تعليقات

بحث طبي: إقصـاء المرضـى

إن الدراسات الإكلينيكية المؤثِّرة لابد أن تأخذ جميع الأعراق بعين الاعتبار، فالإقصاء يمكن أن يعرِّض المجتمعات للخطر، حسبما يقول استيبان جي. بورشار.

استيبان جي. بورشار
  • Published online:

<br><p>عقاقير الربو الشائعة يمكن أن تكون أقل تأثيرًا في الأطفال من بعض الأعراق.</p>


عقاقير الربو الشائعة يمكن أن تكون أقل تأثيرًا في الأطفال من بعض الأعراق.

Ed Kashi/VII/Corbis


في عام 1997، عندما كنتُ مقيمًا في كلية طب جامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، تمّ العثور على جثة مراهق أمريكي من أصل أفريقي على بُعد بضعة أمتار من المستشفيات الجامعية، وقد وُجد أنه توفي إثر نوبة ربو، وكان متشبِّثًا بجهاز الاستنشاق الخاص به.

من المعروف أن الأقليات العنصرية والعرقية في الولايات المتحدة لديها معدلات أعلى من الأمراض، مثل الربو1، والسرطان2، وتتلقى رعاية أسوأ3. وبالمقارنة مع البيض الذين لهم ظروف مماثلة، فأفراد الأقلِّيّات يحصلون على ممرات قلب تحويلية، وتطعيمات ضد الأنفلونزا أقل.

ليس معروفًا أن العديد من العقاقير تؤثر بشكل أفضل في الأصول الأوروبية عن غيرهم، فأحد أنواع عقاقير الربو (مُناهِضات β2 طويلة المفعول) ترتبط بارتفاع معدل الوفيات في الأمريكيين من أصل أفريقي4.

يتضرر السكان المنحدرين من أصل غير أوروبي، لأنهم لم تتم دراستهم بشكل مكثف، وغابت القرائن التي يمكن أن تكشف عن جوانب جديدة لبيولوجيا المرض لديهم، فاحتواء مختلف أنواع المجتمعات في الأبحاث الإكلينيكية والطبية الحيوية أمر لا بد منه، أخلاقيًّا وعلميًّا، كما أن البِنْيَة التحتية البحثية تحتاج إلى إعادة تقييم وفقًا لذلك.

كانت والدتي مكسيكية، وكانت مثقلة بالأعمال وبدون زوج، وتعلمت الإنجليزية، واستطاعت الالتحاق بالجامعة. ولقد قضيت جزءًا من عمري مع أسرة صينية احتوتني. وأصبح مدرب المصارعة الخاص بي ـ وهو أمريكي من أصل أفريقي، وكان عضوًا في فريق الولايات المتحدة الأوليمبي في عام 1984 ـ هو مَثَلِي الأعلى، وبمثابة الأب. وفي وقت لاحق، وفي أثناء دراستي في كلية الطب، كنت أعيش في إسكان للطلبة، أنشأه الطلاب اليهود. وقد دفعتني هذه التجارب إلى النظر في الفوارق الصحية بين مختلف المجموعات العنصرية والعرقية، التي سوف أناقشها هنا باستخدام الشروط والمعايير التي وضعتها المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، انظر: (go.nature.com/a2euvo).

في العام الذي توفي فيه ذلك الشاب في بوسطن، حدَّدْتُ أنا وزملائي متغايرًا مرتبطًا بالربو في جين إنتاج إنترلوكين 4، وهو بروتين تأشير الخلية الذي ينسق الاستجابات المناعية والالتهابية. في دراستنا5 لـ772 فردًا، ارتبط الشكل المتغير للجين مع مستويات أكثر انخفاضًا في وظيفة الرئة، مما يؤدي إلى زيادة حدة المرض في الأشخاص البيض. وعلى الرغم من أن الأطفال السود أكثر عرضة من الأطفال البيض للإصابة والموت نتيجة الربو (انظر: «تفاوُت الربو»)، إلا أن عددًا قليلًا من المرضى السود قد تم إدراجهم في الدراسة، ولذلك.. كان لدينا أساس إحصائي غير كاف لتأسيس ارتباط وراثي في الأشخاص السود، ومع ذلك.. وجد تحليلنا أن الشكل المتغير للجين كان أكثر شيوعًا بـ%40 في الأشخاص السود، الأمر الذي أدَّى بي إلى التساؤل عما إذا كانت هناك فوارق صحية قد تنجم عن الاختلافات الوراثية، فضلًا عن العوامل الاجتماعية والبيئية.

