحمض النووي (DNA) في معهد برود.

في بادئ الأمر، كان المرضى يَصِلون ببطء، بل ببطء شديد. وفي أوائل شهر يونيو، اتضح للعمال الذين كانوا يتتبَّعون الأشخاص ذوي الصلة بالمصابين أن عدد الأفراد الذين كانوا محتمَلِي الإصابة كان يفوق بكثير عدد المصابين الموجودين في المستشفى، غير أنه لم يسبق للإيبولا أن وصلت إلى غرب أفريقيا، فكان الناس ينشرون المرض، دون دراية منهم بذلك، بمجرد رعايتهم للمرضى، ودفنهم للموتى. كان من الممكن أن تُمْحَى قرى بأكملها من الوجود.

<br><p>عملت باراديس سابتي (في الوسط) مع الممرضات بمستشفى كينيما الحكومي لدراسة فيروس لاسا، لكنها تحولت إلى دراسة الإيبولا مع بدء الفاشية.</p>


عملت باراديس سابتي (في الوسط) مع الممرضات بمستشفى كينيما الحكومي لدراسة فيروس لاسا، لكنها تحولت إلى دراسة الإيبولا مع بدء الفاشية.

Erica Ollmann Saphire


توقَّع خان أن كينيما ستشهد عما قريب موجة من الإصابات؛ فأمر ببناء جناح مؤقت جديد (بعد انهيار الهيكل الأول، أعاد العمال بناءہ بسقف أخفض وأكثر ثباتًا). وكان توقُّعه صحيحًا.. فبحلول نهاية يونيو، كان عنبر لاسا القديم مليئًا بالمرضى، وكان يتم قبول الحالات المشتبه فيها في عنبر مؤقت. بدأ المرضى في التدفق من جميع أنحاء شرق سيراليون. وكان الجميع يرسلون المرضى إلى مستشفى كينيما الحكومي؛ إذ لم يكن هناك مكان آخر يذهبون إليه.

كانت الإمدادات ـ وكذلك الموظفون ـ قِلَّة على الأرض، فمنظمة أطباء بلا حدود (MSF) وسواها من مجموعات الإغاثة كانت منتشرة بالفعل بما يفوق طاقتها لعلاج المرضى في غينيا وليبيريا. وأرسلت منظمة الصحة العالمية بعض الموظفين إلى كينيما في شهر يونيو، لكن الإمدادات كانت تتضاءل، وكثيرًا ما كان خان هو الطبيب الوحيد المسؤول عن علاج 80 مريضًا. لقد شعر بالوحدة والخوف على حياته، لكنه استمر في رعاية مرضاه بأفضل ما أمكنه، وقال لأخته: «إذا رفضتُ علاجهم، فمن ذا الذي سيعالجني»؟


سلسلة أحداث قاتلة

في كمبريدج، كانت سابتي تحلِّل البيانات المستقاة من العيِّنات التي شحَنها جاري من كينيما. أصبح لدى مجموعتها الآن 99 عيِّنة من فيروس إيبولا من أول 78 مريضًا في أول اجتياح له في البلاد. كان الباحثون يتعمَّقون في إجراء التسلسل الجيني، بغرض تتبُّع طريقة تحوُّر الفيروس أثناء انتقاله من شخص إلى آخر. لم يسبق لأحد أن جمع هذه الأنواع من البيانات أثناء انتشار المرض.

كانت المعلومات المهمة تتكشف بالفعل، فمثلًا، يمكن عزو اجتياح المرض برمّته إلى حدثٍ واحد، نَقَلَ فيه حيوان ـ ربما كان الخفاش ـ الفيروسَ إلى الإنسان. ورأوا أيضًا أن الفيروس قد راكم مئات من الطفرات منذ انفصاله عن أحد أسلاف فيروس الإيبولا في أفريقيا الوسطى قبل عقد من الزمن (انظر: Nature http://doi.org/vsd; 2014).

إنه نوع من العمل الذي يمكنه بالنتيجة أن يغير الطريقة التي يُواجَه بها اجتياح المرض، كما يقول أنطوني فاوسي، مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية NIAID في بيثيسدا، ميريلاند، الذي موَّلَ العمل: «في الأحوال الطبيعية نتوصل إلى تحليل كهذا بعد عامين من انتهاء الاجتياح. إنّ التمكُّن من القيام بذلك أمر استثنائي فحسب».

نشر فريق سابتي بياناته بأسرع ما أمكنه الأمر في 31 يوليو. ومن بين أوائل مستخدميها.. كان الباحثون الذين يعملون على تطوير الأدوية التجريبية واللقاحات المضادة لفيروس الإيبولا. تشمل هذه خليط الأجسام المضادة ZMapp، الذي أُعطي منذ ذلك الحين لسبعة أشخاص لم يتمكنوا كلهم من النجاة، ولقاحًا من المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية NIAID دَخَلَ في مجال التجارب على الإنسان في أوائل سبتمبر. لم تتسبب أيّ من الطفرات التي شوهدت في الفيروس حتى الآن في جعْل هذه المنتجات أقل فعالية، وإنْ كان بعضها يؤثِّر على مناطق من الفيروس تستهدفها الاختبارات التشخيصية الحالية.

