تحقيق إخباري

فيزياء البلازما : براعم الاندماج النووي

تقنيات الاندماج النووي البديلة آخِذة في التصاعد حاليًا، مدعومة برأس المال المغامر، والكثير من الأمل.

إم. ميتشل وَالْدروب
  • Published online:

<br>يستخدم مفاعل جِنِرال فيوجن مكابس ضخمة؛ لسحق الوقود في دوامة من الرصاص السائل تدور مغزليًّا.


يستخدم مفاعل جِنِرال فيوجن مكابس ضخمة؛ لسحق الوقود في دوامة من الرصاص السائل تدور مغزليًّا.

Hubert Kang Photography


للوصول إلى واحدة من أكثر شركات الاندماج النووي سرّية في العالم، يجب على الزائرين شق طريقهم من خلال مجمع مكاتب في الضواحي عند سفح جبال سانتا آنا، إلى الشرق من إرفين، كاليفورنيا، إلى أن ينتهوا إلى مقر كبير لشركة «تراي ألفا إينرجي»، لا يحمل أي علامات.

هذا هو أقرب ما يمكن أن يصل إليه دخيل دون توقيع اتفاقية عدم الإفصاح؛ حيث إن شركة تراي ألفا تحمي أسرارها التجارية بإحكام شديد، لدرجة أنها لا تملك موقعًا على شبكة الإنترنت، ولكنّ شظايا المعلومات التي تسربت جعلت من الواضح أن هذا المبنى يحوي واحدة من أكبر تجارب الاندماج الجارية الآن في الولايات المتحدة. وهي واحدة من أكثر التجارب غير التقليدية.. فبدلًا من استخدام مفاعل «توكاماك»، بشكل الدونات، الذي هيمن على بحوث طاقة الاندماج لأكثر من 40 عامًا، تختبر حاليًا تراي ألفا مفاعلًا خطيًّا تَدعّي أنه سيكون أصغر وأبسط وأرخص، وسينتج طاقة اندماج تجارية خلال أكثر قليلًا من عقد من الزمان، وهو أقصر كثيرًا من الأعوام التي تراوحت بين 30 و50 عامًا، التي وعدتنا بها مفاعلات التوكاماك.

يبدو ذلك جذابًا، خاصةً في الوقت الذي يشهد فيه مشروع الاندماج الرائد في العالم ـ وهو توكاماك عملاق اسمه إيتر (المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي ITER) ـ تأخيرًا وتجاوزًا للتكاليف. ومن المتوقع أن يكون إيتر ـ الذي يجري بناؤه في كاداراش، فرنسا ـ أول مفاعل اندماجي قادر على توليد فائض طاقة من حرق مستدام من وقوده البلازمي، غير أن تكلفته تُقدَّر بحوالي 50 مليار دولار أمريكي، أي حوالي 10 مرات ضعف التقديرات المبدئية، ولن تبدأ أولى تجاربه بالوقود قبل عام 2027، أي بتأخير 11 عامًا عن الجدول الزمني.

يستحوذ إيتر على حصة الأسد من ميزانية طاقة الاندماج للولايات المتحدة، بينما يحظى المشجعون للأساليب البديلة بدعم شحيح من الحكومة، ولكنّ نفاد الصبر المتزايد من تكنولوجيا التوكاماك دَفَعَ فريق تراي ألفا، وعديدًا من الفيزيائيين الآخرين في الولايات المتحدة وكندا، للبحث عن خيارات مختلفة. فعلى مدى عقد ونصف، أطلق هؤلاء المُنْشَقُّون ما لا يقل عن ست شركات لاستهداف تصميمات بديلة للمفاعلات الاندماجية، بعضها يورد فعلًا نتائج مشجعة، ناهيك عن جذب استثمارات ضخمة. جمعت «تراي ألفا» نفسها 150 مليون دولار من أمثال المؤسِّس المشارك لمايكروسوفت بول ألِن، وشركة رأس المال الاستثماري التابعة للحكومة الروسية، «روسنانو» Rusnano.

إنّ ذلك النجاح يجلب تمحيصًا أكثر في وعودهم الجريئة، إذ تعرّضت تراي ألفا «لمشاكل يصعب التغلب عليها عندما بدأت التوسع لتصل إلى حجم المفاعلات»، كما يقول جيفري فريدبرج، وهو فيزيائي نووي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج. فعلى سبيل المثال.. يجب على الشركة أن تثبت أنه يمكن تحقيق درجات حرارة تبلغ مليار كلفن، وهي الحرارة اللازمة لحرق الوقود الغريب الذي تنوي استخدامه، ويجب أن تبرهن على وجود طريقة عملية لتحويل الطاقة المُنتَجَة إلى كهرباء. يمكن أن تثار أسئلة مشابهة حول أي شركات ناشئة أخرى، كما يقول ستيفن دين، الذي يرأس «فيوجِن باور أسوسييتس»، وهي مجموعة داعمة في جايثرسبِرج، ميريلاند. ويستطرد دين قائلًا: «لا أعتقد أننا نستطيع أن نقول بصراحة إن أيًّا من هذه الأشياء أصبح في مرحلة تُحقِّق الاندماج بسرعة».

