أخبار

عـلاج الإيبـولا رَهْـن النسـيان

الإمدادات اللوجستية، ونقص التمويل يَحُولان دون استخدام الأدوية واللقاحات التجريبيّة المتوفرة لمكافحة تَفَشِّي الإيبولا في أفريقيا.

سارة ريردون
  • Published online:

لم يتم استقبال عاملي الإغاثة الصحية ـ الذين يواجهون الانتشار السريع للإيبولا في غرب أفريقيا ـ بحماسة، إذ بدا أن هؤلاء الزوّار المتحصِّنين ببدلاتهم العازلة لم يجلبوا معهم سوى الموت. توفي معظم المرضى الذين أُدخلوا إلى المستشفيات المؤقتة، دون أن يُسمَح لعائلاتهم باستلام جثثهم، أو الاقتراب منها. وانتشرت إشاعات بأن هؤلاء الزوار الجدد يقومون بجمع الأعضاء البشرية، أو إجراء تجارب فتّاكة على المرضى.

وبذلك، تشتَّت الناس هناك؛ ليسوء الوضع أكثر. قضى تَفَشِّي الإيبولا ـ الأعنف في التاريخ حتى الآن ـ على أكثر من 670 شخصًا في غرب أفريقيا. ويُعتقَد أن العدوى طالت 400 شخص آخرين، دون أن تَظهَر أي علامات لانحسارها (انظر: «الاندلاعات الكبرى»).

وحتى الآن، ليس بيد الأطباء أي علاج لتقديمه للمصابين. وعلى العيادات ـ التي تعاني أصلًا من قِلَّة الكوادر ـ القيام بمهام كثيرة، كعزل المرضى المصابين، والتقصِّي لإيجاد عائلاتهم، وفَرْض الحَجْر الصحي عليهم، بالإضافة إلى تثقيف العامة حول كيفية تجنُّب نشر عدوى المرض. ورغم وجود بعض الأدوية لعلاج الإيبولا، وبعض اللقاحات للوقاية من العدوى، إلا أنها ما زالت في مراحل الاختبار، بسبب نقص الموارد المالية، وضآلة الطلب العالمي عليها. وحتى لو دفعت العجلة إلى الأمام، لن يكون بوسع المرضى الذين يحتاجونها الحصول عليها خلال الأشهر القليلة القادمة، إذ يتطلب تطويرها سنوات.

يبدو أنّه كان بالإمكان تفادي هذا الوضع السيئ، كما يعتقد باحثون مثل هاينز فِلدمان، عالِم فيروسات لدى المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعْدِيَة (NIAID) بمدينة هاميلتون في ولاية مونتانا. ففي عام 2005، نشر فِلدمان صيغة للقاح بناء على فيروس التهاب الفم الحُويْصِلي، نتج عنه لقاح فعّال للإيبولا عند تجربته على القرود الآسيوية (الماكاك) (T.W. Geisbert et al. PLoS Med. 2, e183;2005)، ولكن نقصت الأموال اللازمة للمضي قدمًا للخطوة التالية، وهي اختبار سلامة اللقاح لدى الأشخاص المعافين، حسب أقوال فِلدمان. وإذا ما قورن فيروس الإيبولا بانتشار فيروس الإيدز أو الملاريا، «لا تُعتبر الإيبولا مشكلة صحة عامة ذات أهمية كبيرة من حيث انتشارها عالميًّا»، كما يقول فيلدمان، وبالتالي فهي لا تجذب اهتمام الممولين في القطاعَين الخاص أو العام على السواء.

يقول توماس فريدن، مدير المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية في أتلانتا بولاية جورجيا : «الصحة العامة بصيغتها التقليدية القديمة قد تُجدي نفعًا مع الإيبولا. فمن الممتاز الحصول على لقاح، ولكن ليس بالأمر السهل تطويره، كما أنه ليس واضحًا على مَنْ سيتم اختباره».

