تحقيق إخباري

التعاون عبر الإنترنت: العلمــــــــــاء وشبكات التواصل الاجتماعي

انتشرت شبكات التواصل الاجتماعي العملاقة بشكل لم يكن يتوقعه أحد حتى قبل سنوات قليلة.يستكشف هذا الاستطلاع الذي أجرته دورية Nature أسباب ذلك.

ريتشارد فان نوردين
  • Published online:

في عام 2011، احتاج إيمانويل نايمِكا نادي إلى مساعدة؛ لتحديد التسلسل الجيني لبعض الفطريات المسبِّبة للأمراض المقاوِمة للأدوية. وكطالب دكتوراة يدرس علم الأحياء الدقيقة في نيجيريا، لم تتوفر لديه الخبرة أو المعدات التي يحتاجها. لذا.. فقد اتجه إلى بوابة البحوث «ريسِرش جيت» Research Gate، وهو موقع شبكات اجتماعية مجانية للأكاديميين، حيث أرسل بضعة رسائل بريد إلكتروني. عندما وصله رَدّ من عالِم الوراثة الإيطالي أورازيو روميو؛ نشأ تعاون دولي بين الباحثَين. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، عمل العالِمان معًا على الالتهابات الفطرية في أفريقيا، حيث يقوم نادي ـ الذي يعمل الآن في جامعة ولاية بلاتو في بوكوس ـ بشحن عيِّناته إلى روميو في جامعة مسّينا لتحليلها. «لقد كانت علاقة مثمرة»، كما يقول نادي، رغم أنهما لم يلتقيا أبدًا.

يروي «إيجاد ماديش»، طبيب سابق وأخصائي فيروسات من برلين، هذه القصة كمجرد مثال واحد من أمثلة نجاح بوابة ريسِرش جيت، التي أسَّسها مع اثنين من أصدقائه قبل ست سنوات. نشأ الموقع أساسًا كنسخة للعلماء من شبكة فيسبوك، أو شبكة «لِينْكِدْإنْ» (Linkedin)، وهو يوفر لأعضائه مساحة لإنشاء صفحات شخصية؛ لعرض نشاطهم البحثي، ومشاركة الأوراق البحثية، وتتبُّع عدد مرات مشاهدة وتنزيلات تلك الأوراق، ومناقشة البحوث. على سبيل المثال.. قام نادي بتحميل جميع أوراقه البحثية على الموقع، كما يستخدم روميو الموقع ليبقى على تواصل مع مئات العلماء، وقد ساعده بعضهم في تجميع أول جينوم للفطريات.

قام أكثر من 4.5 مليون باحث بالتسجيل مع ريسِرش جيت، كما يسجل يوميًّا 10,000 عالم جديد، حسب قول ماديش. تُعَدّ هذه أرقامًا ضئيلة، مقارنةً بحوالى 1.3 مليار مستخدم نشِط على فيسبوك، ولكنها أرقام مدهشة لشبكة مخصصة للباحثين فقط. لدى ماديش أهداف ضخمة للبوابة: إنه يأمل أن تصبح ملتقى رئيسًا للعلماء الراغبين في الانخراط في نقاشات تعاونية، والأوراق التي يستعرضها الأقران، وتبادل النتائج السلبية التي قد لا تتاح لها فرصة النشر فيما عدا ذلك، بل وحتى تحميل مجموعات بيانات خام. يقول ماديش، الذي يخبر المستثمرين ووسائل الإعلام إن هدفه للموقع هو الفوز بجائزة نوبل: «مع ريسِرش جيت نحن بصدد تغيير العلم بطريقة غير متوقَّعة تمامًا».

توظِّف الشركة حاليًا 120 شخصًا، وفي يونيو الماضي أعلنت أنها حصلت على 35 مليون دولار أمريكي من مستثمرين، من بينهم أغنى شخص في العالم، بيل جيتس –وهو دعم نقدي توَّج جولتين سابقتين من الاستثمار، لم يُكشف عنهما. تقول ليزلي يوان، التي ترأس فريق عمل في مجال التشبيك والبرمجيات المبتكرة للعلماء في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو: «لقد أثار ذلك دهشتنا. كان لسان حالنا يقول - مَنْ هؤلاء الرجال؟ كيف يحصلون على كل هذا المال؟».