في العام نفسه، نشرت CDC بيانات تُظهِر أن الوفيات نتيجة الربو كانت ثلاث مرات أعلى في مجتمعات الإسبان الذين يعيشون في شمال شرق الولايات المتحدة منها عند الذين يعيشون على الساحل الغربي. وعلى الفور، اعتقدتُ أن الملاحظة يمكن أن تنجم عن الاختلافات الوراثية بين سكان بورتوريكو (الذين يتركزون في شرق البلاد) والمكسيكيين (الذين يتركزون في الغرب). هذا الإدراك دفَع إلى إنشاء دراسة علم وراثة الربو في الأميركيين اللاتينيين (GALA)، التي بدأت في عام 1998 في بوسطن، ونيويورك، وسان فرانسيسكو في كاليفورنيا. في أحد التحاليل، طُلب من الأطفال الذين يعانون من الربو أن يتنفسوا في جهاز مِقْياس التَّنَفُّس بعد تَلَقِّي العلاجات القياسية. أظهر البحث6 أن أكبر مؤشر للاستجابة للعقاقير كان العِرْق، وهو أقوى من العمر، والجنس، أو شدة المرض. فقد أثَّرَت عقاقير الربو، التي توصف عادةً بشكل أقل في سكان بورتوريكو من تأثيرها في المكسيكيين والأمريكيين من أصل أفريقي.

كبر الصورة

Source: Ref. 1

تحدث هذه الفوارق عبر أعراق وحالات أخرى. فأمراض القلب والسكتة الدماغية من أهم الأسباب الرئيسة للوفاة في جميع أنحاء العالم، ويوصف عقار «كلوبيدوجريل» المُضَادّ لتَّخَثُّر الدم على نطاق واسع للأشخاص الذين أصيبوا بأزمات قلبية، أو سكتة دماغية. في مارس الماضي، أقام المسؤولون في هاواي دعوى قضائية ضد مصنع الدواء، لعدم إفصاحه عن أن الدواء غير مؤثِّر بشكل متكرر مع مجموعات السكان من أصول تعود إلى شرقي آسيا، وجُزُر المحيط الهادئ، مما يجعلهم أكثر عرضة للنوبات القلبية المتكررة.


منظومة فاسدة

هناك عقبات عديدة تمنع تقديم هذه الدراسات التي يمكنها أن تقوم بتمييز هذه الفوارق، وتمويلها، وتنفيذها، ونشرها. فالمستشفى الذي أعمل فيه يقوم بعشرات التجارب الإكلينيكية، لكنه يخدم ـ بشكل أساسي ـ الأشخاص المنحدرين من أصول أوروبية وآسيوية. ولتجنيد ما يكفي من المواد لدراسة GALA أرسلنا موظفين إلى أجزاء أخرى من منطقة خليج سان فرانسيسكو، وإلى المكسيك، وبورتوريكو. وقد أنشأنا شبكة من الأطباء ذوي الخبرة؛ لتخدم مجتمعات متنوعة، وتستخدم منسقين إكلينيكيين متعددي اللغات، وأشركنا العيادات المجتمعية والزعماء الدينيين ونشطاء المجتمع. وكان وضعي كطبيب وعالِم يتحدث لغتين، وآتٍ من أقلِّيّة عرقية لا يُقَدَّر بثمن، لألعب دور الوسيط في هذه الروابط.

فور تعيين المشاركين، قمنا بقياس النسب الوراثي باستخدام بيانات مرجعية من مشروع 1,000 جينوم، ومشروع تنوع الجينوم البشري، الأمر الذي لم يكن سهلًا، فقد أُجريت أقل من %4 من دراسات الارتباط الوراثي على الأشخاص المنحدرين من أصل غير أوروبي. كان علينا إنشاء بيانات مرجعية لوراثة بشرية خاصة بنا بالتعاون مع باحث آخر، كان قد جمع عيِّنات من أمريكيين أصليين.

كان عملنا مثمرًا.. فقد كنا قادرين على إظهار أن أخْذ النسب الوراثي في الاعتبار يمكن أن يحسِّن دِقّة تشخيص أمراض الرئة في مجتمعات الأمريكيين من أصل أفريقي والمكسيكيين. كما حدّدنا أيضًا المتغيرات الجينية التي قد تفسِّر السبب وراء ضعف تأثير عقاقير الربو على الأطفال من بورتوريكو، والأطفال الأمريكيين من أصل أفريقي. والتجارب الإكلينيكية جارية الآن لتقييم فعالية أدوية الربو في أعراق مختلفة، استنادًا إلى المتغيرات الجينية.

مثل هذا العمل ـ الذي يُولِي الأقلِّيّات اهتمامًا ـ يواجه منظومة فاسدة. فبصفتي مُراجِعًا للمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (NIH)، المموَّلَة من دافعي الضرائب الأمريكيين، شاهدتُ كيف يتم انتقاد طلبات المنح التي تقترح تحليلًا وراثيًّا للأقليات السكانية في الولايات المتحدة، بسبب اعتبار المراجعين لهؤلاء السكان أنهم أكثر صعوبة في التحليل من الشعوب الأوروبية الأكثر تجانسًا من الناحية الوراثية. وللأسف، فإني أعتقد أن العديد من مراجعي المعاهد الوطنية للصحة ينظرون إلى الأصل الوراثي الغني باعتباره موضوعًا محيِّرًا إلى حد كبير، فهم لا يقدِّرون إمكانية قدرتهم على الكشف عن عوامل خطر جديدة.

