تحقيق إخباري

بحيرات تحت الجليد: الحــديقة السرية للقطـب الجنوبي

تحتوي عيِّنات تم جمعها من بحيرة مخفية تحت عمق 800 متر من الجليد على الآلاف من الميكروبات، وتشير إلى وجود أنظمة بيئية شاسعة تنتظر اكتشافها.

دوجلاس فوكس
  • Published online:

تتدفق نسمة هوائية باردة على امتداد سهول القطب الجنوبي، تؤدي إلى تخدير أنوف وآذان العلماء الذين يقفون حول فجوة داكنة في الغطاء الجليدي. تصدر بعض القطع الجليدية أصوات تشقُّق وهي تترنح على الأمتار الأخيرة من كابل رافعة تقوم بالحفر داخل الجليد. ينحني اثنان من العلماء، يرتديان بَذْلَتين معقَّمتين؛ لالتقاط حصيلة هذا الجهد، وهي بمثابة أسطوانة، لا يزيد طولها عن مضرب بيسبول، تتدلى من نهاية الكابل. يستخدم الباحثان مطرقة لقص الجليد، وجهاز تجفيف ساخن؛ لتذويب مجموعة القطع الجليدية. ينادي قائد الرافعة «هل هي قريبة بما يكفي؟» .

يجيب جون بريسكو ـ المتخصص في علوم البيئة المجهرية من جامعة مونتانا في بوزِمان ـ بالإيجاب. تستقر الأسطوانة الثقيلة في يديه المغطّاتين بقفّازين، وهو ما يثبت أنها باتت مليئة بالمياه، وتم إغلاقها بإحكام، قبل أن تمضي في رحلتها الطويلة نحو السطح. كان مصدر السائل بداخل الأسطوانة أحد أكثر الأجسام المائية على الكرة الأرضية انعزالًا: بحيرة ويلانز الموجودة تحت حوالي 800 متر من الجليد، وعلى بعد 640 كيلومترًا من نُقطة القطب الجنوبي. لم ينطق أحد بكلمة واحدة عندما أسند بريسكو الأسطوانة على كتفه، وجَرّ قدميه نحو حاوية معدنية، أقام بها الفريق مختبرًا مؤقتًا.

تُعتبر هذه الكمية من المياه، التي تم جمعها في 28 يناير 2013، أول عيِّنة تم الحصول عليها مباشرةً من بحيرة تحت جليدية. ورغم أن بريسكو وعلماء آخرين حاولوا مرارًا اكتشاف البحيرات المخفية في القارة القطبية الجنوبية، والبحث عن دلائل للحياة، إلّا أنّ الجهود لتحقيق ذلك كانت دائمًا تُعَرْقَل، نتيجة خطر التلوث، الذي كان يضع علامات الشك على أي نوع مُكتَشَف من الحياة، ويهدد أيضًا بنقل كائنات غازية إلى البحيرة. أمضى بريسكو وفريقه ست سنوات لتصميم أداة آمنة لجمع العيِّنات، وكان عليهم بعد ذلك تجاوز عدة عقبات لوجستية، مثل نقل مئات الأطنان من المعدات الثقيلة إلى الموقع المنعزل.

دَرَسَ العلماء العيِّنة منذ أن وصلوا إلى البحيرة، وتمكنوا من إيجاد غزارة عالية من أنواع الحياة تحت الغطاء الجليدي الكثيف للقارة القطبية الجنوبية. في العدد الصادر في 21 من أغسطس الماضي، من دورية Nature الدولية1، قدَّم بريسكو وفريقه نتائجهم التي تضمنت إيجاد 130 ألف خلية في كل ملِّي لتر من مياه البحيرة، وهي كثافة من الحياة المجهرية تشابه معظم المناطق البحرية العميقة في العالم2. ومع وجود حوالي 4 آلاف نوع من البكتيريا والعتائق archaea، فإن المجتمع الحي في هذه البحيرة أكثر تعقيدًا مما كان متوقَّعًا من عالم معزول عن بقية الكوكب. فكما يقول بريسكو: «كنت مندهشًا من مدى ثراء النظام البيئي، فهو بالفعل مذهل».