لم تكن يوان الوحيدة التي فاجأها ذلك. فقبل بضع سنوات، كانت فكرة إقبال ملايين العلماء على شبكة اجتماعية أكاديمية عملاقة لا يُتوقَّع لها أي فرصة للنجاح. تتضمن قائمة المحاولات الفاشلة لإطلاق «فيسبوك للعلوم» جهودًا مثل «ساينتيست سولوشنز»، و«ساي لينكس»، و«إبرنيكوس»، و«2كوّلاب»، و«Nature نِتوورك»، (تديرها الشركة الناشرة لدورية Nature). تكهّن بعض المراقبين بأن ذلك يرجع إلى حَذَر العلماء من تبادل البيانات والأوراق العلمية والتعليقات على الإنترنت - أو رغبتهم في تبادل تلك الأشياء، ولكن وفقًا لشروطهم، لا عبر موقع مملوك للقطاع الخاص.

يبدو أن تلك الجهود السابقة كانت سابقة لأوانها، أو ربما كانت ببساطة تتم بطريقة خاطئة. واليوم، «ريسِرش جيت» هي مجرد واحدة من الشبكات الاجتماعية الأكاديمية التي تنتشر بسرعة. تقول الشبكة المنافسة «أكاديميا» Academia.edu، ومقرها سان فرانسيسكو، إن لديها 11 مليون مستخدم. يقول الرئيس التنفيذي ريتشارد بريس، الذي درس الفلسفة في جامعة أكسفورد ببريطانيا، قبل أن يؤسس أكاديميا في عام 2008، ويجمع بالفعل 17.7 مليون دولار أمريكي من رواد الأعمال: «تهدف الشركة إلى إعادة بناء النشر العلمي من الألف إلى الياء». وهناك موقع ثالث، هو «مندلي» Mendeley، ومقره لندن، يدّعي عضوية تبلغ 3.1 مليون شخص. وقد أُطلق الموقع أصلًا كبرنامج لإدارة وتخزين الوثائق، لكنه يشجع التشبيك الاجتماعي الخاص والعام. وفي عام 2013، استحوذت مؤسسة «إلسيفيير» العملاقة للنشر ـ ومقرها أمستردام ـ على الشركة مقابل 45 مليون جنيه إسترليني (76 مليون دولار أمريكي).


التوليفة الناجحة

رغم الإثارة والاستثمار، ليس واضحًا كم من النشاط على هذه المواقع ينطوي على تفاعل منتج، وكم يُعَدّ مجرد فضول عابر - أو رغبة في الحصول على أوراق علمية مجانًا، وضعها على الموقع مستخدمون آخرون، بدلًا من دفع ثمنها. يقول دانيال ماك آرثر، عالم الوراثة في مستشفى ماساتشوستس العمومي في بوسطن: «لم ألتق أساسًا بأي أكاديمي في مجال عملي له وجهة نظر إيجابية عن ريسِرش جيت»،.

وفي محاولة لتجاوز الضجيج واستكشاف ما يحدث حقًا، قامت دورية Nature بمراسلة عشرات الآلاف من الباحثين بالبريد الإلكتروني في شهر مايو؛ لسؤالهم عن كيفية استخدامهم للشبكات الاجتماعية، وغيرها من المواقع الشهيرة لاستضافة السِّيَر الذاتية ومحرّكات البحث، وقد تلقت أكثر من 3500 ردّ من 95 دولة.

كبر الصورة


أكدت النتائج أن موقع «ريسِرش جيت» معروف جدًّا بالتأكيد (انظر: «الوصول المتميز»، والنتائج الكاملة على الإنترنت go.nature.com/jvx7pl). فقد ذكر أكثر من %88 من العلماء والمهندسين أنهم كانوا على علم به -أكثر قليلًا ممن سمعوا عن جوجل بلس، وتويتر - مع فوارق بسيطة بين البلاد المختلفة. أقل من نصف هذا العدد بقليل ذكروا أنهم يزورون الموقع بانتظام، حيث وضعوه في المرتبة الثانية بعد موقع جوجل سكولار، وقبل فيسبوك، ولينكدإن. وكان ما يقرب من %29 من الزوار المنتظمين قد وضعوا ملخصًا لسجلهم البحثي على ريسِرش جيت في العام الماضي.

