تحقيق إخباري

مكافحة الملاريا: مطاردة البعوض الكبـــرى

يستخدم الباحثون طرقًا غير تقليدية، من الكلاب إلى البالونات، لمعرفة أين تختبئ ناقلات الملاريا خلال موسم الجفاف الطويل.

إميلي سون
  • Published online:

لم يشاهد الحُرّاس المسلَّحون بمطار باماكو سينو الدولي بمالي كلب شِبرد ألمانيًّا من قبل. كانت الكلاب المألوفة لديهم هي فقط سلالات مختلطة صغيرة عدوانية شائعة بغرب أفريقيا. لذلك.. عندما خرجت دانا ـ وهي كلبة شِبرد أصيلة من كاليفورنيا تشبه الذئب ـ من الطائرة إلى المطار في فبراير 2012، أحاط بها وبمدربها سابير فايس ثمانية جنود، ورُفِعَت البنادق.

فايس، الذي دَرَّب ذات مرة كلابًا لمكافحة الإرهاب في الجيش الإسرائيلي، كان حريصًا على إخراج دانا من المطار بعد 36 ساعة من السفر الدولي المُجهِد لمثانتها، تَضَمَّن توقفًا استغرق سبع ساعات في باريس، لكن الجنود اعتقدوا أن سترة الخدمة التي ترتديها دانا قنبلة انتحارية. لذا.. أمروا فايس بخلعها، وطلبوا أن يعرفوا أين كان قفص دانا. صاح الجنود: «أين الصندوق؟ أين الصندوق؟»

كان من غير المتصوَّر لدى الحراس، ومعظم الناس في مالي، أن يسافر كلب بالطائرة في الدرجة الاقتصادية بدون قفص. وكان من غير المحتمل أيضًا ما جاءت تفعله دانا في مالي، ألا وهو شَمّ رائحة البعوض؛ للمساعدة في اجتثاث الملاريا.

دانا جزء من جهد متواصل لحل لغز محير. ففي كل عام، تشهد مساحات شاسعة من منطقة الصحراء والساحل الأفريقية ـ من السنغال إلى السودان ـ موسم جفاف شديدًا يستمر لمدة تصل إلى ثمانية أشهر. باختفاء المياه السطحية، لا يعود البعوض قادرًا على التكاثر، لأن بيضه يجب أن يظل رطبًا، وكذلك يرقاته؛ من أجل البقاء. ويهبط عدد البعوض الطنّان هناك إلى ما يقارب الصفر.

وعندما تأتي الأمطار، تظهر ماصّات الدماء الناضجة تلك بأعداد هائلة في أقل من ثلاثة أيام، وهو خط زمني من الصعب أن يصمد في مواجهة حقيقة أن هذا البعوض يحتاج إلى ثمانية أيام على الأقل للنمو من بيضة إلى بعوضة ناضجة.

توضح هذه الوتيرة أن البعوض الناضج يختبئ في مكان ما، انتظارًا لانتهاء موسم الجفاف. وتشير تلك الإمكانية إلى خطة غامضة محيرة للهجوم. تصيب حمى الملاريا ملايين البشر، وتقتل أكثر من نصف مليون نسمة سنويًّا، معظمهم من الأطفال في أفريقيا. ولو تمكَّن العلماء من معرفة أين يذهب البعوض عندما تشتد قسوة الظروف خلال مواسم الجفاف؛ فقد يستطيعون اجتثاث هذه الحشرات –ومعها المرض الذي تحمله– عند نقطة معينة عندما يحتمل أن تكون هدفًا سهلًا.

على مدى عقود، أَغْرَت وأَعْيَت مطاردة مخابئ البعوض العلماءَ الذين مرُّوا بقائمة طويلة من الإحباطات. من بين الذين رفضوا التخلي عن مسعاهم، توڤي ليمان، وهو عالِم باحث في الحشرات بمختبر أبحاث الملاريا وناقلات الأمراض في روكفيل، بولاية ميريلاند، التابع لمعاهد الصحة القومية الأمريكية، والذي أمضى مع العشرات من أعضاء الفريق في كل من الولايات المتحدة وأفريقيا ست سنوات، وأنفق 700 ألف دولار أمريكي، في محاولة للعثور على الحشرات المراوغة بكل طريقة يمكن أن تخطر بباله، بما في ذلك الاستعانة بكلاب مثل دانا.

يقول ليمان إن الفائدة المرجوة تستحق هذا الجهد الهائل «لك أن تتخيل زيارة القرى لأقل من نصف يوم، مستهدفًا المواقع المفترضة كمخابئ البعوض، ومخفِّضًا لانتقال الملاريا إلى مستويات ضئيلة جدًّا».

دانا تطارد البعوض في مالي.

دانا تطارد البعوض في مالي.

Sapir Weiss



المَحْجَر المراوِغ

يستغرق السفر بالسيارة أربع ساعات من عاصمة مالي، باماكو، إلى تييرولا، وهي قرية نائية خارج الشبكة يسكنها حوالي 300 نسمة وبها 120 مبنى، غالبيتها مبنية من لَبِنَات الطين، ومسقوفة قشًّا أو طينًا.

