رؤية كونية

ضرورة إعطاء أولويّة لمراكز تشخيص الإصابة بالمرض في مواجهة أزمة الإيبولا

يقول جيه. دانْيِل كيلي إن معوقات فحص عينات فيروس الإيبولا تترك المرضى محاصرين لأيام في أجنحة العزل، وتثير مخاوف من التماس العلاج.

جيه. دانْيِل كيلي
  • Published online:

Sarah Bones

لن أنسى المرة الأولى التي دلفت فيها إلى جناح عزل بمستشفى كونوت بمدينة فريتاون في سيراليون. كان ذلك في العشرين من أغسطس الماضي. وُضِع ثمانية أشخاص داخل الجناح ـ يُعتقد إصابتهم بالمرض ـ في ثلاث غرف لرعاية المرضى. وقد بدا المرضى في الغرفة الأولى أصحاء، وألقينا عليهم التحية.

في الغرفة الثانية، كان المرضى بالكاد قادرين على الجلوس، ومع ذلك.. استطاعوا التعبير عما يشعرون به. وفي الغرفة الأخيرة، كان هناك مريضان، امرأة بدت مرتبكة ومتوترة، وثبت لاحقًا أنها مصابة بالمرض. وفي الجانب الآخر من الغرفة، كان هناك شابٌّ ضَمَّ أطرافه حول جسده، وانزوى في زاوية فِرَاشه، وبدا سليمًا، لكنه كان مذعورًا.

لقد كان مريضًا بشكل مميت عندما أُدْخِلَ المستشفى منذ ثلاثة أيام، ولاحقًا شُفي من المرض، لكنه رأى الفيروس يودي بحياة اثنين آخرين في الغرفة نفسها.

لم يسعني إلّا أن أتخيل شعوري لو كنت مكانه، وأنا أرى الآخرين يصيبهم المرض ويودي بحياتهم، متسائلًا إذا كنتُ أنا الضحية التالية، أم لا. فكّرتُ بعد ذلك في ظروف العزل البائسة ـ حيث لا يُسمح بوجود الزائرين، ويقضي المرضى حاجتهم في دلو ـ كيف بَدَوْتُ وأنا أرتدي "حُلَّتِي الفضائية" الواقية في عينيّ هذا الرجل. لقد بثت فكرة إصابتي بفيروس الإيبولا في سيراليون الذعرَ في نفسي.

لابد أنها بَثَّت الذعر في نفس ذلك الرجل أيضًا، وهو ما كان يمكن تفاديه. لقد استغرق فحص عيِّنَة دمه أربعة أيام، وأظهرت نتائج الفحص أنها خالية من الفيروس. في تلك المرحلة، كان في سيراليون منشأتان لتشخيص الفيروس؛ أقربهما مستشفى كينيما الحكومي، على بُعد خمس ساعات، وتَعُجّ بعيِّنات دم من شتى أنحاء البلد.

في الليلة التي وصل فيها الرجل المتقوقع على نفسه إلى مستشفى كونوت، لم يكن هناك طاقم تمريض ليتولّاه بالرعاية، ويشرف على حالته. لقي الطبيب السيراليوني ـ الذي كان يشرف على الجناح ـ حتفه، ولم يحلّ محله أي طبيب سيراليونيّ آخر. كان الرجل محجوزًا في هذه البيئة المرعبة، لحين سَحْب عيِّنة من دمه؛ لاختبارها. كانت تُنقل عيِّنات الدم وقتئذ ومعها المرضى المصابون إلى مستشفى كينيما بسيارة الإسعاف مرة واحدة فقط في نهاية كل يوم. وحتى بعد وصول عيِّنة دم الرجل إلى المستشفى، لم يتم تحليلها إلّا في اليوم التالي.

بدأتُ العمل في سيراليون منذ ثماني سنوات، عندما شاركتُ في تأسيس "تحالف ويلبودي" Wellbody Alliance، وهي مؤسسة غير ربحية للرعاية الصحية في مدينة كونو. لذا.. فإنني على دراية بالتحدِّيات اللوجستية التي تواجه نظام الرعاية الصحية المتداعِي للبلد، لكن القصور الشديد في مراكز تشخيص فيروس الإيبولا في سيراليون يفاقم من تفشِّي الفيروس. إن الذين يظنون أنهم مصابون بالفيروس لا يَوَدُّون تمضية عدة أيام محجوزين بعيدًا عن ذويهم، ومحاطين بطاقم عمل يرتدي ملابس رواد فضاء.