هذا لا يفاجئ بيللي سوالّا، عالمة الأحياء التطورية ومديرة مختبرات فرايدَي هاربور بجامعة واشنطن. تقول سوالّا إنها، ومعظم زملائها، يستخدمون ريسِرش جيت، حيث تجد أحدث الأوراق العلمية ذات الصلة ببحوثها بسهولة أكبر بكثير من استخدام دوريات علم الأحياء البحرية. وتضيف قائلةً: «إنهم لا يرسلون إليك الكثير من البريد المزعج، ولكني في الأشهر القليلة الماضية وجدتُ أن كل ورقة علمية مهمة ظننت أنني يجب أن أقرأها ظهرَت عبر ريسِرش جيت». تعترف سوالّا بأنها تقارن نفسها بالآخرين، مستخدمةً مقياس آر جي (RG Score) على الموقع، الذي يقيس مدى المشاركة الاجتماعية. وتقول: «أعتقد أنه يحرك بعض غرائز الإنسان الأساسية».


التوزيع التكتيكي

يقول بعض العلماء المتضايقون إن الموقع يلعب على الغرائز البشرية بشكل مبالغ فيه، عن طريق إرسال رسائل بريد إلكتروني آلية بانتظام تقول إنها من زملاء نشطين على الموقع، وبالتالي تستدرج الآخرين للانضمام بناءً على ادعاءات كاذبة. (في الواقع، ذكر %35 من مستخدمي ريسِرش جيت في استطلاع Nature أنهم انضموا إلى الموقع، لأنهم تلقوا رسالة بريد إلكتروني). وقد ضاق لارس أرفِستاد ـ عالم حاسوب بجامعة ستوكهولم ـ ذرعًا بهذا التكتيك، وقال: «أعتقد أنه نوع مشين من التسويق، وقد قررت عدم استخدام خدمتهم لهذا السبب». بعض سير البحوث التي تظهر على الموقع ليست لأشخاص حقيقيين، ولكن يتم إنشاؤها تلقائيًّا - وبشكل غير كامل - عن طريق تجميع تفاصيل عن انتماءات الناس، وسجلات بحوثهم المنشورة، وملفات «بي دي إف»، إنْ وُجدت، من جميع أنحاء الإنترنت. يزعج ذلك الباحثين الذين لا يريدون أن يكونوا على الموقع، ويشعرون بأن الصفحات تسيء تمثيلهم، خاصة عندما يكتشفون أن ريسِرش جيت لن تقوم بإزالة تلك الصفحات عندما يُطلب منها ذلك. لا ينزعج ماديش من هذه الشكاوى، فتلك الصفحات ـ على حد قوله ـ يتم تمييزها بطريقة تبين حقيقتها، ولا تُحسب ضمن المستخدمين الحقيقيين للموقع، فيقول: «لقد غيّرنا أشياء كثيرة على أساس ردود الفعل والملاحظات التي تلقّيناها، غير أن الانتقاد قليل نسبيًّا، مقارنةً بالعدد الكبير من الناس الذين يحبون الخدمة».

يبدو أن موقع «أكاديميا» معروف بدرجة أقل من ريسِرش جيت، إذ كان %29 فقط من العلماء الذين شاركوا في الاستطلاع على دراية به، بينما زاره بانتظام %5 فقط، ولكنه له مشجعوه أيضًا، ومن بينهم عالِم المناخ هانز فون ستورش، مدير معهد البحوث الساحلية في جيستهاخت بألمانيا، الذي يستخدم الموقع ليشرِك الآخرين، ليس فقط في أوراقه العلمية، ولكن أيضًا في مقابلاته، واستعراضه للكتب الجديدة، ومحاضراته. يشير بريس إلى أن «أكاديميا» يولِّد حركة مرور على الإنترنت أعلى بكثير من حركة ريسِرش جيت عمومًا، ربما لأنه - على عكس منافِسه - مفتوح لأي شخص لينضم إليه. كما أنه بالنسبة إلى الباحثين في مجال الفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية المشاركين في استطلاع Nature، الذين بلغ عددهم 480 باحثًا، كان استخدام كلا الموقعين متقاربًا بدرجة أكبر.

