أنباء وآراء

ديناميكية الأرض: كيف تساعد أعمدةُ الوشاح على تَصَدُّع الصفائح

نماذج حاسوبية توضِّح كيفية تأثُّر المواد الحارة الصاعدة من باطن الأرض بتكتونيات الصفائح، منتِجةً اختلافات غير متوقعة في طبوغرافيا الأرض، ومُعِينة على تَصَدُّع الصفائح القارِّيَّة.

  • Published online:

الجبال العالية والوديان السحيقة معالم لقاراتنا تخطف الأبصار. مثل هذا التباين في ارتفاع السطح هو نتاج حركات متقاربة ومتباعدة للصفائح التكتونية التي تشكل الطبقة الخارجية من الأرض؛ الغلاف الصخري. تتراكب فوق هذا المشهد طبوغرافيا منخفضة على مناطق شاسعة، أنشأتها حركة بطيئة في باطن الأرض. كيف تتفاعل هاتان العمليتان لتشكيل الأرض تحت أقدامنا؟ في العدد الصادر في الرابع من شهر سبتمبر الماضي من دورية Nature الدولية استعرض بروف وجيريا1 كيف تحوِّل تكتونيات الصفائح التدفق العميق والمتناسق للوشاح إلى طبوغرافيا سطح غير منتظمة، ليتعرّضا للنقاش الدائر عن العوامل التي تدفع إلى تفكك الصفائح القارِّيَّة.

وشاح الأرض، الذي يقع تحت الصفائح التكتونية، يتحرك ببطء، إلى حد ما كسائل يحتر. وتأتي حرارة الأرض من الحرارة التي تخلَّفت عن العمليات المكوِّنة للكوكب، ومن تحلُّل العناصر المشعة مثل اليورانيوم. تصعد إلى أعلى ـ عبر تدوير هذه المادة ببطء ـ أعمدةٌ حارة من مادة طافية ودافئة (أعمدة الوشاح) التي تنقل الحرارة بفاعلية من أعماق كبيرة إلى السطح2,3. هذه الأعمدة هي على الأرجح مصدر تدفق الحمم الكبرى، مثل تلك الموجودة في سيبريا والهند، التي ربما كانت سببًا في انقراض متعدد لكثير من الكائنات الحية في الماضي4. لا يزال الكشف الحاسم عن أعمدة الوشاح عسيرًا حتى الآن5. وهذا صحيح، لا سيما بالنسبة لاستقصاء أجزائها الأعمق، التي يمكن تصويرها فقط بشكل غير مباشر.

وبالإضافة إلى ذلك.. فإن تأثير أعمدة الوشاح على سطح الأرض أبعد ما يكون عن البساطة، إذ يُعتَـقَد أن للأعمدة شكلًا متماثلًا ينشئ ارتفاعًا دائريًّا للسطح بمجرد مساسه بصفيحة الغلاف الصخري. وعمود هاواي، رغم هذا، يُظهِر أن الوضع قد يكون أكثر تعقيدًا، حيث تضافرت عوامل عدة لتخريب التماثل المتوقع في السطح6,7، منها حركة أفقية للصفيحة، وربما قناة مائلة للعمود، مع حمل حراري على نطاق صغير في الوشاح الأعلى، وعدم تجانس في الصفيحة التي فوقه.

