تأبين

بيتـر مارْلـر (2014–1928)

رائد ترجمة لغة الحيوانات.

فيرناندو نوتيبوم
  • Published online:

تغنِّي العصافير ذات التيجان البيضاء بلهجات معينة في المناطق المختلفة من كاليفورنيا. وتستخدم قرود الفرفت الأفريقية نداءات إنذار متعددة؛ لتشير إلى الأخطار المختلفة، كوجود الثعابين، أو الثدييات المفترسة، أو الطيور الجارحة. وقد قام بيتر روبرت مارلر بالتأريخ لهذه الظواهر؛ لوضع أفكار حول كيفية تواصل الحيوانات مع بعضها البعض. كان يأمل في العثور على أدلّة حول بيولوجية اللغة البشرية، وكيف يمكن لاكتساب اللغة أن يمزِج بين المعرفة الفطرية والتعلم.

Courtesy of Rockefeller Archive Center

أصبح مارلر ـ الذي توفي في الخامس من يوليو الماضي ـ مهتمًّا للمرة الأولى بأصوات الحيوانات عندما كان طالبا للدكتوراة في علم النبات بجامعة كوليدج في لندن. لاحظَ عندما كان يقوم بمسح المحميّات الطبيعية المحتمَلة في اسكتلندا بالمملكة المتحدة أن أغنية طائر (الحسون الظالم) تتغير من وادٍ إلى آخر. أدَّى هذا إلى حصوله على دكتوراة ثانية في علم الحيوان من جامعة كمبريدج في المملكة المتحدة في عام 1954، التي قام فيها بوصف كاملٍ لمخزون الصوتيات لهذا الطائر المغرد، كاشفًا عن أن نداءات (الحسون الظالم) المختلفة تشير إلى أخطار مختلفة. وكان هذا كشفًا غير مسبوق.

وُلد مارلر في عام 1928 في سلاو بالقرب من لندن، وغادر إنجلترا في عام 1957؛ للانضمام إلى هيئة التدريس في جامعة كاليفورنيا ببريكلى. كانت تلك فترةً ذهبية لعلم الإيثولوجى، وهو العِلْم المختص بدراسة سلوك الحيوانات في بيئاتها الطبيعية. وفي وجود روّاد هذا العِلْم في أوروبا، مثل كونراد لورينز، ونيكولاس تِنْبِرْجِن، وكارل فون فريش، اختلف علم السلوك وقتها عما كان يفعله مختصُّو علم النفس المقارَن في الولايات المتحدة، مثل بي إف سكينر، الذي فضَّل دراسة الحيوانات - ومعظمها من الفئران والحمام ـ في بيئة معملية مبسَّطة. وفي حين كان علماء النفس يبحثون عن قواعد عالمية للتعلُّم، تُطَبَّق على جميع الحيوانات، كان علماء السلوك يهدفون إلى فهْم كيف تتكيّف الحيوانات مع بيئاتها.

علَّم مارلر ـ وهو باحث الأحياء الميداني ـ طلابه تخيُّل التحديات التي تواجهها الحيوانات البرية، والموارد الطبيعية والأخطار التي تتهدّدهم، والروابط التي كان عليهم بناؤها، والمعلومات التي يتبادلونها بين بعضهم البعض. لقد قام بتَحَدِّينا، نحن تلاميذه، لتحديد أى الإشارات تُستخدَم في أيّ سياق، والردود التي تثيرها. كانت أغنية (الحسون الظالم) الإقطاعي تمثِّل تهديدًا عاليًا ورنّانًا لمنافسيه، ولكن عندما يتودَّد الذَّكَر ذاته إلى أنثى في أماكن قريبة؛ يتحول صوته إلى خليط من الأصوات الناعمة التي تذكِّرك بكلام العشاق المعسول. علَّمَنا مارلر ملاحظة تلك الظواهر، والحذر ـ مع ذلك ـ في رسم الاستدلالات التي نستنتجها.

لقد فُتِنْت عندما سمعتُ لأول مرة محاضرة مارلر في بيركلى. هنا، كان تشارلز داروين الشاب يبني صرحًا عقلانيًّا لفهم كيفية تواصل الحيوانات مع بعضها. وكان الهدف هو اكتشاف حجم الجزء الغرائزي من تلك العملية، والجزء الناتج عن التعلم، وكيف تطورت جميع تلك الأجزاء.