كبر الصورة


يقول جان رايخِلت ـ المؤسِّس المشارك لموقع مندلي (الذي سجل %48 من حيث الدراية به، و%8 من حيث الزيارة بانتظام بين العلماء في استطلاع Nature) ـ إن الأعداد الكبيرة في حد ذاتها لا تعني الكثير.. «لقد توقفنا عن ذكر (مقاييس الزَّهْو) للشركات الوليدة، فهي لا تخبرك عن جودة التفاعل».

وللقيام بقياس تقريبي لمُعامل الجودة هذا، سألَت Nature مجموعة فرعية تمثل المشاركين الأكثر نشاطًا ماذا يفعلون فعلًا على المواقع التي يزورونها بانتظام (انظر: «خمول، أم تصفُّح، أم دردشة؟»). النشاط الأكثر اختيارًا في كلٍ من ريسِرش جيت وأكاديميا كان مجرد الحفاظ على سيرة بحوث ذاتية، إذا أراد شخص ما التواصل معهم، مما يشير إلى أن عديدًا من الباحثين ينظرون إلى سيرة البحوث الذاتية باعتبارها وسيلة لتعزيز وجودهم المهني على الإنترنت. بعد ذلك، تمثلت الخيارات الأكثر رواجًا في نشر محتوى يتعلق بالعمل، واكتشاف الزملاء ذوي الصلة، وتتبُّع المقاييس، والعثور على البحوث الموصى بقراءتها. تقول دَني أوكلير، محلل بيانات أول بشركة أوتسِل، وهي شركة استشارية في مجال وسائل الإعلام والمعلومات والتقنية في بيرلنجام، كاليفورنيا: «يستخدم الناس هذه الأدوات لتطوير سير بحوثهم الذاتية، وتسهيل عملية اكتشافها والاطلاع عليها، ولكنها ليست أدوات مجتمعية للتفاعل الاجتماعي». وعلى سبيل المقارنة، فإن تويتر، رغم استخدامه بانتظام من قِبَل %13 فقط من العلماء في استطلاع Nature، يُعَدّ أكثر تفاعلًا من ذلك بكثير: فنصف مستخدمي تويتر في الاستطلاع يستخدمونه لمتابعة مناقشات بشأن قضايا متصلة بالبحوث، في حين ذكر %40 منهم أن تويتر وسيلة «للتعليق على البحوث ذات الصلة بمجال عملي»، (مقارنةً بـ%15 على ريسِرش جيت).


الأوراق من فضلكم!

تردد لورا وورمان ـ عالمة البيئة في معهد غابات جزر المحيط الهادي في هيلو، هاواي ـ آراء الكثيرين عندما تقول إنها قامت بتحميل أوراق بحثية لها على أكاديميا؛ لكي تتتبَّع عدد مرات تنزيلها، وأين ومتى يتم ذلك. «أجد أنه من المثير للاهتمام بشكل خاص أن الورقة الأكثر تنزيلًا ليست أكثر أعمالي من حيث الاستشهاد بها. بصراحة، ليس لديَّ فكرة عما إذا كانت هذه المواقع لها أي تأثير على الإطلاق في مسيرتي العملية، أم لا، وأنا أشك في أن يكون لها تأثير، ولكني أشعر بالسعادة عندما أعلم أن عملي يناقشه آخرون».

يقول بريس إنه تم تحميل 3 مليون ورقة علمية على أكاديميا، كما يقول ماديش إنه يمكن الوصول إلى 14 مليون ورقة عبر ريسِرش جيت (رغم أنه رفض ذكر كم منها تم تجميعها تلقائيًّا من مواقع يمكن الوصول إليها بسهولة في أماكن أخرى). تشير دراسة غير منشورة أجراها عالِما الكمبيوتر «ماديان خابسا» من جامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفرسيتي بارك، و«مايك ثيلوول» من جامعة ولفرهامبتون، بريطانيا، إلى أنه في أغسطس 2014، أُتيحت على ريسِرش جيت النصوص الكاملة لحوالي رُبع الأوراق البحثية المنشورة عام 2012 بمجال الأحياء الجزيئية. وتتوافر حاليًا الأوراق البحثية بسهولة على مواقع عديدة، فقد كشفت دراسة أُجريت للمفوضية الأوروبية العام الماضي أن %18 من الأوراق التي نُشرت في مجال الأحياء، بين عامي 2008 و2011، كانت من النوع الذي يُسمح بالوصول المفتوح إليه بالكامل. كما أفادت أن %57 منها أمكن قراءتها مجانًا بشكلٍّ ما، من موقع ما على الإنترنت، بحلول إبريل 2013 (انظر: Nature 500, 386-387, 2013).

