تحقيق إخباري

السيطرة على الأنواع الغازية: صَيــَّـادو الفائـِض

يغزو سَمَك الأسد المدمِّر الشِّعابَ المرجانية في أمريكا. ويمكن لمسابقات اصطياده أن تساعد على إبقاء هذا النوع المثير للمشكلات تحت المراقبة.

هانا هوج
  • Published online:

<p>يمكن لمسابقات الانتقاء والصيد المستهدف أن تسيطر على مجموعات سمك الأسد.</p>

يمكن لمسابقات الانتقاء والصيد المستهدف أن تسيطر على مجموعات سمك الأسد.

Alex Mustard/Naturepl.com


غَمَسَتْ ستيفاني يديها المُغْمَدتين في قفازين سوداوين سميكين في مبرِّد مليء بسَمَك الأسد. وبمهارة تجنّبت أشواكه الـ18 السامة، لتلتقط إحداها وتضعها على طاولة لتسجِّل طولها. في مكان قريب، كان المتطوعون يقطعون السمكة المخطَّطة باللون البُنِّي، والأحمر، والأبيض؛ لإعداد طبق السيبيتشي؛ وتمريره إلى الجمْع المحتشِد.

بينما كانوا يتذوقون الطعام، كان فريق من الغواصين يحوم حول منطقة التسجيل. كانوا ينظرون إلى ما اصطاده كل منهم، ويتجادلون حول أيهم سيحظى بالجوائز التي تفوق قيمتها 3,500 دولار أمريكي بعد مسابقة اصطياد سمك الأسد لعام 2013، التي جرت في كي لارجو، فلوريدا.

تقول جرين، العالمة الرئيسة في المسابقة، والمتخصصة في علم البيئة البحرية بجامعة ولاية أوريجون في كورفاليس: «هناك اندفاع محموم في يوم التسجيل، حيث تدخل الفِرَق حاملة مبرِّدات مليئة بالسَّمَك، في سباق مع الزمن». ومع انتهاء ذلك اليوم من سبتمبر الماضي، كانت جرين وغيرها من مسجِّلي الأرقام قد أحصوا 707 سمكات أسد بين أصغرها، التي يقل طولها عن كرة الجولف، وأكبرها، التي امتد طولها ليتجاوز طول كُرَتَي قدم تقريبًا.

تُعَدّ مسابقة الصيد هذه جزءًا من محاولة لمعالجة أحد الأنواع الغازية، الذي عُرف كواحد من أكبر قضايا الحفظ1 في العالم. فمنذ أول ظهور لسَمَك الأسد (Pterois volitans) على الساحل الشرقي للولايات المتحدة في ثمانينات القرن العشرين، تمكَّن هذا المفترس النَّهِم من التهام سَمَك الشِّعاب المرجانية الممتدة من ولاية كارولاينا الشمالية إلى فنزويلا. وقد ناضل المسؤولون عن حماية الشِّعاب المرجانية؛ لإيجاد سبل للسيطرة على هذه المجموعات، ويتبنى مديرو هذه المسابقات لصيد السَمَك هذا الأمر في عدد قليل من المجتمعات الساحلية.

تنطوي هذه الاستراتيجية على شيء من المقامرة، نظرًا إلى أن مسابقات صيد الأنواع الغازية الأخرى ـ كالثعابين في فلوريدا ـ كانت محدودة النجاح، لكن البيانات التي جمعتها جرين تُظْهِر أن المسابقات ـ ولو ليوم واحد فقط ـ يمكنها أن تُنقِص أعداد هذه التجمعات بشكل فعال. تقدِّم النتائج التي توصّلت إليها، وتلك الناتجة عن جهود الصيد الأخرى، دروسًا حول قدرة المكافآت المالية الصغيرة ـ إلى جانب العلم والتوعية ـ على المساعدة على إبقاء الأنواع الغازِيَة تحت السيطرة. يقول جيمس موريس، خبير شؤون البيئة في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي في بوفورت، كارولاينا الشمالية: «ليس في وسعنا السيطرة على سمك الأسد في المحيط كله، لكنّ المسابقات يمكنها أن تكون ذات تأثير عالٍ مَحليًّا».

ومِثل العديد من الغزوات، بدأ غزو سمك الأسد صغيرًا. يُوجد هذا السَّمَك عادةً في غرب المحيط الهادئ، وفي المحيط الهندي، والبحر الأحمر، حيث تتمكن مفترِساته من إبقاء أعدادها تحت السيطرة. يشير التحليل الجيني2 إلى أن ما يقرب من اثنتي عشرة سمكة أسد قد أُدخلت لأول مرة قبالة سواحل ولاية فلوريدا، حيث أُطلقت خطأً، أو عمدًا، من أحواض السمك. ومن هناك، حدث تزايد شديد في أعداد هذا النوع من السمك. تفرّخ سمكة الأسد باستمرار تقريبًا، مُطْلِقَةً مليوني بيضة سنويًّا. وهناك عدد قليل من مفترِساتها في موطنه الجديد.