كانت سابتي على اتصال وثيق مع خان طوال الوقت، وعلمتْ أن الوضع في كينيما يتدهور بسرعة. «لقد أعرب عن قلقه، وكان لا يزال وحده إلى حدّ ما، ولم يكن يحصل على الدعم الذي يحتاجه فعلًا»، كما قالت سابتي.

في أواخر يونيو، تم قبول قائد محلِّي مصاب بالحمى في جناح خاص في كينيما، يفتقر إلى تدابير مكافحة العدوى المستخدَمة في جناح لاسا. وبدأ هذا الشخص سلسلة من الأحداث القاتلة، فقد سبَّب انتقال العدوى إلى خمسة موظفين، بما فيهم ممرضة حامل. وقد عملت مبالو فوني ـ التي كانت أيضًا رئيسة الممرضات في لاسا ـ مع ثلاث أخريات لتوليد طفل الممرضة. وأصيبت هي والممرضات الأخريات جميعهن بالعدوى أثناء التوليد بصورة شبه مؤكدة. وقد توفّين جميعًا.

كان موت فوني في 21 يوليو، وموت سواها من كبار المُمَرِّضات هو السبب في انفراط العقد الذي كان يضم المستشفى. فقد كانت «الخالة مبالو» تعالج لاسا في كينيما منذ 25 عامًا، طيلة فترة الحرب الأهلية، وكانت قد نجت ـ بدورها ـ من الإصابة بلاسا. أمّا الآن، فقد رحلت.

في اليوم التالي، أثناء اجتماع في المختبر، حدقت سابتي في بريدها الإلكتروني، ورأت رسالة تتعلق بخان. فتحتها على الفور؛ وإذا بها تقرأ أن خان أصيب بالإيبولا. تقول: «انهرتُ تمامًا، وبدأتُ الصياح».

شعرت سابتي بالعجز. أرادت أن تفعل شيئًا.. أي شيء. لذا.. أحضرت ورقة بيضاء، وكتبت عليها تحث المسؤولين الأمريكيين على تقديم المزيد من الإمدادات والمال لمواجهة الاجتياح، وأرسلتها إلى مدير معهد برود، إيريك لاندر، وغيره من أعضاء مجلس المستشارين العلميين لرئيس الولايات المتحدة. كانت هي وجاري قد سافرا بالفعل إلى واشنطن للتوجه بطلب إلى مسؤولي الصحة والكونجرس؛ لإرسال مزيد من المساعدات، وكان جاري قد طالب المسؤولين بإرسال لقاحات وأدوية تجريبية.

<p>مبالو فوني (إلى اليسار، في الزي الأبيض)، وشيخ عمر خان التقطوا عدوى الإيبولا أثناء عملهم لعلاج المرضى في مستشفى كينيما الحكومي.</p>

مبالو فوني (إلى اليسار، في الزي الأبيض)، وشيخ عمر خان التقطوا عدوى الإيبولا أثناء عملهم لعلاج المرضى في مستشفى كينيما الحكومي.

Mike DuBose/United Methodist News Service; Pardis C. Sabeti


لقد شجعوا الآن الأطباء من منظمة «أطباء بلا حدود»، ومنظمة الصحة العالمية على علاج خان بواسطة ZMapp، لكن الأطباء تخوّفوا من أن حدوث خطأ ما سيقوِّض ثقة الناس الهشة بالفعل فيهم، ولذا.. قرَّروا عدم الإقدام على هذه الخطوة.

وبينما أصبح خان شديد المرض الآن، كان مستشفى كينيما على وشك الانهيار. كان هناك عدد كبير جدًّا من المرضى، وعدد قليل جدًّا من الموظفين لعلاجهم، وكانت الإمدادات تتضاءل. ومع شعورهم بالخوف على حياتهم، وبسوء تجهيزهم للقيام بأعمالهم، أعلن مَنْ تَبَقَّى من الممرِّضين والممرضات وفنِّيِّي المختبرات الإضرابَ. وبات المستشفى ككل مغلقًا فعليًّا، باستثناء عمله المتعلق بالإيبولا.

كان الطبيب في تولين، دانيال باوش، يعمل بجناح إيبولا في ذلك الوقت تقريبًا. وفي أحد الأيام، ذهب إلى الجناح مع عامل من منظمة الصحة العالمية. «كان يوجد 50 مريضًا، ولم تكن هناك أي ممرضة أو سواها من العاملين الصحيين. وكان أول رد فعل لي هو أننا بحاجة إلى إغلاق هذا المركز فحسب. لا يمكننا القول إنه يقدِّم أيّ رعاية». ومع ذلك، فقد واصلوا العمل، مدركين تماما أن كينيما كان الملاذ الأخير للمرضى، الذين سيسببون نشر المرض حال إطلاقهم.