هذا الخوف يعني أن المرضى يدخلون إلى أجنحة العزل عندما تكون أعراض إصابتهم شديدة. هذا.. إنْ دخلوها من الأساس.

هذا الخوف يعني أن المرضى يدخلون إلى أجنحة العزل، عندما تكون أعراض إصابتهم شديدة. هذا.. إنْ دخلوه من الأساس. ولو استطاعت وزارة الصحة والتطهير السيراليونية تطوير منشآت التشخيص؛ فستساعد على تقويض المخاوف، والحيلولة دون انتقال الفيروس من المرضى ذوي الحالات السيئة، المترددين في الْتِمَاس العلاج.

لِندْرس حالة مدينة فريتاون، على سبيل المثال.. فقد وصل فريق قوامه أربعة أشخاص من جنوب أفريقيا إلى المدينة على متن الطائرة نفسها التي ركبتُها. جاءوا ومعهم جهاز لتحليل الحامض النووي الريبي للفيروس، وأقاموا موقعًا للتشخيص على أطراف مدينة فريتاون بالمعمل الوطني في سيراليون. وفي غضون أسبوع واحد، كان الفريق بصدد إرسال نتائج فحص فيروس الإيبولا لجناح العزل مرتين يوميًّا. ولم يَعُدْ بعض المرضى بحاجة إلى المبيت بعد، فهذه التجربة مقبولة، وأقل إثارة للخوف.

ورغم أن مدينة فريتاون تتمتع حاليًا بدورة أسرع للحصول على نتائج الفحوص، ما برحت منطقة بورت لوكو ـ أحدث منطقة تفشَّى فيها فيروس الإيبولا ـ تُرسِل عيِّنات دم إلى مستشفى كينيما. وفي كونو التي قمت بزيارتها أيضًا، اضطر ثلاثة مرضى لانتظار نتائج عيِّنات دمهم من مستشفى كينيما لتأكيد التشخيص. وأدَّى التأخير في استلام النتائج إلى وفاة ثلاثتهم قبل نقلهم إلى المركز العلاجي.

في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي، حذّر توم فريدمان ـ مدير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) ـ من أن المسألة مسألة وقت، قبل أن يتصاعد تفشِّي فيروس الإيبولا في سيراليون، بحيث يضاهي مستوياته في ليبيريا. ولقد توقعت منظمة الصحة العالمية وخبراء النماذج التنبؤية أن يتراوح عدد المصابين بفيروس الإيبولا ما بين 20 و100 ألف حالة قبل انتهاء الوباء. إننا بحاجة إلى تسريع وتيرة نظام الرعاية الصحية، وإذا عجزنا عن ذلك، وجب علينا تقريب وسائل التشخيص إلى الناس، وهو ما يعني توفير المزيد من المواقع. وحتى الآن، تم تطوير كل هذه المواقع باعتبارها خدمات ملحقة بمراكز العلاج. إننا بحاجة إلى تعميم هذه الخدمات في كل مقاطعة، حتى تلك المقاطعات التي لا تشتمل على مراكز عزل.

ونظرًا إلى أن ركيزة الرعاية الإكلينيكية ـ في أغلبها ـ كانت على مراكز العزل والعلاج، فقد تم تجاهل استراتيجية المواقع التشخيصية.

هناك أمر آخر من بين التحديات الحالية، وهو الحاجة إلى توحيد المعدات والتقنيات المستخدمة وطرق الحصول على النتائج. إن وزارة الصحة والتطهير تريد إجراء تشخيصات قياسية، وتوافقها وكالات دولية، مثل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية. وعلى الرغم من أن هذا التوحيد يتطلب وقتًا، لكنه ضروري. وحتى الآن تستخدم سيراليون أربعة أنواع مختلفة ـ على الأقل ـ من الملابس الوقائية الممنوحة في أجنحة العزل، مما قد يغيِّر من عملية التطهير، ويربك العاملين في المجال الصحي.

وبينما يزداد عدد المشتبه في إصابتهم بفيروس الإيبولا في سيراليون، سيتعرض نظامها الصحي إلى ضغوط متزايدة من أجل تسليم نتائج الفحوص في الوقت المناسب، فثلاثة مواقع تشخيصية غير كافية.