«في بادئ الأمر، اعتقد الناس أنّ السمكة مضحكة وجميلة»، حسب قول مارك فيرماي، المتخصص في علم حفظ الأحياء في معهد الأحياء البحرية الكاريبي في جزيرة كوراساو، لكنّ الآراء تغيّرت مع هيمنة سمك الأسد، كما يقول: «لقد انتشر في كل مكان بسرعة كبيرة، كالصراصير». ومنذ أن رُصد لأول مرة بالقرب من فورت لودرديل بولاية فلوريدا في عام 1985، استعمر سمك الأسد ما يزيد على 4 مليون كيلومتر مربع في جميع أنحاء البحر الكاريبي، وخليج المكسيك، وعلى طول ساحل المحيط الأطلسي في القسم الجنوبي من الولايات المتحدة. وهو لا يبدي أي مظهر للتراجع. ويخشى علماء البيئة البحرية من امتداد هذا الغزو مع الوقت إلى أوروجواي، الذي ستوقفه فقط درجة حرارة المياه في فصل الشتاء. قد يصبح هذا أحد أنواع السَّمَك المُدْخَل الأكثر إضرارًا بالبيئة في غرب المحيط الأطلسي، حسب قول مارك هيكسون، عالِم البيئة البحرية، الذي يعمل الآن في جامعة هاواي في مانوا، والمشرف على جرين في ولاية أوريجون. وتعادِل كثافة هذا السَّمَك في بعض المواقع قبالة ساحل ولاية كارولاينا الشمالية وجزر البهاما، 5–15 ضعف كثافته في أماكن وجوده الطبيعية، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 400 سمكة في الهكتار الواحد.

قد تكون لهذا الغزو آثار عميقة على التنوع الحيوي للنظم البيئية للشِّعاب المرجانية. فسَمَكة أسد البحر تستهلك كل ما يتسع له جوفها، وبكميات كبيرة. وقد أمكن لتحليل الحمض النووي3 لمحتويات معدة 157 سمكة أسد التُقطت في القسم المكسيكي من البحر الكاريبي تحديد 43 نوعًا من القشريات، و34 نوعًا من السَّمَك، بما فيها سمكة الببغاء، والناخر الفرنسي، وجريسبي، وهي تشكل مصادر غذائية مهمة للسكان المحليين. في غياب مفترِساتها الطبيعية، يمكن لسمكة الأسد أن تلتهم %79 من صغار سَمَك الشِّعاب المرجانية خلال مدة لا تتجاوز خمسة أسابيع.

قد يؤدي جنون التغذية إلى مشكلات أكبر.. فبعض السَّمَك الذي تتغذى عليه سمكة الأسد ينظف الشِّعاب المرجانية من الطحالب، وهو متأثر بالفعل بسبب الإفراط في صيده في البحر الكاريبي. وبدون هذه الأنواع الأساسية، يمكن للطحالب أن تتفوق على الشِّعاب المرجانية. وقد أظهرت المحاكاة التي أجراها خيسوس إرنستو أرياس جونزاليس، في مركز البحوث والدراسات المتقدمة التابع لمعهد البوليتكنيك الوطني في ميريدا، المكسيك، أن غزو سمك الأسد سيُنْقِص الكتلة الحيوية للمرجان في الشِّعاب المرجانية للبحر الكاريبي بحوالي %10 في غضون عشر سنوات4.


خارج السيطرة

لم تعدّ جرين لدراسة سمك الأسد. كانت قد بدأت للتو في التحضير لشهادة الدكتوراة في أحياء حفظ الأنواع عندما سافرت إلى جزر البهاما في عام 2008، مع مستشارتها إيزابيل كوتيه، المتخصصة في علم الأحياء في جامعة سيمون فريزر في بورنبي، كندا. كانت إحدى الطالبات اللاتي زرنها ترى سمك الأسد يملأ جميع مواقع دراستها. تقول جرين: «لم يكن أحد يعرف أي شيء عنه، ولا أساسيات الأماكن التي كان فيها، أو ماذا أكل».