تظهر العينة المأخوذة من البحيرة أن الحياة قد تمكنت من البقاء في المنطقة بدون طاقة الشمس لمدة 120 ألف سنة، وربما لفترة لا تقل طولًا عن مليون سنة كما تقدم الصورة الأولى لما يمكن أن يكون أكبر نظام بيئي غير مكتشَف على كوكب الأرض، يشكل حوالي %9 من مساحة الأراضي على الكوكب. يقول ديفيد بيرس، عالِم الأحياء الدقيقة بجامعة نورثمبريا في بريطانيا، الذي كان جزءًا من الفريق الذي حاول ـ بلا نجاح ـ أن يحفر في منطقة تحت جليدية مختلفة، وهي بحيرة إلسوورث، في عام 2013: «هذه هي المرة الأولى التي نحصل فيها على رؤية حقيقية لنوعية الكائنات التي يمكن أن تعيش تحت القارة القطبية الجنوبية».


الحياة على الجليد

يُعتبر الجليد الموجود فوق بحيرة ويلانز مستويًا بدرجة مدهشة، مما يجعل من المستحيل تصوُّر وجود أي شيء غير طبيعي تحته. لقد ارتحلتُ للمرة الأولى إلى هناك عام 2007 كصحفي مُرافِق لبعثة علمية إلى البحيرة، التي تم اكتشافها في وقت سابق من تلك السنة، عن طريق أدوات الاستشعار عن بُعد باستخدام الأقمار الصناعية. عُدْتُ إلى الموقع نفسه في يناير 2013 مرافِقًا للفريق العلمي الذي يقوده بريسكو مع اثنين من العلماء الآخرين؛ للحصول على عيِّنات من البحيرة. تضَمَّن ذلك المشروع ـ الذي أُطلق عليه «التنقيب البحثي للوصول إلى المنطقة تحت الجليدية لتيار ويلانز الجليدي» ـ تعاونًا ما بين عشرات العلماء من 15 جامعة من خمس دول. استثمرت المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة حوالي 20 مليون دولار في هذا الجهد، الذي تضَمَّن بناء أداة حفر ساخنة؛ للوصول إلى البحيرة، دون تلويثها.

كبر الصورة


لم تكن نظرية وجود بحيرات كبيرة تحت الجليد القطبي الجنوبي منتشرة بشكل واسع قبل تسعينات القرن الماضي، عندما تمكَّنَت أجهزة الرادار المخترقة للجليد، وأدوات مسح النشاط الزلزالي، من إنتاج أول أدلّة علمية موثوقة حول البحيرات تحت الجليدية. والآن، هناك 400 بحيرة معروفة منها. يتم تغذية هذه البحيرات بالمياه التي تذوب من قاعدة الغطاء الجليدي بمعدلات لا تتجاوز بضعة ملّيمترات سنويًّا، تتسبب فيها حرارة الهواء المحيط المنبعث من داخل الأرض (انظر: «البحيرات الخفية»).

لا يوجد شبيه لبحيرة ويلانز على سطح كوكب الأرض، إذ يؤدي ثقل الجليد إلى دفع المياه الموجودة تحت الجليد إلى أعلى، مما يجعل شكل البحيرة يبدو في حالة انحناء على جانب هضبة. تتشكل البحيرة من طبقة رفيعة من المياه ـ لا تتجاوز مترين في العمق، وحوالي 60 كم مربع في المساحة ـ محصورة في جيب من الضغط المنخفض الذي تَسَبَّب فيه ترقُّق الغطاء الجليدي، بينما تتهادى المياه على ارتفاع الهضبة.

