أنباء وآراء

الجيوكيمياء الحيوية: ميكروبات تأكل الصخر الموجود أسفل الثلج

يكشف أول وصف للأحياء المجهرية التي تقطن أعماق البحيرة تحت الجليدية أسفل الصفيحة الثلجية للقطب الجنوبي عن بعض العمليات الأيضية التفاعلية المعقدة التي تحافظ على بقاء هذه المجتمعات الميكروبية.

  • Published online:

تَمَّ مؤخرًا وَصْف جارٍ من المياه العذبة، شديد النشاط للمجال الحيوي البحري البارد والعميق1. في العدد الصادر في 21 من شهر أغسطس الماضي من دورية Nature الدولية، أوضح فريق ويسّارد العلمي (WISSARD) ومؤلفون آخرون (كريستنر وزملاؤه2) أن المياه العذبة الباردة الموجودة أسفل الثلج السميك للصفيحة الثلجية لغربي القطب الجنوبي تقوم بدور الموطن لحياة الميكروبات، مُنْضَمَّة بذلك إلى مجموعة المجتمعات التي اكتُشفت من قَبل في مياه المحيط الباردة العميقة، وفي رسوبياته. يُعّد هذا التقرير علامة فارقة في العِلْم القطبي، إذ يوضح ـ بلا جدال ـ للمرة الأولى ـ باستخدام طريقة أخذ عينات مباشرة وخالية من التلوث ـ وجود ميكروبات في المياه، وفي رسوبيات بحيرة ويليانز تحت الجليدية، الواقعة على مسافة 800 متر أسفل سطح الجليد عند درجة حرارة −0.17 مئوية.

يضيف اكتشاف أحياء مجهرية في هذه البيئة إلى تقديرنا لكون الأنهار الجليدية وقيعان الصفائح الجليدية غير عقيمة، بل إنها تستضيف في الواقع مجتمعات ميكروبية متنوعة3. لم تتم البرهنة على أن قيعان أنهار الوديان الجليدية الصغيرة تحتوي على مجتمعات ميكروبية، إلا منذ 15 عامًا مضت فحسب4، إلا أن الثلج الموجود في هذه الأنهار أكثر ضحالة بكثير من ذلك الموجود في الصفيحة الثلجية لغربي القطب الجنوبي، كما أن وجود الميكروبات، والمواد العضوية، والأنواع الكيميائية (تشمل المغذيات من قبيل الأكسجين المذاب والنترات) التي يتم نقلها من الأسطح الثلجية الذائبة إلى القاع، يجعل من اليسير تصوُّر الكيفية التي يمكن أن تنمو بها الميكروبات هناك.

وهذا ليس هو ما عليه الحال بالنسبة للصفيحة الثلجية لغربي القطب الجنوبي، التي يوجد بها القليل من ذوبان السطح من الحواف الجليدية، بل وإمكانية منخفضة أكثر لأنْ تجد هذه المياه طريقها عبر ما يقارب الكيلومتر من الثلج، عند درجات الحرارة التي تقل بكثير عن درجة حرارة التجمد. وبدلًا من ذلك.. تنتج المياه من التسخين الحراري الأرضي عند القاع، ومن الذوبان الاحتكاكي أثناء انسياب الثلج5. يعني هذا أن أي أحياء مجهرية تعيش في المياه الموجودة أسفل ما يقارب %55 من القطب الجنوبي5، يتحتم عليها أن تعيش على مصادر الطاقة والمغذيات التي تنتج من الثلج الذائب، ومن الصخور والرسوبيات الموجودة أسفل الثلج، ومن إعادة تدوير المواد من الأحياء المجهرية الميتة6. تُلْقِي النتائج التي توصل إليها هذا الفريق الضوء على الكيفية التي تحدث بها هذه العملية.