كان مارلر رائعًا في تصميم تجارب معملية وحقلية. كان يَستخدم أحدث التقنيات لتسجيل الأصوات، وتحليلها، وإعادة تشغيلها، بحيث يشترك المراقبون والأدوات في «محادثات» مع الحيوانات. وبعد قياسه لاستجابات الحيوانات، كان مارلر يكتب تقريره، وهنا ظهر أسلوب توقيعه. بعد ذلك كله، كان يقول: «وقد أشارت الملاحظات»، يتبعها تفسير ما. كانت تلك طريقته في دعوة القراء والزملاء للانضمام إليه في رحلة استكشافه.. فلا حقائق رنانة، ولا اعتقادات متشددة.. وقد تَرَكَتْ له تلك الطريقة مجالًا واسعًا للقيادة بالأفكار والملاحظات، مع الحفاظ على مرونة الإطار الفكري.

انتقل مارلر من بيركلي إلى جامعة روكفيلر في نيويورك في عام 1966. وفى عام 1972 أصبح أول مدير لمركز الجامعة للبحوث الميدانية في علم البيئة والسلوك في ميلبروك شمال مانهاتن. في هذه المؤسسة الفريدة عمل على تعزيز التكامل بين العمل الميدانى والمعملي. وفي عام 1989، قام بنقل مختبره إلى جامعة كاليفورنيا بديفيز، حيث عمل أستاذًا حتى تقاعده في عام 1994.

شجَّع مارلر طلابه لدراسة أي نوع من الحيوانات يخلب لُبَّهم: الطيور، أو الذباب، أو عناكب التارانتولا، أو السحالي، أو السَّمَك الكهربي، أو الخفافيش، أو الحيتان، أو اليرابيع، أو الذئاب، أو غيرها. هناك مِن طلابه مَنْ ذهب إلى كينيا؛ لدراسة قرود الفرفت، ومنهم من ذهب إلى بورنيو؛ لدراسة إنسان الغاب، وذهب آخرون إلى اليابان؛ لدراسة قرود المكاك. قضى مارلر نفسه وقتًا في دراسة قرود الكولبس في أوغندا، وبعدها قام مع عالِمة الرئيسيات، جين جودال، بدراسة السلوك الاجتماعى لحيوانات الشمبانزي في تنزانيا. كان يأمل في أنْ يفطن إلى اللغة البشرية. تعلَّم مارلر الكثير حول الإشارات التي تستخدمها قرود الشمبانزي، ولكنه شَعُر أن اللغة البشرية ظلت في مستوى آخر خاص بها.

أدرك مارلر بذكاء أنه إذا حوَّل اهتمامه من اللغة إلى التعلم الصوتي؛ فسيجد أنّ الطيور تملك الكثير لتقدِّمه. وفي فترة مبكرة، لاحظ أن الطيور المغردة تنتقي بعناية النغمات التي تقلِّدها، وأن الاختيار يحدث عادة في السنة الأولى من حياتها. إضافة إلى ذلك.. فإن مراحل التعلم الصوتي يتم ترتيبها. فَسَّرَ ذلك لماذا كانت لهجات الحسون الظالم تختفي من صغار الطيور حين تُرَبَّى بعيدًا عن الطيور الطبيعية. إضافة إلى ذلك.. فإن طبيعة حدوث التعلم الصوتي، وتوقيته، وكيفيّته.. كل هذه الأشياء كانت وكأنّها تُوَجَّه بإرشاد من معلِّم فطري. أشار مارلر إلى أن ذلك التشابك بين الفطرة والخصائص المكتسَبة يعمل «كغريزة للتعلم».

كانت هذه النظرة المميزة بديلًا لنظرية التعلم عن طريق المحاولة والمكافأة، التي كان أغلب علماء النفس يفضِّلونها وقتها. وفيما يخص تعلُّم اللغات، اعتقد مارلر أن البشر قريبو الشبه بطيوره المغرِّدة منهم إلى فئران سكينر. وهو استنتاج كانت له تداعيات عظيمة الأثر. فإذا كان تعلُّم اللغة ـ وهو أساسي في طريقة تفكيرنا ـ محكومًا بالفطرة البيولوجية، فما الذي يخبرنا به هذا عن طبيعة المعرفة البشرية؟ هل الأمر مميَّز كلهجة الحسون الظالم؟ ففي وقت كانت فيه أغلب الضجة في مجال علوم الحياة جزيئية، كان مارلر من قلائل فلاسفة الطبيعة.

كان بيتر رجلًا نبيلًا، وكان يُكِنّ حبًّا جَمًّا لزوجته جوديث، وأطفاله الثلاثة. ولسنوات عدة، قامت زوجته بإدارة المخيَّمات التي كان يقيمها بيتر وطلابه لجمع الطيور المغردة المعشِّشة، كما أسست حضانات منزلية لتربية الصغار. كان بيتر وزوجته مِضيافَين إلى أبعد الحدود. كانا يحبّان الطعام الجيد، والشراب الجيد، والمحادثات الجيدة، والصحبة الجيدة. وكان من حُسْن حظ تلاميذ مارلر أنهم كانوا جزءًا من هذا العالَم.