أخبار

نجـم ثنائـي يكشف أسـرارًا سمـاوية

سيتيح تقارب شديد لنجمَيْ منظومة «إيتا كارينا» من بعضهما، وتفاعلهما العنيف، نظرةً نادرة على لغز نجميّ.

ألِكساندرا فيتزه
  • Published online:

<p>تشبه منظومة النجم الثنائي «إيتا كارينا» هائل الكتلة النجوم الأولى التي تشكَّلت في الكون المبكر.</p>

تشبه منظومة النجم الثنائي «إيتا كارينا» هائل الكتلة النجوم الأولى التي تشكَّلت في الكون المبكر.

ESA/Hubble & NASA


بعد قرون من تحيُّر العلماء بسبب سلوكه شديد الغرابة، قد يكشف نجمٌ قريبٌ بعض أسراره في وقت قريب.

تتألف المنظومة الثنائية «إيتا كارينا»، (η Carinae)، من نجمين يتأرجحان حول بعضهما كل خمسة أعوام ونِصف العام. النجم الأكبر، الذي تساوي كتلته نحو 90 ضعفًا من كتلة الشمس، غير مستقر إلى حد بعيد، ويبدو دائمًا على شفير الانفجار. وعندما يصل النجم الصغير إلى أقرب نقطة من النجم الرئيس، كما يحصل الآن، يؤدي التفاعل فيما بينهما إلى تغيُّرات عنيفة في الإشعاعات عالية الطاقة، الصادرة عن المنظومة.

يراقب الفلكيُّون المشهد، على أمل معرفة ما يقود هذه المنظومة المحيّرة. في أربعينات القرن التاسع عشر، حصل في إيتا كارينا انفجار غامض، وفي العقود الأخيرة، سطعت المنظومة ثانيةً على نحو غير متوقَّع (انظر: «العَرض النجمي»). يقول كْريسّ ديفيدسون، الفلكي لدى جامعة مينيسوتا بمينيابوليس: «النجم في حالة اضطراب شديد، وما مِنْ أحد يعرف السبب».

يمكن لبعض الإجابات أن تأتي خلال فترة قصيرة، إذ يقول التحليل النظري إنه عند اقتراب نجم إيتا كارينا الثانوي من النجم الرئيس، تحفر رياحه النجمية السريعة ثقبًا هائلًا في الطبقات الخارجية من النجم الرئيس (T. I. Madura et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 436, 3820–3855; 2013). ويتوقع الفلكيون ـ إنْ كانوا على حق في هذا ـ أن سلسلة معينة من الأحداث قد تَجَلَّت في شهر يوليو، منها زيادة سريعة في إنتاج المنظومة من الأشعة السينية، بعد الانخفاض الذي بدأ في منتصف يوليو.

تنطوي دراسة إيتا كارينا على مضامين تتجاوز كثيرًا فَهْم منظومة سماوية واحدة بعينها. فكشف أسرارها يمكن أن يساعد الباحثين على فهْمٍ أفضل للنجوم القديمة التي وَمَضَتْ في الوجود، إذ إن إيتا كارينا مشابهة بالكتلة لأولى النجوم التي تشكَّلت في الكون قبل مليارات السنين. أما معظم نجوم اليوم، فهي أخف كثيرًا. لذا.. فإيتا كارينا مثال حديث نادر للكيفية التي يمكن بها لمثل هذا النجم كبير الكتلة أن يعمل عند مسافة الرؤية شديدة الوضوح التي تساوي 2300 فرسخ من الأرض.

كبر الصورة

Source: Astronomical Observatory of La Plata

على امتداد النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، يوجِّه الفلكيون المحترفون والهواة تليسكوباتهم نحو هذا النجم في كوكبة كارينا. يقول ثيودور جَلّ، الفيزيائي الفلكي بمركز جودارد للرحلات الفضائية، التابع لناسا، في جرينبلت بميريلاند: «إنه أعظم مجهود على الإطلاق».