تم إنشاء المعسكر البحثي في هذه المنطقة المنعزلة في يناير 2013، عندما وصلت الجرارات التي تحمل حاويات خاصة بالشحن على زلّاجات ضخمة. وخلال رحلة استغرقت أسبوعين من الساحل، تمكَّنت الجرارات من حمل 500 ألف كيلوجرام من الوقود، والمعدات، والمختبرات المتنقلة، ومنظومة ماكينات، ومثقاب ماء ساخن كبير احتاج إلى ست حاويات للبضاعة لحَمْله. خلال أسبوعين فقط، أصبح المعسكر موقعًا صناعيًّا صاخبًا يوجد فيه 36 شخصًا، ومجموعة من الخِيام تتراقص بفعل الرياح الباردة، ومحركان هائلان بطاقة 225 ألف وات. الصيف في القطب الجنوبي يشبه شتاءً معتدلًا في مينيابوليس في مينيسوتا، حيث درجات الحرارة تقل من 5−15 درجة عن التجمد.

احتاج الأمر سبعة أيام للحفر داخل الغطاء الجليدي. ولمنع التلوث، عمل الباحثون على استخدام الأشعة فوق البنفسجية، وتنقية المياه، واستخدام بيروكسيد الهيدروجين، لتعقيم الآلات والمياه المستخدمة للحفر داخل الجليد. ومع اقتراب الفريق من البحيرة، تباطأ التقدم، حتى وصل إلى بطء شديد عندما واجه الفريق صعوبات في توجيه المثقاب؛ أنهكته لمدة 36 ساعة.

في السابعة والنصف من صباح يوم 27 يناير 2013، سمعتُ صوتًا ينفجر حماسةً من جهاز راديو محمول يناديني إلى غرفة التحكم بآلة الحفر. في داخل الغرفة كان ستة خبراء حفر يحدِّقون في شاشة حاسوب تُظْهِر خطًّا بيانيًّا ينطلق إلى أعلى، مشيرًا إلى أن المياه في الحفرة المثقوبة قد ارتفعت لمسافة 28 مترًا إلى أعلى، مدفوعةً بتدفق من المياه الآتية من البحيرة أدناها. كانت حرارة المياه في البحيرة حوالي 0.5 درجة تحت الصفر، أي أدفأ من درجة حرارة المخيم في ذلك اليوم.

قام الباحثون برفع العيِّنة الأولى في اليوم التالي. وخلال دقائق مِن رفْع الوعاء الرمادي، قاموا بسكب محتوياته التي تضمنَت مادة سائلة تشبه الحساء بلون العسل، تَبَيَّن أنها ثَرِيّة بالمعادن أكثر مما كان متوقَّعًا. تمت مشاهدة الخلايا الأولى بعد عدة ساعات تحت ميكروسكوب خاص لمشاهدة جزيئات الحامض النووي عن طريق صبغات حساسة (في صورة نقاط خضراء). وأكدت الاختبارات التي أجريت في الأيام القليلة اللاحقة أن هذه الخلايا كانت حية. بذل عشرون عالمًا وطلاب دراسات عليا الجهود على مدار الساعة لجمع 30 لترًا من المياه، وعِدّة رواسب من البحيرة. قبل انغلاق الفجوة بسبب التجمد، تمكَّن الفريق من قياس كيمياء المياه في البحيرة، وكذلك الحرارة الأرضية المندفعة عن طريق الترسبات. تراكمت صناديق جمع العيِّنات في كهف تم حفره عبر الجليد على حافة المخيم.

جون بريسكو يحمل عينة مياه من بحيرة ويلانز تحت الجليدية.

جون بريسكو يحمل عينة مياه من بحيرة ويلانز تحت الجليدية.

J. T. Thomas


على امتداد السنة الماضية، عمل الباحثون على تحليل تلك العينات؛ لتكوين صورة شاملة عن الحياة تحت الغطاء الجليدي. تمكَّن العلماء من عزل وإنماء عيِّنات استنبات لحوالي 12 نوعًا من الميكروبات. كما كشفت عملية تسلسل الحمض النووي مؤشرات على وجود 3931 نوعًا من الميكروبات في المجمل، بعضها قريب من أنواع معروفة من الميكروبات التي تقوم بتكسير المعادن للحصول على الطاقة.