هل ستكون شركات الاندماج البديلة قادرة على الحفاظ على زخمها، وتبرير تفاؤل مؤسَّسيها؟ أم أنها ستتلاشى مثل الكثير من أحلام الاندماج التي سبقتها؟


تقليد الشمس

من حيث المبدأ، بناء مفاعل اندماجي ما هو إلا مجرد مسألة تقليد للشمس. خذ نظائر مناسبة من الهيدروجين، أو من العناصر الخفيفة الأخرى، وأضف حرارة لنزع الإلكترونات من نوى الذرات، ومن ثم تتشكل البلازما المتأينة، ثم اضغط تلك البلازما واحتفظ بها معًا لفترة من الوقت. سيسمح هذا للنوى بأن تندمج، فتُحوِّل تباعًا جزءًا من كتلتها إلى طاقة، ولكن من الناحية العملية، تؤدي محاولة تقليد النجم إلى مشاكل هندسية مروعة، فعلى سبيل المثال.. البلازما الساخنة المحبوسة في مجال مغناطيسي تميل إلى الالتواء والانحناء، كأنها ثعبان غاضب يكافح للهرب.

فضّل باحثو الاندماج نموذج التوكاماك لمدة طويلة، باعتباره أفضل وسيلة لاحتواء هذا الوحش البلازمي. ويرجع ابتكار التوكاماك إلى علماء الفيزياء السوفييت في خمسينات القرن الماضي، الذي أُعلِن عنه للغرب بعدها بعقد من الزمن، حيث حققت تلك المفاعلات كثافات بلازما، ودرجات حرارة، وحصرًا أعلى بكثير من أي آلةٍ قبلها. وبتطوير الفيزيائيين لتصميم التوكاماك؛ تحسّنت الطرق التي يتم السيطرة بها على البلازما ذات الطاقة العالية.

كبر الصورة


ومنذ البداية، تساءل العديد من الفيزيائيين عن إمكانية الارتقاء بالتوكاماك؛ لتحقيق إنتاج طاقة تجاري. فهي أجهزة معقدة بشكل مثبّط، بالنسبة للمبتدئين، حيث إنه يلزم لفّ الغرفة الحلقية بمجموعات متعددة من اللفات الكهرومغناطيسية اللازمة لتشكيل المجال المغناطيسي الذي يحصر البلازما. وتمر الكثير من اللفات التي يتم تشغيلها من خلال الفراغ الشبيه بمركز الدونات لدفع تيار كهربي قوي خلال البلازما (انظر: «حبس سعير الانصهار»). ثم هناك الوقود، وهو مزيج من نظائر الهيدروجين ديوتيريوم (دي) وتريتيوم (تي). فعلى نطاق واسع، يُعتبر الـ«دي-تي» الخيار الوحيد المناسب لمفاعل الطاقة، لأنه يشتعل عند درجة حرارة أقل من أي توليفة أخرى، فقط حوالي 100 مليون كلفن، ويطلق طاقة هائلة، لكن %80 من تلك الطاقة التي تنبعث من التفاعل تكون في شكل نيوترونات مسرعة، من شأنها أن تنشر الخراب على جدران مفاعل الطاقة، تاركةً إياها مشِعّة للغاية. ولتوليد الكهرباء، فإن طاقة النيوترونات لا بد من استخدامها لتسخين الماء في توربينات بخارية تقليدية -في عملية تتسم بكفاءة تتراوح من 30-40 % فقط.

إنّ التكلفة، والتعقيد، والتقدم البطيء.. أمور أعاقت أيضًا الاندماج بحصر القصور الذاتي، البديل الأبرز للحصر المغناطيسي بالتوكاماك. وهذا النهج ـ الذي تنفجر فيه كريات الوقود المجمدة للداخل بقوة بواسطة أشعة ليزر ذات طاقة عالية ـ تلَقَّى أيضًا الكثير من التمويل الحكومي. ورغم الجهد الذي امتد لعقود في أبحاث حصر القصور الذاتي، لا تزال مبادرات معينة، مثل منشأة الإشعال الوطنية في مختبر لورانس ليفرمور الوطني في ليفرمور، كاليفورنيا، تكافح من أجل الوفاء بوعودها لتحقيق طاقة الاندماج (انظر: Nature 491, 159; 2012).