يمكن أن تعتمد الأحياء المجهرية التي تعيش في أعماق المحيط على بقايا الأحياء السطحية التي تتساقط إلى أسفل من أعلى، بوصفها مصادر للطاقة. وعلى النقيض، يتحتم على الأحياء المجهرية التي تعيش في بيئات المياه العذبة العميقة الموجودة في بحيرة ويليانز تحت الجليدية أن تستخدم مصادر الطاقة الموجودة في المعادن التي يسحقها الثلج من صخور الأساس، وتشمل هذه المغذيات الكبريتيدات (البيريت الذي يوجد في عدد من أنواع الصخور مثلًا) والحديد المختزل، (Fe(II، الذي يوجد في عديد من المعادن التي تحتوي على مركبات الحديد والمغنسيوم (مثل الأوليفين، والبيروكسين، والميكا). يمكن أن تؤكسد مركبات الحديد والكبريت المختزلة هذه، إضافة إلى الأحياء المجهرية الميتة، بواسطة الأكسجين الموجود في الماء. وتحرِّر هذه العملية الطاقة الضرورية لدفع العمليات الحيوية التي تمكِّن أو تحفز تفاعلات أكسدة المعادن في الأحياء المجهرية الحية7. وبهذا المفهوم، يمكننا أن نقول إن الأحياء المجهرية "تأكل الصخر"، رغم أنها في الواقع تلتصق بجسيمات المعادن، وتساعد على تذويبها.

عثر هذا الفريق على الأحياء المجهرية التي تدعم هذه الأنواع من التفاعلات، وبالأخص عثروا على البكتيريا البروتينية، التي تشكل نسبة %53 من التتابعات الجينية التي تم فحصها. تُعَدّ الرسوبيات التي تسحقها الأنهار الجليدية مصدرًا جاهزًا للفوسفور8، وهو مغذٍّ رئيس يسمح بنمو الميكروبات، إلا أن الحصول على مصادر المغذي الرئيس الآخر ـ أنواع النيتروجين المذاب من قبيل النترات (NO3) والأمونيوم(+NH4) ـ ليس بالأمر السهل. يوجد القليل من هذه المصادر في الثلج الذي ذاب لينتج المياه7، كما تأتي كميات قليلة منه من بعض أنواع الميكا والفلدسبار6. وأيّ كمية نيتروجين يتحصل عليها من الصخور هي مادة تم الحصول عليها بمشقة، ولذا.. يتحتم الحفاظ عليها وتدويرها بصورة مُحكَمة؛ من أجل المحافظة على بقاء الأنظمة البيئية للأحياء المجهرية (الشكل 1).


أوضح كريستنر وزملاؤه2 حدوث عملية تدوير معتبرة لأيونات الأمونيوم (+NH4) في بحيرة ويلانز تحت الجليدية، على بعد 800 متر أسفل سطح الصفيحة الجليدية لغربي القطب الجنوبي. يوضح المؤلفون أن هذا التدوير تقوم به الأحياء ذاتية التغذية الكيميائية (البكتيريا التي تستخدم أيونات الأمونيوم، بدلًا من ضوء الشمس؛ لدفع عملياتها الحيوية ولتكاثرها) والأحياء ذات التغذية المغايرة (البكتيريا التي تفكك المادة العضوية، بما فيها الأنواع الأخرى من البكتيريا، لكي تحصل على الطاقة، وتنتج بالتالي أيونات الأمونيوم). ينحصر وجود الأحياء ذاتية التغذية الكيميائية على الأرجح في العمود المائي للبحيرة، بينما توجد الأحياء ذات التغذية المغايرة في العمود المائي، وفي رسوبيات البحيرة.

كبر الصورة


وأحد الملامح اللافتة للنظر في البيانات التي جمعها الفريق هي كون الأمونيوم، الذي يُطلق عادةً من تفكك المادة العضوية، هو نوع النيتروجين غير العضوي المذاب الرئيس. وفضلًا عن ذلك.. يحتوي العمود المائي على كميات كبيرة من الأحياء المجهرية، تقوم بعملية النترتة (التحويل إلى نترات)، وتؤكسد الأمونيوم إلى نيترات ونترات. النسبة المحددة لنظائر الأكسجين في النترات − Δ17O of NO3- - تقارب الصفر، الأمر الذي يتسق مع عملية النترتة. يبيِّن هذا الأمر بشدة أن الأمونيوم الذي تم التحصل عليه بصعوبة، والذي ينتشر إلى أعلى منبعِثًا من الرسوبيات، يتم تدويره بطريقة محكمة ما بين الأحياء المجهرية الميتة والحية، كما يقوم بالمحافظة على نمو الأحياء المجهرية، وتُعرف هذه العملية باسم "التغذية الذاتية الكيميائية".