ورغم أن التلوث يظل دائمًا مثيرًا للقلق، فإن العلماء غير المرتبطين بمشروع بحيرة ويلانز يقولون إن عملية التعقيم قد نجحت بالفعل، على ما يبدو. أحد المؤشرات على ذلك هو أن كثافة الميكروبات في مياه الحفر كانت أقل بحوالي مئتي مرة من كثافتها في البحيرة، كما يقول بيتر دوران، عالِم الأرض بجامعة إلينوي في شيكاجو، الذي عمل مع المجلس الوطني الأمريكي للبحوث لعشر سنوات في تطوير معايير مرجعية للجمع النظيف للعيِّنات من بحيرات القطب الجنوبي. كان دوران مقتنعًا بالدليل المقدَّم حول وجود حياة مجهرية متنوعة في البحيرات، إذ يقول: «لقد وجدوها بطريقة لا يمكن التشكيك فيها. إنها صلبة للغاية».


مؤشرات مهمة

إجمالًا، تمضي الحياة في بحيرة ويلانز بشكل مشابه للأنظمة البيئية على سطح الأرض، لكن الكائنات القاطنة على عمق كبير لا تصل إليها أشعة الشمس؛ وبالتالي لا يمكنها الاعتماد على التمثيل الضوئي؛ لإنتاج الطاقة اللازمة لتثبيت ثاني أكسيد الكربون الذائب في مياه البحيرة.

يُظْهِر تحليل المكونات الوراثية الذي قام به الفريق أن بعضًا من الميكروبات في البحيرة له صلة قرابة ببعض الأنواع البحرية التي تستمد الطاقة عبر أكسدة مركبات الحديد والكبريت من المعادن الموجودة في الرسوبيّات. وبناءً على بيانات تحليل الحمض النووي الريبي، فإن أكثر أنواع الميكروبات وجودًا في البحيرة تقوم بأكسدة الأمونيوم، الذي من المحتمل أن تكون له أصول حيوية.

يقول بريسكو، مشيرًا إلى وجود مواد عضوية ميتة، تراكمت عبر ملايين السنين عندما كانت المنطقة مغطاة بمحيطات ضحلة، بدلًا من الأنهار الجليدية: «الأمونيوم في الغالب من بقايا ترسبات بحرية قديمة».

لم تَظهر في تحليل عيِّنات المياه من البحيرة إلا البكتيريا وحيدة الخلية والعتائق، لكن تحاليل الحمض النووي المستخدَمة حتى الآن لم يتم تصميمها للكشف عن أنواع أخرى من الكائنات. هذا الأمر يحافظ على احتمال وجود أنواع أخرى من الكائنات المعقدة في بحيرة ويلانز، مثل الكائنات وحيدة الخلية، أو الحيوانات التي يقل حجمها عن ملِّيمتر، مثل الدوارات، أو الديدان، أو ثمانيّات الأرجل بطيئات الحركة، المعروفة جميعًا بوجودها في مناطق أخرى من القطب الجنوبي. تقوم فقاعات الهواء في الطبقات العليا بتوفير الأكسجين للبحيرة، وبالتالي لا يصبح الأكسجين عاملًا محددًا للنمو، لكن المعدَّل البطيءلتثبيت ثاني أكسيد الكربون من قبل الميكروبات قد لا يوفِّر إلا القليل جدًّا من الغذاء للكائنات متعددة الخلايا.