تحوُّل جذري

مثل هذه المخاوف أثارت بعض الحماس تجاه الستيلاريتور: جهاز حلقي يبسّط جوانب معينة من التوكاماك، ولكنه يتطلب مغناطيسات أكثر تعقيدًا. ومعظم علماء فيزياء البلازما تركوا المسائل الهندسية العملية لوقت لاحق، على افتراض أن التعديلات ستظهر بعد أن تقوم فيزياء البلازما بعملها. ورُوّاد الاندماج من الأقلية التي تجادل بأن هناك حاجة إلى حل جذري.. أولًا، تدبير الهندسة المناسبة، عبر تصميم مفاعل بسيط ورخيص، يمكن لشركات الطاقة فعلًا أن تشتريه، ومن ثم محاولة ترويض البلازما.

أحد هؤلاء الروّاد هو نورمان روستوكر، فيزيائي بجامعة كاليفورنيا في إرفين، شارك في تأسيس «تراي ألفا» في عام 1998، وهو في سن الثانية والسبعين. وقد اقترح هو وزملاؤه التخلص من وقود الـ«دي-تي» لصالح اندماج البروتونات مع بورون-11، وهو نظير مستقر يمثل حوالي %80 من البورون الطبيعي. يتطلب إشعال وقود بروتون-بورون-11 درجات حرارة تصل إلى مليار كلفن، أي ما يقرب من 100 ضعف سخونة قلب الشمس. والطاقة المتولدة في كل حدث اندماجي ستكون فقط حوالي نصف تلك التي تصدر من وقود الـ«دي-تي»، لكن نواتج التفاعل ستكون خالية عمليًّا من النيوترونات المزعجة، حيث إن الاندماج سيولد فقط ثلاث نوى هيليوم نشطة، معروفة أيضًا باسم جسيمات ألفا. هذه الجسيمات مشحونة كهربيًّا، ومن ثم يمكن توجيهها بالمجالات المغناطيسية في جهاز «معجّل عكسي»، من شأنه أن يحول طاقاتها إلى تيار كهربي عادي بكفاءة تصل إلى %90.

إن حرق بلازما بروتون-بورون-11 عند مليار كلفن في التوكاماك كان غير وارد، لأسباب عدة، منها عدم إمكانية الحصول على المجالات المغناطيسية الهائلة اللازمة للحصر. لذلك.. صمم روستوكر وزملاؤه مفاعلًا خطيًّا يبدو كمدفعَين متقابلَين. كل مدفع يطلق حلقات من البلازما، تسمى بلازمويدات، معروفة بأنها مستقرة بشكل ملحوظ، إذ سيعمل تدفق تيار الأيونات في البلازما على توليد مجال مغناطيسي، وهذا من شأنه أن يحافظ على البلازما محصورة. يقول آلان هوفمان، فيزيائي البلازما في جامعة واشنطن: «هذه هي التهيئة الأكثر مثالية التي يمكن أن تصوُّرها».

لبدء المفاعل، سيطلق كل مدفع بلازمويد في غرفة مركزية، حيث يتآلف الاثنان في بلازمويد أكبر، وحر الحركة، يبقى لفترة طويلة طالما أمكن تغذيته بوقود إضافي. سيتم توجيه جسيمات ألفا الناتجة من التفاعل إلى الخلف خلال المدفعين بمجال مغناطيسي آخر، ومن ثم التقاطها في محوِّل الطاقة.

«هل ستكون شركات الاندماج البديلة قادرة على الحفاظ على زخمها – أم أنها ستتلاشى؟»

في الوقت الذي نشر فيه الفريق هذا المفهوم1 في عام 1997، أصبح واضحًا أن وزارة الطاقة الأمريكية ليست في طريقها لتمويل تطوير الجهاز، مفضِّلة بدلًا من ذلك التركيز على التوكاماك، الذي بدا وكأنه رهان أكثر أمانًا. يقول جون سلو، فيزيائي البلازما في جامعة واشنطن: «التجارب العظيمة تم تمويلها لعقود من الزمن، ولذا.. هناك احتمال ضئيل ألا تستطيع تحقيق أهدافها. وإذا شرعوا في تمويل تلك البدائل؛ ستعود كل الشكوك». لذلك.. قرر روستوكر وزملاؤه الاستفادة من الثقافة القوية للولايات المتحدة في شركات التكنولوجيا الناشئة والتمويل الاستثماري المغامر. فكوّنوا شركة أسموها تراى ألفا، بعد تمكنهم من إجراء تفاعل بروتون-بورون-11، ومن ثم ذهبوا إلى زيادة الاستثمار الكافي لتوظيف أكثر من مائة شخص.