يخشى الناشرون من أنْ تصبح تلك المواقع كنوزًا دفينة عامة لمحتوى يتم تحميله بشكل غير قانوني. وفي أواخر عام 2013، أرسلت مؤسسة إلسيفيير 3000 إشعار إلى أكاديميا ومواقع أخرى بموجب قانون الألفية الأمريكي لحقوق الطبع والنشر الرقمي (DMCA)، تطالبهم فيها بإزالة أوراق يمتلِك الناشر حقوق نشرها. مررت أكاديميا كل ملاحظة من تلك الملاحظات إلى مستخدميها، وهو القرار الذي أثار غضبًا عارمًا بين المستخدمين. أحد الباحثين الذين تلقوا طلبًا لإزالة ورقة (ولم يرغب في الكشف عن اسمه) قال لـNature: «أنا بالكاد أعرف عالِمًا لا ينتهك قوانين حقوق النشر. إننا نطير أسفل نطاق الرادار، ونأمل ألا يلاحظنا الناشرون».

يقول بريس إن هذه المخاوف ليست فريدة من نوعها للشبكات الاجتماعية الكبيرة، فالقضية نفسها تكتنف المحتوى المحمّل على مستودعات الوثائق التابعة للجامعات على الإنترنت (التي بعثت لها إلسيفيير أيضًا بعض إشعارات DMCA في العام الماضي). «هذا حقًا جزء من معركة أوسع، حيث يريد الأكاديميون تبادل أوراقهم البحثية مجانًا على الإنترنت، في حين يريد الناشرون الحفاظ على المحتوى وراء سياج من إجراءات الدفع؛ لاستغلاله تجاريًّا»، كما يقول، مشيرًا إلى فارق بسيط هو أن كثيرين من الناشرين يسمحون للباحثين بتحميل النسخة النهائية التي تم قبولها من الورقة، ولكن ليس ملف (بي دي إف) النهائي لها. وقد لاحظ أن إشعارات الإزالة كانت أقل عددًا هذا العام.


توجهات للانفتاح

يمكن للشبكات الاجتماعية العملاقة أيضًا عرقلة مشهد البحوث من خلال التقاط المحتويات العامة الأخرى. ففي مارس من هذا العام، استحدثت ريسِرش جيت ميزة أطلقت عليها المراجعة المفتوحة، تشجّع المستخدمين على تحميل انتقادات عميقة للمنشورات الحالية. يقول ماديش إن أعضاء البوابة أسهموا حتى الآن بأكثر من 10,000 من هذه المراجعات. ويضيف: «أعتقد أن هذا هو مجرد غيض من فيض». إنه يريد من المستخدمين تحميل مجموعات البيانات الخام أيضًا، بما في ذلك ـ ربما ـ النتائج السلبية التي قد يستحيل نشرها بطرق أخرى، ويقول إن 700 مادة من هذا النوع تظهر على الموقع كل يوم.

في أكاديميا، يخطط بريس لإطلاق ميزة جديدة لاستعراض الزملاء للورقات البحثية بعد نشرها. «علينا بناء أنظمة ترشيح أفضل؛ لشرح أي البحوث يمكنك الوثوق فيها»، حسب قوله.