تساءلت جرين، وكوتي عمّا إذا كان السَّمَك المَحَلِّي سيعود، إذا ما أزاحوا سمك الأسد، أم لا. في ديسمبر 2009، عَمَدَتا إلى دعم 24 بقعة من الشِّعاب المرجانية، وأَوْكَلَتا للغواصين أمر تنظيف المواقع من مجموعات سمك الأسد كل شهر لمدة 18 شهرًا. وتوقَّعَتا أن تحتاج جهود التنقية إلى إزالة 25–%92 من المفترِسات، حسب الموقع، لتمنعها من استهلاك الكثير من أنواع الفرائس. بنهاية التجربة، كان السَّمَك المحلي قد زاد بنسبة 50–%70 في الشِّعاب التي وصلت إلى المستوى المستهدَف من الحماية5.

لم تكن جرين، وكوتي الوحيدتين اللتين تلاحقان سمك الأسد. ففي وقت مبكر من ذلك العام، كانت مؤسسة التوعية البيئية بالشعاب المرجانية (REEF) في كي لارجو، فلوريدا، قد بدأت بإجراء مباريات في جزر البهاما؛ لزيادة الوعي المحلي بالغزو. وقد شاركت جرين ـ التي كانت تتعاون مع المؤسسة أثناء تحضيرها لشهادة الدكتوراة ـ في تخطيط المطاردات الأولى.

فيما بعد، قررت استخدام المسابقات؛ لاختبار ما إذا كان من الممكن أن يكون للمطاردات المحدودة تأثير، أم لا. وبمساعدة من المتطوعين المجهَّزِين بملابس الغوص وأنابيب التنفس تحت الماء، أحصت جرين سَمَك الأسد في 60 موقعًا قبل وبعد المنافسات في كي لارجو وجزر البهاما في عامي 2012 و2013. واستنادًا إلى تحليل أوَّليّ للمنافسات، تقول: «كان هناك انخفاض كبير في كثافة سمك الأسد في المواقع التي يصطاد فيها الناس السمك». بعد المسابقات، تراجعت كثافة سمك الأسد بأكثر من %60 في منطقة مساحتها 100–150 كيلومترًا مربعًا، مقارنةً بمستويات ما قبل المنافسة. تقول: «يبدو الأمر وكأنه اقتلاع الأعشاب الضارة من حديقتك. لن تتمكن من التخلص منها تمامًا، ولكنها عندما تقلّ عن مستوى معين؛ لن تسبِّب مشكلات».

عاود سَمَك الأسد استعمار المواقع خلال ستة أشهر، إلا أنه كان أصغر إلى حد كبير، مما ساعد على تخفيف الضغط عن الشِّعاب المرجانية. فسَمَك الأسد الأصغر يأكل أقل، ويفترس السَّمَك الأصغر، وينتِج عددًا أقل من السَّمَك.

يقول تيد جروشولز ـ عالِم البيئة البحرية في جامعة كاليفورنيا، ديفيس ـ إن البيانات التي جمعتها جرين ومؤسسة REEF تدعم فكرة أن المنافسات يمكنها السيطرة بفعالية على مجموعات سمك الأسد في مناطق مختارة. كما أنها تتوافق مع نتائج الجهود الأخرى للسيطرة على سمك الأسد. عندما غزا سَمَك الأسد البحرَ الكاريبي الهولندي في عام 2009، بدأ المتطوعون على الفور باستخدام بنادق الرمح؛ للتخلص منه من جزيرة بونير، لكنهم لم يحركوا ساكنًا في كوراساو المجاورة. وبعد عامين من الصيد بالرماح، وجد فيرمي وزملاؤه أن الكتلة الحيوية لسَمَك الأسد في المناطق المعالجة من جزيرة بونير كانت تعادل ثلثها في المناطق التي لم تتعرض للصيد، وحوالي ربع ما شُوهد في كوراساو6.


متابعة الهدف

حققت مسابقات اصطياد سمك الأسد نجاحًا أكبر من بعض الجهود الأخرى التي استعانت بالصيادين للسيطرة على النوع الغازي. ففي عام 2013، على سبيل المثال، نظّمت مفوضية حفظ السَّمَك والحياة البرية في فلوريدا أول تحدٍّ لاصطياد الأَصَلَة (ثعبان كبير غير سام)، وهو حدث يستمر شهرًا كاملًا وتقدَّم فيه جوائز نقدية، ويجتذب الصيادين المحترفين والهواة للتخلص من الثعابين البورمية (Python bivittatus)، لكن الثعابين أثبتت مشقة الإمساك بها، نظرًا إلى صعوبة تحديد مواقعها في أحراش فلوريدا؛ فقد أمسك الصيادون بـ68 ثعبانًا فقط من مجموعها الذي يُقدَّر بـ 30,000–100,000 ثعبان.