تستقبل بحيرة ويلانز حوالي عُشر كمية الكربون الجديد لكل متر مربع سنويًّا، التي تحصل عليها أكثر المناطق المحيطية فقرًا بالمغذيات، والتي تدعم وجودًا متناثرًا للمجتمعات الحيوانية. ومع أن الفرص ضئيلة جدًّا كي يتمكن بريسكو وفريقه من إيجاد أي حيوانات في بحيرة ويلانز، فهم يخططون للبحث عنها باستخدام أدوات أكثر دقة؛ لتحليل الحمض النووي. وحاليًا لا يزال الباحثون متحيِّرين حول أصول الميكروبات الموجودة في البحيرة. والسؤال الآن.. عمّا إذا كانت مجتمعات القطب الجنوبي تحت الجليدية من «الباقين»، أم «الواصلين».

إذا كانت من الباقين، يُفترض أن تكون هذه الكائنات هي سلالات لميكروبات عاشت في الترسبات عندما كانت المنطقة مغطاة بالمحيط المفتوح، كما كان الأمر في فترات مختلفة خلال آخر 20 مليون سنة. الاحتمال الآخر هو أن تكون الميكروبات في بحيرة ويلانز قد وصلت عن طريق الرياح، واستوطنت على الجليد، وتمكّنت من الوصول إلى داخل البحيرة على مدى 50 ألف سنة، بينما كان الجليد يذوب في قعر الصفائح الجليدية.

من المحتمل أيضًا أن تكون هناك كائنات قد دخلت البحيرة في وقت أقرب من ذلك، محمولةً عن طريق مياه البحر التي تتسرب تحت الغطاء الجليدي. تُوجد بحيرة ويلانز على بعد 100 كيلومتر من الجرف الجليدي، حيث يتحول الغطاء الجليدي من حالة الاستقرار على الأرض إلى الطفو على المحيط. يتغير موقع الجرف هذا مع زيادة أو تراجع سُمْك الجليد، ولهذا.. من المحتمل أن تكون البحيرة قد شهدت تبادلًا للمياه ـ والميكروبات ـ مع المحيط خلال عدة آلاف من السنوات السابقة، كما تقول كريستينا هولبِه، الخبيرة بالأغطية الجليدية في جامعة أوتاجا في مدينة دونِدين في نيوزيلندا، التي درست هذه المنطقة في القطب الجنوبي لفترة طويلة.

أدَّت النتائج الأخرى المستمدة من الدراسات على البحيرة إلى بضعة أفكار محيرة. ووجود بقايا من الفلوريد في المياه يوفر دليلًا محتملًا على وجود نفاثات مائية حرارية بالمنطقة، تُعتبر مصدرًا ثريًّا للطاقة الكيميائية التي تشمل القدرة على دعم وجود الحياة في ظروف غير عادية، مثل الديدان والميكروبات المُحِبَّة للحرارة. يقول دونالد بلانكِنشيب، عالِم الأنهار الجليدية بجامعة تكساس في أوستن : «من المحتمل وجود أنظمة للنفاثات المائية الحرارية هناك». تُوجد البحيرة على وادي صدع، ربما قلّ فيه سُمْك قشرة الأرض، كما تُظهِر صور الرادار التي التقطها بلانكنشيب وجودَ براكين محتملة تحت الجليد3,4.

يمكن للنتائج التي تصدر عن دراسات بحيرة ويلانز أن تسلط الضوء على كيفية تأثير القطب الجنوبي على المحيطات القريبة، وكذلك على العالَم كله. وإذا كانت الميكروبات الموجودة تحت الغطاء الجليدي تلعب دورًا مهمًّا في تغيير تركيبة المعادن في الترسبات، كما تشير البيانات الأخيرة، فإن هذه الكائنات قد توفر الحديد للمياه تحت الجليدية، التي تصل في نهاية الأمر إلى المحيطات. يقول مارتن ترانتر ـ عالِم الكيمياء والأحياء الجيولوجية بجامعة بريستول في بريطانيا ـ إن هذه العملية يمكن أن توفر مصدرًا من المغذِّيات لهذه الأنظمة البيئية المفتقرة دائمًا إلى الحديد، والواقعة في المحيطات الجنوبية5.