والطبوغرافيا الناشئة عن تدفق الوشاح تحدث على مساحات واسعة، ولكن بمقادير منخفضة، تصل إلى ارتفاع مئات الأمتار من السطح على مسافات تتراوح من مئات إلى آلاف الكيلومترات. وإقليميًّا، هذه العلامة مثقلة بإزاحات سطح كبرى نشأت عن طريق عمليات تكتونية مثل تَكَوُّن الجبال. لذا.. فالطبوغرافيا الناتجة عن تدفق الوشاح عادة ما تتحدد بتخليص طبوغرافيا الأرض من آثار فروق الكثافة الناجمة عن تكتونيات الصفائح. لكن بروف وجيريا عرضا نماذج مجسمة ثلاثية الأبعاد (3D) تظهر أن طبوغرافيا الأرض لا يمكن فصلها عادة إلى مساهم عميق، وآخر ضحل عند النظر إلى تفاعلات الوشاح والصفائح. هذه هي الحال، لا سيما بالنسبة للصفائح القارية، الأكثر سُمْكًا من الصفائح المحيطية التي تتميز بتناوب طبقات أفقية من مواد قوية وضعيفة. أظهرت تجارب8 حاسوبية سابقة، ثنائية البعد 2D، أن الغلاف الصخري القارِّي فوق رأس عمود وشاح يمكن أن ينشئ اختلافات تشبه القطرة. قد يؤدي التشوه على امتداد الطبقات الضعيفة داخل الغلاف الصخري إلى أنساق هبوط وارتفاع متناوبة على نطاق ضيق، بدلًا من ارتفاع واحد في السطح يشبه القبة. وباستخدام نماذج ذات دقة عالية لتفاعلات الأعمدة والغلاف الصخري، أظهر بروف وجيريا أن هذا يسري أيضًا على النماذج ثلاثية الأبعاد.

هذه النماذج التي تجمع تدفق الوشاح مع التشوه (الذي تحدثه) تكتونيات الصفائح، تشير إلى ضرورة الكَفّ عن النظر إلى إسهامات أي من تكتونيات الصفائح أو تدفق الوشاح منفردة. وبدلًا من هذا.. تتنبأ النماذج ثلاثية الأبعاد المركبة بطبوغرافيا سطح يمكن مقارنتها مباشرة مع ما تم رصده. ومع ذلك.. فإن مثل هذه المقارنات تكون صعبة، لأن نتائج بروف وجيريا أظهرت أن الطبوغرافيا القارية فوق أعمدة الوشاح لا تتباين في الزمان والمكان فحسب، بل قد تكون أيضًا غير متماثلة. ولذا.. يصبح صعبًا تحديد ارتفاع سطح ذي صلة بأعمدة الوشاح على نحو واضح، أو حتى استخدام مشاهَدات السطح هذه لتحديد خصائص باطن الأرض، مثل اللزوجة.

قد تفضي نماذج تفاعلات الأعمدة والغلاف الصخري، مثل التي تخص بروف وجيريا، إلى جدلية البيضة والدجاجة في علوم الأرض: أيمكن لأعمدة الوشاح أن تسبب مثل هذا الارتفاع والتشوه في قارة، بحيث تفككها وتنشئ محيطًا جديدًا؟ أم أن القارات تتصدع تحت الضغوط الناتجة عن حركات تكتونيات الصفائح، وتسبِّب عملية التفكك انبثاق الوشاح الحار من قشرة المحيط المتكونة؟ كالعادة، الإجابة ستكون "القليل من كليهما".

غالبًا ما يكون التفكك القاري وثيق الصلة بطفح صهاري كبير متعدد9. فعلى سبيل المثال.. وقع انفتاح وسط المحيط الأطلسي بعد وقت قصير من تشكل إقليم وسط الأطلسي الصهاري (منذ حوالي مئتي مليون سنة)، والصهارية والتصدع في منطقة عفار شمال شرق أفريقيا وثيقا الصلة زمانيًّا ومكانيًّا (شكل 1)، بيد أنه في أماكن أخرى، يحدث تفكك القارات دون صهارة كثيرة، على سبيل المثال، في التفكك بين أيبريا ونيوفاوندلاند. وحقيقة حدوث العمليات في الوقت نفسه لا تحبِّذ سيناريو واحدًا دون الآخر. وهنا تعرض نماذج بروف وجيريا رؤية جديدة، إذ يبرهن الباحثون على أن تمدد القارات البطيء ربما لا يؤدي إلى تفكك عندما لا تحتوي القارات على عدم تجانس موروث من تشوهات سابقة، مثل صدوع أو تغيرات في قساوة الصخر، لكن إذا مَسَّ عمودٌ وشاح قارة بصدد التمدد البطيء بالفعل، فإنه قد يموضع التشوه؛ ويساعد على تفكك الصفيحة. ولا يتسبب عمود الوشاح وحده في التفكك القاري، ولكنه قد يكون عاملًا حاسمًا.