كبر الصورة


يبدو لقاح فيروس التهاب الفم الحويصلي خيارًا واعدًا؛ فبالإمكان استخدامه بهدف الوقاية من الإصابة بالعدوى، كما يمكن استخدامه بعد إصابة شخص بالعدوى مباشرةً. وقد تم استخدام اللقاح على فَنِّيَّة مختبر ألمانية في عام 2009، بعد أن وخزت نفسها ـ دون قصد ـ بإبرة ملوثة بفيروس الإيبولا. ورغم أنه ليس واضحًا ما إذا كانت قد أصيبت فعلًا بالعدوى، أم لا، إلا أنها بقيت على قيد الحياة بعد تلك الحادثة، ولم تعانِ من أية تأثيرات مرضية ناجمة عن اللقاح. يقول توماس جايسبرت، مختص في علم الأحياء الدقيقة من جامعة تكساس مِديكال برانش في جالفِستون، ويعمل أيضًا على العقار: «كافة العاملين لديّ هنا في المختبر على استعداد للتطوع لتَلَقِّي اللقاح».

طوَّر مركز أبحاث اللقاحات ـ التابع للمعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية في بيثيسيدا بولاية ميريلاند ـ عقارًا يتم حمله بواسطة فيروس حمّى الشمبانزي الغُدية، الذي يشبه الفيروس المُسَبِّب للزكام. ويأمل المعهد أن يبدأ باختبار اللقاح لدى الأشخاص المعافين مع بداية الشهر الحالي. يقول بارني جراهام، مدير مركز البحث بالوكالة إن المعهد يجري محادثات مع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)؛ لتسريع عملية المصادقة على اللقاح، وهو أمر ساعده انتشار الإيبولا في غرب أفريقيا.

وبالإمكان كذلك تسريع خطوات عمل شركات التقنية الحيوية التي تعمل على تطوير علاجات لهذا المرض، إذ تعمل شركة «ماب بايوفارماسوتيكالز» ـ من سان دييجو بولاية كاليفورنيا ـ على اختبار تركيبات لمضادات حيوية وحيدة النسيلة تستهدف الفيروس، كما تأمل أيضًا في بدء اختبار هذه العلاجات على البشر قريبًا. وبتمويل بلغ 140 مليون دولار من وزارة الدفاع الأمريكية، تقوم شركة «تِكميرا» في بِرنابي بكندا باختبار علاج يُدعى «تي كي إم-إيبولا» (TKM-Ebola)، يعمل على استخدم جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA) الصغيرة؛ لربط الفيروس واستهدافه لتدميره. وقد بدأت الشركة باختبار اللقاح على البشر في يناير الماضي، إلا أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أوقفت الدراسة في الثالث من يوليو الماضي، وذلك لتوفِّر الشركة المزيد من المعطيات حول آلية عمل الدواء. تقول شركة تِكميرا إنّها واثقة من أنّه سيكون بوسعها استئناف التجربة قريبًا.

يرى أرماند سبرِتشر، متخصص في الصحة العامة لدى منظمة «أطباء بلا حدود» من بروكسل، أنّ توقيت انتشار وباء الإيبولا «سيئ»، ويقول: «لو انتشر الفيروس بعد عام أو اثنين من الآن، لربما كنا في وضع أفضل».

قد تتم المصادقة على استخدام علاج من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على أساس «الاستخدام الرحيم»، إلا أنّ هذه العملية يجب أن تنسجم مع قوانين الدولة المضيفة. يقول جين أولينجر، عالِم فيروسات لدى منظمة «إم آر آي جلوبال» لأبحاث العقود في فريدريك بولاية ميريلاند: «لا بد أن تطلب الدولة (المضيفة) مثل هذا الأمر، إذ ليس بالإمكان فَرْضُه عليها. وعلينا أن نتّبع السياسة الداخلية للدولة المضيفة فيما يتعلق بتطوير واختبار الأدوية».