نَشْر مثل هذه النتائج أيضًا أمر صعب، فمعظم الدوريات عالية التأثير تتطلب ترابط العيِّنات من دراستين معينتين بشكل مستقل. هذا الطلب واضح ومباشر بالنسبة للسكان الأوروبيين، بسبب وجود عديد من العيِّنات المخزَّنَة، لكن تحقيقه للمجتمعات الأخرى أمر بالغ الصعوبة.

إنّ الفوارق مستديمة بطبيعتها. فعلماء الأقلِّيّات غالبًا ما يكونون الأقدر على جلب «المزيد»، والثقة في مجتمعات الأقليات السكانية، لكن هؤلاء العلماء في وضْع حَرِج من ناحية أخرى. فوفقًا لأحد التحليلات، كان العلماء السود في الولايات المتحدة أقل احتمالًا بنسبة %13 للحصول على التمويل من المعاهد الوطنية للصحة من الباحثين البيض7، وباختصار.. فإن الباحثين الذين يريدون التركيز على الأقليات يواجهون تحديات إضافية.


إحصاء الجميع

أوصى «قانون تنشيط المعاهد الوطنية للصحة» لعام 1993 بأنّ البحوث التي يمولها المعهد الوطني للصحة يجب أن تشمل الأقلِّيّات. وبعد مرور واحد وعشرين عامًا، لا تزال البحوث الإكلينيكية التي تركز على التنوع هي الاستثناء، وليست القاعدة. وعلى الرغم من أن مجتمعات السود والأقليات الأخرى في الولايات المتحدة لديها معدلات أعلى من الإصابة والوفيات بسبب السرطان من البيض2، إلا أنها أقل إدراجًا ـ بشكل عام ـ في التجارب الإكلينيكية. فمن ضمن 10,000 تجربة من التجارب الإكلينيكية المموَّلة من قِبَل المعهد الوطني للسرطان منذ عام 1993، ركَّزت حوالي 150 دراسة فقط على الأقلِّيّات8 العنصرية أو العرقية.

«ينبغي الالتفات إلى طلبات منح تحليل الأقلِّيّات بصورة أكثر إيجابية، وليس بصورة أقل إيجابية».

من الواجب تقييم هذه الثغرات، وتأثيرها على الرعاية الصحية. وينبغي على وكالات التمويل بذل المزيد من الجهد؛ لجمع الأدلة عن الأشياء المطلوبة في البحوث، وتعزيز التدريب على البحوث، وتوفير أماكن لمناقشة التفاوت في مجال البحوث الطبية الحيوية. كما يجب ـ كحد أدنى ـ أن تعكس كلٌ من العنصرية والعرقية للمشاركين في الدراسة وضع المجتمع الذي تجري دراسة المرض فيه. وينبغي الالتفات إلى طلبات منح تحليل الأقليات بصورة أكثر إيجابية، وليست بصورة أقل إيجابية، كما يجب أن تطلب الدوريات تمثيلًا وتحليلًا مناسبين قبل نشر الدراسات الإكلينيكية.

يجب على الباحثين أيضًا تشكيل مشاركات مع الأطباء والمقيمين في المجتمعات الأقل تمثيلًا، فهُم أيضًا لديهم مصلحة في تحسين الدراسات. وأخيرًا، يجب أن تكون هناك زيادة في توظيف الأطباء والعلماء المنتمين إلى الأقليات، وزيادة الآليات؛ لتعزيز تدريبهم والاحتفاظ بهم.

في كل مرحلة من مراحل عملية الاكتشاف والمراجعة العلمية، يجب أن يضع المحققون في اعتبارهم أن عامل النَّسَب يمكن أن يسهم في اختلافات المرض، والاستجابة للعقاقير. والعمل بخلاف ذلك يعني صحة أسوأ لنا جميعًا.

  1. Moorman, J. E. et al. National Surveillance of Asthma: United States, 2001–2010 (National Center for Health Statistics, 2012).

  2. Aizer A. A. et al. Cancer 120, 15321539 (2014).

  3. Durazzo, T. S., Frencher, S. & Gusberg, R. JAMA Surg. 148, 617623 (2013).

  4. Currie, G. P., Lee, D. K. & Lipworth, B. J. Drug Saf. 29, 647656 (2006).

  5. Burchard, E. G. et al. Am. J. Respir. Crit. Care Med. 160, 919922 (1999).

  6. Naqvi, M. et al. J. Asthma 44, 639648 (2007).

  7. Ginther, D. K. et al. Science 333, 10151019 (2011).

  8. Chen, M. S. Jr, Lara, P. N., Dang, J. H., Paterniti, D. A. & Kelly, K. Cancer 120, 10911096 (2014).