وجد المؤلفون أيضًا أن الرواسب السطحية الموجودة أسفل الماء تحتوي على مادة عضوية بها نسب كربون إلى نيتروجين تزيد على تلك الموجودة في المادة العضوية الموجودة في العمود المائي. وتشير هذه النتائج أيضًا إلى أن تفكك المادة العضوية في الرواسب يُطلِق الأمونيوم، والأنواع المذابة الأخرى من النيتروجين، ويُرجِعها إلى العمود المائي. كذلك يبدو أن بعض الكربون الموجود في المادة العضوية المتفككة يُطلَق على هيئة أسيتات وفورمات. وهاتان الهيئتان من الكربون العضوي المذاب يمكن أن تؤخذا بسهولة من قِبَل الأحياء المجهرية في العمود المائي. وتباعًا، تُعَدّ العمليات التي تحدث في الرسوبيات، وإعادة تدوير المواد ما بين الرسوبيات والعمود المائي، مهمةً لبقاء النظام البيئي للأحياء المجهرية الموجودة في البحيرة.

وفي هذا الخصوص، يماثل هذا النظام البيئي للمياه العذبة العميقة الباردة تلك الموجودة في رسوبيات المحيط العميقة الباردة، وعليها. تغطي الصفيحة الجليدية لغربي القطب الجنوبي الأحواض العميقة للرواسب البحرية السابقة، التي يصل سُمْكها إلى عدة كيلومترات، والتي تحتوي أيضًا على مادة عضوية9، لكن لا يزال مقدار التأثير الذي يقوم به هذا التفكك التدريجي للمادة العضوية على الرواسب السطحية، وعلى المياه الموجودة ما بين الرسوبيات وقاع الثلج، أمرًا غير جَلِيّ. ولا يملك المرء إلا أن يتخيل بسهولة الكيفية التي قد يسمح بها انتشار المواد الكيميائية إلى أعلى، من الرسوبيات الأكثر عمقًا، الموجودة أسفل بعض أجزاء القطب الجنوبي، حيث تنساب المياه ببطء، للأحياء المجهرية بأن توجد في الرسوبيات الأكثر ضحالةً (الشكل 1).

يفتح البحث الذي قام به هذا الفريق نافذة مثيرة على مجتمعات الأحياء المجهرية في قاع الصفيحة الجليدية لغربي القطب الجنوبي، وعلى الكيفية التي تُستدام بها هذه المجتمعات وتنظم نفسها. كذلك تفرض النتائج التي توصلوا إليها طرح الأسئلة عما إذا كان بمقدور الأحياء المجهرية أن تأكل الصخور الواقعة أسفل الصفائح الثلجية في الأجسام الموجودة خارج كوكب الأرض، كالمريخ مثلًا، أم لا10. تبدو هذه الفكرة مقبولة بدرجة أكبر الآن.

  1. Bristol Glaciology Centre, School of Geographical Sciences, University of Bristol, Bristol BS8 1SS, UK

    • مارتن ترانتر
  1. Parkes, R. J. et al. Nature 436, 390–394 (2005).
  2. Christner, B. C. et al. Nature 512, 310–313 (2014).
  3. Anesio, A. M. & Laybourn-Parry, J. Trends Ecol. Evol. 27, 219–225 (2012).
  4. Sharp, M. et al. Geology 27, 107–110 (1999).
  5. Pattyn, F. Earth Planet. Sci. Lett. 295, 451–461 (2010).
  6. Tranter, M. & Wadham, J. L. in Treatise on Geochemistry 2nd edn, Vol. 7 Surface and Ground Water, Weathering, and Soils (ed. Drever, J. I.) 157–173 (Elsevier, 2014).
  7. Christner, B. C. et al. Limnol. Oceanogr. 51, 2485–2501 (2006).
  8. Hodson, A., Mumford, P. & Lister, D. Hydrol. Processes 18, 2409–2422 (2004).
  9. Wadham, J. L. et al. Nature 488, 633–637 (2012).
  10. Cockell, C. S. et al. in Antarctic Subglacial Aquatic Environments Vol. 192 (eds Siegert, M. J. & Kennicutt, M. C.) 129–148 (Am. Geophys. Union, 2013).