في الوقت نفسه، ومع سماعهم لشائعات مفادها أن الإيبولا كان خديعة أو مؤامرة، هاجم سكانٌ من المدينة المحيطة المستشفى، وألقوا الحجارة على المبنى. واستخدمَت الشرطة الغاز المسيل للدموع؛ لإبعاد المتظاهرين. وفي 29 يوليو، تلقّت سابتي رسالة إلكترونية ثانية من متخصص في الأوبئة في سيراليون. كانت الرسالة ببساطة: «رحل الدكتور خان».


لاسا تقترب

كانت الفترة التي تلت وفاة خان هي فترة الهمود لهذه الاجتياح في كينيما. فقد كان فَقْد رائدها وكثيرين غيره مدمرًا. يقول جوزيف فير، عالِم الفيروسات الذي يعمل في سيراليون منذ عام 2004، والذي كان مستشارًا للبلاد في مواجهتها للاجتياح الحالي للمرض: «لقد سبب إحباطًا تامًّا للمجتمع، ومزّقه تمامًا». صُدمت سابتي وفريقها أيضًا، «لقد أحببنا ذلك الرجل».

وبحلول الوقت الذي نشر فيه البحث الخاص بتسلسل أول 78 حالة (S. K. Gire et al. Science 345, 1369–1372; 2014)، في 28 أغسطس، كان ستة من مؤلفيه ـ بمن فيهم خان وفوني ـ قد رحلوا، لكنْ في ذلك الوقت بدأت المساعدة في الوصول، وبدأ عمال من منظمة الصحة العالمية ومنظمة «أطباء بلا حدود» بإعادة تكديس إمدادات المعدات الواقية. وبدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ببناء مركز للعلاج خارج كينيما مباشرة. ما زال كينيما يعالج نحو 50 مريضًا بالإيبولا، لكنه يحاول تقليص حجم هذا العمل، وإعادة فتح أجنحته العامة. ومع تركيز كل الاهتمام الآن على إيبولا، يبدي الأطباء الذين يعملون في كينيما قلقهم من لاسا. فموسم ذروة لاسا ـ الذي يمتد من نوفمبر إلى إبريل (J. G. Shaffer et al. PLoS Negl. Trop. Dis. 8, e2748; 2014) ـ آخِذ في الاقتراب، ومن بين موظفي المستشفى الستة والثلاثين الأصليين المتخصصين في لاسا، هناك أحد عشر مصابًا منهم الآن، وستة توفوا. وموظفو المراقبة، والأطباء، والممرضون، والسائقون، وعمال النظافة، وفَنِّيُّو المختبرات، جميعهم فقدوا حياتهم بسبب الإيبولا. يتقدم المتدربون الجدد وبقية الموظفين ـ ومن ضمنهم ناجون من إيبولا ـ لعلاج الحالات التي تصل، لكن المستشفى يشهد عددًا من مرضى لاسا أقل مما كان متوقَّعًا لهذا الوقت من العام. يقول جاري: «نعتقد أن المرضى متردِّدون في القدوم إلى هنا، وهذا ليس جيِّدًا».

لا يزال جاري يأمل في جعل كينيما مركزًا متميزًا لأبحاث لاسا، عن طريق تدريب الموظفين الأفريقيين؛ لإجراء التجارب الإكلينيكية بأفضل الطرق لتعقُّب وتشخيص وعلاج هذا المرض. ويعتزم مجلس الحمى النزفية إطلاق اسم خان على الجناح الجديد عند إنجازه. الهدف هو تجهيزه بمنظم التسلسل الجيني عالي الإنتاجية، بحيث يتمكن الباحثون هناك من دراسة الفيروسات الجوالة في كافة الأوقات، وربما كشف الاجتياح المقبل للإيبولا، أو غيرها، قبل أن يصبح خارج نطاق السيطرة. ولَدَى جاري ثقة بالناجين في كينيما، حيث يقول: «لقد قضى عدد كبير من هؤلاء الناس جزءًا كبيرًا من طفولتهم مختبئين في الأدغال من المتمردين». ويضيف جاري، راجعا بتفكيره إلى أيام الحرب الأهلية: «أنت تتحدث عن مجموعة من الأفراد شديدي التكيّف». ويستعدّ سابتي وجاري وزملاؤهما الآن للخطوة التالية في بحوثهم، وهي: وَضْع تسلسل عيِّنات كل مريض إيبولا شُوهِدَ في كينيما منذ 18 يونيو. وهم يأملون أن تكشف البيانات ما إذا كان الفيروس مستمرًّا في التحوُّر بالمعدَّل نفسه، وضِمْن المناطق الجينية السابقة نفسها، أم لا، وما إذا كانت الطفرات التي شُوهدت في الاجتياح الحالي قد جعلت الفيروسات المختلفة الجوالة الآن أكثر أو أقل قدرة على الانتقال بين الناس؛ والتسبب في الموت. ستخبرنا البيانات أيضًا بقصة أكثر خصوصية، كاشفةً عن المسار الدقيق الذي سلكه الفيروس الذي أصاب خان، والخالة مبالو، والكثير من زملائهما.. فهم أيضًا ممثَّلون في العيِّنات.