سيجادل قليلون حول هذه الأهداف، ولكنّ الكثيرين سيتساءلون لماذا سيقوم الباحثون بوضع مجموعات بياناتهم واستعراضاتهم على هذه الشبكات الاجتماعية الجديدة، وليس في أي مكان آخر على الإنترنت.. على صفحاتهم الخاصة مثلًا، أو في مستودعات الوثائق الخاصة بالجامعات، أو على مواقع التخزين المخصَّصة للبيانات، مثل «درياد» Dryad، أو «فيج شير» figshare (انظر: Nature 500, 243-245, 2013، حيث يتم تمويل «فيج شير» من قِبَل الشركة الأم لدورية Nature؛ ماكميلان للنشر). وبالنسبة إلى ماديش، يكمن الجواب في «المجتمعات المتنامية من مستخدمي المواقع الاجتماعية. إنه تأثير «الشبكة» الشهير. فـ«عندما تضع شيئًا على ريسِرش جيت؛ فإنك تصل إلى الناس المعنيين»، حسب قوله، ولكن تيتوس براون ـ عالِم الحوسبة في جامعة ولاية مِتشيجان في إيست لانسينج ـ قلق حول خطط المواقع كعمل تجاري في سعيها للبقاء: «ما يقلقني هو أنه عند نقطة معينة ستستخدم ريسِرش جيت المعلومات الخاصة بها لتحقيق الربح بطرق لا نرتاح إليها، أو سيتم شراؤها من قِبَل شخص سيفعل ذلك»، حسب قوله.

يقول ماديش إن «ريسِرش جيت» لن تبيع بيانات مستخدميها، وإنها تحقق بعض الدخل بالفعل عن طريق نشر إعلانات عن الوظائف (كما تفعل أكاديميا). وفي المستقبل، يأمل ماديش في إضافة سوق لخدمات ومنتجات المختبرات، يربط الشركات والباحثين فيها بالأكاديميين (%28 من مستخدمي الشبكة من عالم الشركات، وفقًا لماديش). يتحدث بريس عن توفير الإمكانيات التحليلية للمؤسسات لفائدة الجامعات أيضًا، لكنْ هناك محللون، من بينهم أوكلير، يقولون إن إمكانيات تحقيق الربح لتلك المواقع محدودة، لأنها تستهدف شريحة ديموغرافية أضيق بكثير من «فيسبوك»، أو «التويتر». و«السيناريو الأكثر احتمالًا هو أن الشبكات التي لديها كتلة حرجة سيتم الاستحواذ عليها، والتي ليست لديها تلك الكتلة ستموت»، حسب قولها، رغم أن ماديش يقول إنه إذا تم شراء ريسِرش جيت؛ فسيكون ذلك فشلًا شخصيًّا له.

يقول ريخيلت إنّ استحواذ إلسيفيير على مندلي في العام الماضي يضع الموقع في وضع أفضل؛ ليصبح منصة عالمية للتعاون البحثي، لأنه يتلاقى مع منتجات إلسيفيير الأخرى، مثل قاعدة بيانات «سكوباس» للمقالات البحثية. إنّ الكثير من التعاون الذي يتم باستخدام مندلي خاصٌّ، ولكن الشركة تسمح لبرامج الحاسب الأخرى بسحب معلومات عامة مفيدة مجهولة المصدر تلقائيًّا، مثل أي الأوراق البحثية يتم الاطلاع عليها بصورة أكبر ومن قِبَل أي الباحثين. لا توفر «أكاديميا»، أو «ريسِرش جيت» هذه الخدمة بعد، رغم أن ماديش يقول إنه يقوم بتطويرها.

يقول ماديش «أعتقد أنه في مرحلةٍ ما سيكون هناك فائز واحد في هذا السباق»، أو أن التخصصات المختلفة للباحثين تميل إلى مواقع مختلفة، كما يوحي استطلاع Nature بأنه يحدث بالفعل. يقول بعض المحللين إنه رغم وجود الملايين من المستخدمين، فإن مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الأكاديمية الضخمة لم تثبت بعد جدواها بشكل جوهري. تقول دَني أوكلير: «هي أدوات من اللطيف أن يتم استخدامها، ولكن ليس من الضروري»، لكن بريس يقول إن هذه الشبكات في طليعة توجّه لا يمكن تجاهله: «لقد شاهدنا التغيرات في السوق، وبوسعنا أن نرى أن الأكاديميين يريدون المشاركة والتبادل المفتوح. لقد بدأ المدّ يتحول في اتجاهنا».