«لقد انتشر في كل مكان بسرعة كبيرة، كالصراصير».

يقول جيسون جولدبرج ـ عالِم الأحياء الذي يعمل في مؤسسة الولايات المتحدة للسَّمَك والحياة البرية في أرلينجتون، فيرجينيا ـ إن تحسين المنافسات ممكِن عن طريق إدراج نتائج البحوث. يحتاج المنظِّمون إلى حساب عدد السَّمَك الذي يجب أن يُزاح، وما إذا كان من الأفضل التخلص من السَّمَك الأكبر سنًّا، أم الأكبر حجمًا، وكيف يؤثر اكتظاظه على صحة المجموعة. يمكن بعد ذلك استخدام هذه المعلومات؛ لتحديد أهداف الصيد، ومنع حدوث المشكلات التي برزت عندما أَعدَمَت أستراليا الثعالب الحمراء (Vulpes vulpes). فقد تم القضاء على خُمْس الثعالب الحمراء في الدولة إبّان تجربة ثعالب فيكتوريا الزائدة (Victorian Fox Bounty Trial) عامي 2002–2003، لكن النتيجة النهائية كانت زيادة أعدادها، لأن الثعالب الباقية انتعشت، بسبب نقص المنافَسة على الطعام7.

قد تكون الحوافز النقدية مساعِدة، لأنها تستدرِج الهواة إلى جهود السيطرة على الغزاة. في شمال غرب المحيط الهادئ مثلًا، يُعرض على الصيادين 4–8 دولارات أمريكية لقاء التقاط كل سمكة بايك منوّة (Ptychocheilus oregonensis)؛ لمنعها من افتراس صغار السلمون. ويُمكِّن هذا البرنامج من التخلص من أكثر من 3.9 مليون سمكة، وتراجع الافتراس بمعدل %40.

يقول جولدبرج إن البحوث على منافسات سمك الأسد يجب أن تقدم رؤيتها التي تتعلق بالوقت الذي يجب إجراؤها فيه، ومعدّل إجرائها بالنسبة إلى كل موقع. ويضيف إنه يمكن الاحتياج إلى خطوات جديدة، كتشجيع الصيد التجاري لسمك الأسد؛ بغرض جعل هذا النوع أكثر شيوعًا في المطاعم.

أدَّى غزو سمك الأسد ونجاح المسابقات إلى تغييرات في سياسة ولاية فلوريدا. ففي أغسطس الماضي، خفَّف منظِّمو الحياة البرية من قيود الصيد في الولاية؛ للسماح للغواصين الذين يستعملون أجهزة إعادة التنفس ـ وهي أجهزة تتيح لهم البقاء في الماء لفترة أطول ـ بجمع سمك الأسد. كما ستسمح الآن للمشاركين في المسابقات باصطياد سمك الأسد بالرمح في المناطق التي كان يُحظر فيها الصيد بالرمح خلافًا لذلك. يقول موريس: «لكي تتمكن المناطق البحرية المحمية من العمل كمناطق حفظ، من المهم الحفاظ على الأحياء والبيئة بأقصى درجة ممكنة. وهذا يتطلب الآن السيطرة على سَمَك الأسد».

مع إعطاء نتائج بحثها إشارة في الاتجاه الإيجابي، تعتزم جرين مواصلة تحليل بيانات مسابقات سمك الأسد، بما فيها تلك التي جرت في كي لارجو في 13 سبتمبر الماضي. تقول إنها عندما تشارك الغواصين نتائج بحوثها، فإنها تلهب حماسهم. وتضيف قائلة: «هناك شعور مجتمعي جيد في مسابقات سمك الأسد بأنّ هذه أداة يمكن أن تكون ذات أثر إيجابي، وتساعد على إحباط الغزو».

  1. Sutherland, W. J. et al. Trends Ecol. Evol. 25, 17 (2010).

  2. Freshwater, D. W. et al. Mar. Biol. 156, 12131221 (2009).

  3. Valdez-Moreno, M., Quintal-Lizama, C., Gómez-Lozano, R. & García-Rivas, M. del C. PLoS ONE 7, e36636 (2012).

  4. Arias-González, J. E., González-Gándara, C., Cabrera, J. L. & Christensen, V. Environ. Res. 111, 917925 (2011).

  5. Green, S. J. et al. Ecol. Appl. 24, 13111322 (2014).

  6. de León, R. et al. Endang. Species Res. 22, 175182 (2013).

  7. Pasko, S. & Goldberg, J. Manag. Biol. Invasions (in the press); corrected proof available at http://go.nature.com/o7drth