يعتقد دين أن عقلية البدء تفسر السرية الشديدة لتراى ألفا، ويقول: «جزء من سحر كونك شركة ممولة من رأس مال استثماري مغامر هو تطوير أفكارك، قبل أن يستطيع أي شخص آخر أن يراها». وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، بدأت الشركة السماح لموظفيها بنشر النتائج واستعراضها في المؤتمرات. فمع آلتهم التجريبية الحالية، وهو جهاز يبلغ طوله 10 أمتار، يسمى سي2-، استطاعت «تراى ألفا» أن تثبت حدوث التآلف بين البلازمويد المتصادم، كما هو متوقع2، واستمرار كرة النار لمدة تصل إلى 4 ميلّي ثانية، وهي مدة طويلة جدًّا، وفقًا لمعايير فيزياء البلازما، طالما يتم حقن الوقود بالأشعة3. وفي العام الماضي، أعلن باحث «تراي ألفا»، هويانج جوو، في مؤتمر البلازما في فورت وورث، تكساس، أن مدة الحرق قد ارتفعت إلى 5 ميلّي ثانية. هذا.. وتبحث الشركة الآن عن المال لبناء آلة أكبر.

«كبرنامج علمي، يُعتبر ذلك ناجحًا للغاية، ولكنه ليس انصهار بروتون- بورون-11حتى الآن»، كما يقول هوفمان، الذي استعرض ذلك العمل للملياردير ألِن، عندما كان يفكر هذا الأخير في الاستثمار من عدمِه. فكما يقول، شغّلت «تراي ألفا» آلتها الـ«سي2-» فقط مع الديوتيريوم، ولا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق ظروف البلازما القصوى اللازمة لحرق الوقود في نهاية المطاف.

لم تستطع «تراي ألفا» تحقيق التحويل المباشر لجسيمات ألفا إلى كهرباء. يقول مارتن جرينوالد، الفيزيائي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والرئيس السابق للجنة الاستشارية لطاقة الاندماج التابعة لوزارة الطاقة: «لم أر أي مخططات من شأنها أن تعمل فعلًا من الناحية العملية». في الواقع، تخطط «تراي ألفا» كي يستخدم الجيل الأول من مفاعلها للطاقة نظامَ التوربينات البخارية الشائع. أما روّاد مشروعات الاندماج الأخرى، فسيكون عليهم مواجهة تحديات مماثلة، لكن ذلك لم يثنهم عن مواصله الطريق. وسلو هو المسؤول العلمي في «هيليون إينرجي» في ريدموند، واشنطن، التي تعمل على تطوير مفاعل الأشعة التصادمية الخطي، الذي سيكون صغيرًا بما يكفي لينقل على ظهر شاحنة كبيرة. يطلق مفاعل هيليون سيلًا منتظمًا من البلازمويدات من كل جانب في غرفة، حيث يتم سحق الوقود من خلال المجالات المغناطيسية، حتى يبدأ الاندماج. خلال ثانية واحدة، يتم توجيه نواتج الاندماج بعيدًا ليندفع زوج البلازمويد التالي إلى الغرفة. يقول الرئيس التنفيذي للشركة، ديفيد كيرتلي: «نحب أن نشبِّه ذلك بمحرك الديزل. ففي كل شوط يتم حقن الوقود، وضغطه بواسطة المكبس، حتى يشتعل دون الحاجة إلى شرارة، ومن ثم يدفع الانفجار المكبس مجددًا».

دَلَّلَت «هيليون» على الفكرة4 في مفاعل «دي-دي» مع البلازمويدات التي تطلق مرة كل ثلاث دقائق، وهي تسعى حاليًا للحصول على 15 مليون دولار، كتمويل خاص على مدى السنوات الخمس المقبلة؛ لتطوير آلة واسعة النطاق يمكنها استخدم وقود «دي-تي» للوصول إلى نقطة التعادل، التي تتولد عندها طاقة بقدر ما يلزم للتشغيل. تأمل الشركة أن يستطيع مفاعلها أن يصل في النهاية إلى ظروف أكثر سخونة؛ بما يلزم لدمج الديوتريوم مع الهيليوم3. وهذه توليفة أخرى تنتج عنها جسيمات ألفا وبروتونات فقط، بلا نيوترونات في نواتج التفاعل.