ما من أحد يعرف تمامًا متى سيقوم توأم إيتا كارينا بالدُّنو إلى أقرب ما يمكن، أو كيف، إلا أنه كان هناك احتمال أن يمر أمام النجم الرئيس في أغسطس (حسبما ذكر المؤلف وقت كتابته المقال)، وهو يبعد عنه بمسافة تكافئ تلك التي بين المريخ والشمس. ويُصدِر كلا نجمي إيتا كارينا رياحًا نجمية شديدة، تتصادم عند مسافات صغيرة؛ مولِّدة «صدمة منحنية» كتلك التي نراها في مقدمة السفن. ويبدأ التشابك المتبادل سلسلةً من الأحداث الغريبة.

بدأ النجمان السطوعَ ضمن الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي في إبريل، ثم في ذروة حادّة ثانية بدأت في منتصف يونيو، وغالبًا عندما اقترب النجم المرافق وبدأ التفاعل مع رياح النجم الرئيس، كما يقول إدواردو فرناندز لاخوس، الفلكي بجامعة لابلاتا الوطنية بالأرجنتين. وصل إنتاج المنظومة للأشعة السينية ذروته في منتصف يوليو، وانخفض منذ ذلك الحين بسرعة إلى ما يقارب الصفر، على الأرجح عندما أصبحت الرياح المتصادمة التي تولِّد الأشعة السينية غير مستقرة نهائيًّا، وانهارت.

يتعقَّب تليسكوب هابل الفضائي ـ وغيره من الأجهزة أيضًا ـ التغيُّرات الهائلة في بصمات العناصر الكيميائية الموجودة في طيف إيتا كارينا الضوئي. يمكن أن ينتزع التفاعل فيما بين النجمين المتقاربين إلكترونات من عناصر معينة، مثل الحديد والهليوم، مؤيِّنًا إياها على نحو أشد مما يحصل في البيئات السماوية العادية. يقول جَل: «لديك هنا نوى الهليوم العارية، تلك التي يصعب جدًّا صنعها في الظروف العادية». وتساعد مراقبة هذه العملية مع الوقت على كشف كيفية تفاعل الرياح النجمية.

أمضى الفلكي أوجُستو دامينِلي كل ليلة، منذ الخامس والعشرين من يوليو، في مرصد بيكو دوس دياس في جنوب البرازيل، محاولًا التقاط لمحة من إيتا كارينا عبر غيوم الشتاء. وفي التاسع والعشرين من يوليو، عثر فريقه أخيرًا على فجوة قصيرة في الغيوم؛ وتمكَّن من جمع بيانات تُظهِر أن خطًّا طيفيًّا للهليوم ينخفض بالنحو نفسه الذي توقّعه. كتب دامينِلي في رسالة إلكترونية «هدف! هدف!».

في عام 2009، عندما شهدت إيتا كارينا آخر تقارب لها، انخفض إنتاج المنظومة من الأشعة السينية، ثم عاد وارتفع بسرعة في نصف المدة التي حصل فيها في عام 2003. يمكن لهذا أن يحصل، لأن رياح النجم الرئيس تكون متباطئة، ولذا.. تستغرق المنظومة بكاملها مدة أقصر في العودة إلى طبيعتها. ولو استمرت سرعات الريح في الانخفاض؛ لأمكن لإصدار الأشعة السينية أن يزداد بسرعة تفوق حتى ذاك الذي في المرة السابقة.

إن رؤية اختلافات كبيرة كهذه مِن حَدَث تقارُب لآخر هي «ما ينتظره الجميع»، كما يقول أندريا مِهنِر، الفلكي بالمرصد الجنوبي الأوروبي بسانتياجو في شيلي، الذي يراقب إيتا كارينا باستعمال هابل. ويتابع بقوله: «لا نستطيع إجبار النجم على فعل شيء مثير، إذا لم يكن يريد ذلك».