طفحت كميات كبرى من الصخر الناري عبر إثيوبيا واليمن منذ 30 مليون سنة ماضية. يشكل هذا إقليم عفار الناري الكبير، وعادةً ما يُعتقد أنه مستمد من عمود وشاح عفار الذي يقع تحت المنطقة. بدأ التصدع في البحر الأحمر، وخليج عدن، وإثيوبيا قبل الحدث البركاني بقليل وبعده. وحاليًا، تتحرك الصفائح في هذه التصدعات بعيدًا عن بعضها البعض بنحو 0.5 إلى 1.6 سنتيمترات في السنة11 (الأسهم الزرقاء). ومن غير الواضح ما إذا كان هذا التصدع القارِّي قد تَسَبَّب في الحدث البركاني، أم كان عمود عفار قد ساعد التصدعات على النشوء. يميل نموذج1 بروف وجيريا الحاسوبي إلى الاحتمال الأخير، الذي تموضع فيه التصدع القارِّي فوق عمود وشاح عفار. اليابسة تظهر بالأخضر، والمناطق تحت مستوى سطح البحر بالأزرق. (تم عمل الخريطة بواسطة برنامج GPlate12 باستخدام بيانات طبوغرافية وباثيمترية من المركز الوطني الأمريكي للبيانات الجيوفيزيائية13؛ وخطوط إقليم عفار الناري الكبير، حسب مرجع 14.)

كبر الصورة


قد تنطبق صورة التفكك المدعوم بعمود وشاح هذه على انفصال النرويج وجرينلاند منذ 54 مليون سنة. وهنا، أدّت أحداث التصدع على مدى بضع مئات من ملايين السنين إلى تفكك فقط بعد وقت قصير من تشكُّل إقليم شمال الأطلسي الناري. من المثير أن نرى ما إذا كان عمود بعيد عن تصدع ناشئ قد يؤدي إلى تدفق10 "تسريب مقلوب رأسًا على عقب"، تتحرك فيه مادة العمود صعودًا بطول قاعدة الصفيحة نحو منطقة التصدع. إنّ هذا سيزيد من رجحان تفاعلات العمود والتصدع.

  1. Geological Survey of Norway, 7040 Trondheim , Norway

    • سوزان بيوتر
  1. Burov, E. & Gerya, T. Nature 513, 85–89 (2014).
  2. Wilson, J. T. Can. J. Phys. 41, 863–870 (1963).
  3. Morgan, W. J. Nature 230, 42–43 (1971).
  4. Courtillot, V., Jaeger, J. J., Yang, Z., Féraud, G. & Hofmann, C. Geol. Soc. Am. Spec. Pap. 307, 513–525 (1996).
  5. Foulger, G. R. Astron. Geophys. 43, 6.19–6.24 (2002).
  6. Ballmer, M. D., Ito, G., van Hunen, J. & Tackley, P. J. Nature Geosci. 4, 457–460 (2011).
  7. Rychert, C. A., Laske, G., Harmon, N. & Shearer, P. M. Nature Geosci. 6, 657–660 (2013).
  8. Burov, E. & Guillou-Frottier, L. Geophys. J. Int. 161, 469–490 (2005).
  9. Courtillot, V., Jaupart, C., Manighetti, I., Tapponnier, P. & Besse, J. Earth Planet. Sci. Lett. 166, 177–195 (1999).
  10. Sleep, N. H. J. Geophys. Res. 102, 10001–10012 (1997).
  11. Nocquet, J.-M., Willis, P. & Garcia, S. J. Geodesy 80, 591–607 (2006).
  12. www.gplates.org
  13. www.ngdc.noaa.gov
  14. Coffin, M. F. & Eldholm, O. Rev. Geophys. 32, 1–36 (1994).