إنّ كيرتلي متفائل بخصوص المال، إذ يقول: «هناك حاجة هائلة في السوق إلى طاقة منخفضة التكلفة، وآمنة، ونظيفة. ولذلك.. نحن نشهد دفعة كبيرة في مجتمع الاستثمار الخاص لتمويل وسائل بديلة لتوليد ذلك». وإذا كان توفير التمويل ناجحًا، كما يقول كيرتلي، «ستكون خطتنا وجود محطة توليد كهرباء تجريبية تدخل العمل في ست سنوات».


بالدَّوَرَان

الأفكار البديلة الأخرى تتمسك بوقود الـ«دي-تي»، ولكنها تتعامل معه بطرق مختلفة. في برنابي، كندا، قام باحثون في «جِنِرال فيوجن» بتصميم مفاعل يتم فيه حقن بلازمويد الـ«دي-تي» في دوامة من الرصاص السائل تدور مغزليًّا، ولا يلبث أن يُسحَق بقوة إلى الداخل بفعل غابة من المكابس. وإذا حدث هذا الضغط في غضون بضعة ميكروثوانٍ؛ ستنهار البلازما لخلق ظروف الاندماج5. ومن مزايا هذا التصميم أن الرصاص السائل لا يتحول إلى مُشِعّ عندما يُنسَف بالنيوترونات، كما يقول ميشال لابِرج، مؤسِّس «جِنرال فيوجن» في عام 2002.

استطاعت «جِنرال فيوجن» إثبات الفكرة بجهاز على نطاق صغير، وذلك باستخدام مكابس مدفوعة بمتفجرات؛ وجَنَتْ نحو 50 مليون دولار من أصحاب رأس المال الاستثماري المغامر والحكومة الكندية. وإذا تمكنت الشركة من الحصول على 25 مليون دولار أمريكي إضافية تقريبًا، كما يقول لابِرج؛ ستبني نظام انفجار داخلي أضخم، يمكن أن يضغط البلازما إلى المستويات اللازمة؛ لإحداث الاندماج، ربما في غضون العامين المقبلين.

على الرغم من هذا التفاؤل، يقدّر دين بأنه لا زال يفصلنا عقد من الزمن على الأقل، وربما فترة أطول، قبل إنتاج وتشغيل أي شركة تعمل في أبحاث مفاعلات الاندماج البديلة لمحطة الطاقة. هناك ببساطة الكثير من التكنولوجيا الجديدة التي تحتاج إلى تحقيق، كما يقول. «أعتقد أن هذه الأشياء هي دوافع جيدة، وينبغي دعمها، ولكنني لا أعتقد أننا على وشك تحقيق انفراجة.»

ليس من الواضح كم من هذا الدعم سيأتي من وزارة الطاقة في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور، إذ قدَّم برنامج طاقة الاندماج التابع لوزارة الطاقة قدرًا يسيرًا من المال لشركة «هيليون»، وأيضًا لبعض الأبحاث الأكاديمية التي تتم على نطاق صغير للمفاعلات البديلة. هذا.. بينما أبدت وكالة الوزارة للتمويل طويل الأمد ـ وهي وكالة مشروعات البحوث المتقدمة للطاقة ـ اهتمامًا ببعض الأفكار البديلة، لدرجة أنها عقدت ورشة عمل حولها العام الماضي. تقوم اللجنة الاستشارية لطاقة الاندماج حاليًا بإعداد خطة بحثية لمدة عشر سنوات، تبدأ بحلول بداية العام المقبل، التي قد تؤدي إلى مزيد من الدعم للشركات الناشئة، غير أن الأموال شحيحة، بينما يمثّل إيتر استنزافًا ماليًّا ضخمًا.

في الوقت الراهن، سيأتي المال الوفير على الأرجح من القطاع الخاص. ورغم العديد من العقبات التقنية، يبدو أن المستثمرين على استعداد لاستغلال فرصة.

يقول سلو: «بدأ الناس يفكرون في أنه ربما تكون هناك طرق أخرى للقيام بذلك! لعل الأمر يستحق بضعة ملايين لمعرفة ذلك».


  1. Rostoker, N., Binderbauer, M. W. & Monkhorst, H. J. Science 278, 14191422 (1997).

  2. Binderbauer, M. W. et al. Phys. Rev. Lett. 105, 045003 (2010).

  3. Tuszewski, M. et al. Phys. Rev. Lett. 108, 255008 (2012).

  4. Slough, J., Votroubek, G. & Pihl, C. Nucl. Fusion 51, 053008 (2011).

  5. Laberge, M. J. Fusion Energy 27, 6568 (2008).