وإضافة إلى ذلك.. فإن وجود كميات محدودة من مواد كيميائية تُسمى (فورمات) في مياه بحيرة ويلانز يشير إلى احتمال إنتاج الميثان، وهو غاز دفيء قوي، ينبعث في الترسبات العميقة الفقيرة في الأكسجين تحت البحيرة. وقَدَّرَت دراسة تمت عام 2012 أن الترسبات تحت الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي تتضمن مئات مليارات الأطنان من الميثان، وهو مخزون يقارب كمية الميثان الموجودة في المناطق ذات التجمد الدائم في القطب الشمالي، التي يمكنها أن تتسرب من الأرض؛ وتُضَاعِف من تأثير الاحتباس الحراري وسخونة الجو حين يتراجع الجليد بتلك المناطق6.

توفِّر بحيرة ويلانز لقطة سريعة ومحلية حول طبيعة الحياة تحت الجليد. وهناك فِرَق بحثية عديدة تحاول إكمال الصورة عن طريق استكشاف بحيرات تحت جليدية أخرى. يقوم فريق روسي حاليًا بتحليل مياه من بحيرة فوستوك، وهي بحيرة تقع في صدع تكتوني عميق في شرق القطب الجنوبي، مغطاة بحوالي 3.7 كيلومتر من الجليد. يقول الباحثون إن تحليل هذه العيِّنات يشكل تحديًا، لأن المياه بقيت مجمدة لمدة سنة في قاع الفجوة التي استُخدمت في الحفر، قبل أن يتم نقلها إلى السطح. وبينما كان الجليد يرتفع، تعرَّض لسوائل الكيروسين المستخدَمة في عملية الحفر.

في منطقة أقرب إلى بحيرة ويلانز، حاول بيرس وزملاؤه في عام 2013 أن يحفروا بداخل بحيرة إلسوورث التي تقع على مسافة 3.4 كيلومتر تحت الجليد في مضيق جليدي، لكنهم اضطروا لإيقاف العملية، بعد أن واجهتهم صعوبات في توجيه آلة الحفر.

تُعتبر بحيرة ويلانز هدفًا أسهل من بحيرة إلسوورث، نتيجة وجود غطاء جليدي أقل سُمْكًا، لكنها لم تبح بأسرارها بسهولة مع ذلك. وبعد يوم واحد من الحصول على أول عيِّنة، تم إنزال كاميرا إلى داخل فجوة الحفر، وَفَّرت مشهدًا مذهلاً، بينما اقتربت من البحيرة. ارتفعت رقائق من الجليد الملون بألوان قوس قزح إلى أعلى؛ مما أنتج مشهدًا يشبه العاصفة الثلجية، ولكن في الاتجاه المعاكس، وهو مؤشر على أن الفجوة كانت تتعرض لإعادة التجمد بسرعة. بدأت معدات العلماء تصل إلى مناطق أكثر ضيقًا من الجليد؛ مما جعلهم يفتحون المياه الساخنة لتتدفق؛ لتذويب الجليد، وتوسيع الحفرة. استمرت هذه المعركة بين التجمد والتسخين لأربعة أيام، قبل أن يتخلى الفريق عن الفجوة ويتركها إلى مصيرها المحتوم، ويقوم بتفكيك المخيم، ويطير بالعيِّنات التي نالها بصعوبة كبيرة نحو الوطن.

  1. Christner, B. C. et al. Nature 512, 310313 (2014).

  2. Whitman, W. B., Coleman, D. C. & Wiebe, W. J. Proc. Natl Acad. Sci. USA 95, 65786583 (1998).

  3. Blankenship, D. D. et al. Nature 361, 526529 (1993).

  4. Schroeder, D. M., Blankenship, D. D., Young, D. A. & Quartini, E. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 90709072 (2014).

  5. Death, R. et al. Biogeosciences 11, 26352643 (2014).

  6. Wadham, J. L. et al. Nature 488, 633637 (2012).