خلال موسم الأمطار، من مايو أو يونيو إلى أكتوبر أو نوفمبر، يسقط ما حجمه نصف متر من المطر على المنطقة. وتصبح الشجيرات الجافة خضراء يانعة، ونمو الدخن والذرة والفول السوداني وغيرها من المحاصيل، ويصل البعوض بسرعة. شهد فريق ليمان ازدياد أرقام البعوض في تييرولا بعشرة أضعاف في غضون خمسة أيام من بداية المطر1.

توصَّل علماء الحشرات إلى تفسيرين لكيفية تضخم أسراب البعوض بسرعة بالغة قبل أن تتاح لها فرصة التكاثر. أحد الاحتماليَن هو الهجرة من مسافات طويلة بواسطة الرياح العالية. أما الاحتمال البديل، فهو أن تقضي الحشرات موسم الجفاف في بيات صيفي، وهو نوع فريد من السكون يحدث لبعض الحيوانات التي تحتاج إلى النجاة من مواسم الجفاف الطويلة.

وجدت مجموعة ليمان مفتاحًا مبكرًا لحل اللغز، يشير إلى أن البيات الصيفي قد يكون هو الجواب. في نهاية موسم الأمطار بأواخر أكتوبر 2008، خدّر الفريق 7000 بعوضة تقريبًا، وعلَّمها بطلاء وأطلق سراحها. خلال فترة جمع عيِّنات البعوض في مايو التالي، دهش الباحثون لدى العثور على إناث ناضجات لا زالت تعيش بعلامات الطلاء الدالّة، رغم أن بعوضة الأنوفيلة الجامبية (مُجمَّع أنواع البعوض الأكثر كفاءة في نقل الملاريا بمنطقة الساحل الأفريقية) معروف عنها أنها تعيش 30 يومًا على الأكثر.

رغم أن البيات الصيفي يبدو سيناريو محتملًا، بدت العملية صعبة التفسير لعلماء الأحياء. فالمعلوم في المناطق المعتدلة أن أنواع البعوض تذهب في سبات شتوي عميق؛ للنجاة من مواسم الشتاء الباردة، وهو أمر منطقي، لأن أيض الحشرات يتباطئ بشكل طبيعي عندما تنخفض درجات الحرارة، لكن أفريقيا جنوب الصحراء ـ من ناحية أخرى ـ ساخنة دائمًا، ولذلك.. صعب لنا أن نفهم كيف يمكن أن يبطِئ البعوض عملية الأيض هناك. كما ينبغي للحشرات أيضًا ـ بطريقة أو بأخرى ـ مقاومة الجفاف.

أنتجت محاولات استحثاث واستقراء بيات البعوض صيفًا القليل بجانب الأدلة الظرفية والقصصية. وكانت دراسات أجريت في أربعينات القرن الماضي، مثلًا، قد حاولت تكرار الظروف الطبيعية في المختبر، لكنها فشلت في دفع إناث البعوض نحو سبات عميق، حسب قول دوجلاس نوريس، خبير علم الحشرات الطبي بكلية بلومبرج للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، ميريلاند. وكانت رسالة2 نُشرت بدورية «Nature» في عام 1968، قد وصفت بعوضًا تمكَّن من البقاء حيًّا حوالي سبعة أشهر بمختبر تربية الحشرات بالسودان الحار والجاف، لكن تلك النتائج لم تتكرر أبدًا.

يمكن للدراسات الوراثية أن تساعد أيضًا في إلقاء الضوء على فرضية البيات الصيفي. فعندما نظر نوريس وزملاؤه في علامات وراثية بين موسم أمطار وآخر في قرية بمالي أواخر التسعينات؛ وجدوا أنه يجب أن ينجو ما لا يقل عن 5000 أنثى من موسم الجفاف لتأسيس تجمُّع جديد3. وبدورهم، قارن مارتن دونللي وزملاؤه ـ بمدرسة ليفربول للطب الاستوائي، بالمملكة المتحدة ـ بين جينومات بعوض الأنوفيلة من جميع أنحاء أفريقيا، فإنْ ظلت الجينومات متسقة كمجموعة وراثية واحدة من موسم أمطار إلى آخر؛ من شأن ذلك أن يُظْهِر بشكل أقوى أن كثيرًا من البعوض يتحمل موسم الجفاف، خلافًا لفكرة استبدال تجمعات بعوض مهاجرة كل عام محل تجمُّعات أفناها الجفاف.

<p>لمساعدة الكلاب على التقاط الروائح، ألصق الباحثون بالبعوض خيوطًا مشبَّعة بزيت نجيل الهند. </p>

لمساعدة الكلاب على التقاط الروائح، ألصق الباحثون بالبعوض خيوطًا مشبَّعة بزيت نجيل الهند.

Adama Dao and Alpha Seydou Yaro


أظهر اكتشاف بعوضة أنثى معلمة بالطلاء لدى اجتياح الأمطار لقرية تييرولا أن البعوض البري يمكنه البقاء رغم موسم الجفاف، وهو ما يعادل أن يعيش إنسان 700 سنة، حسب قول ليمان. وبدوره، يقوم نوريس ببناء حظائر للبعوض في حقل بجنوبي جامبيا لدراساته حول أحياء البعوض، وقد يحاول في نهاية المطاف إثبات البيات الصيفي في تلك البيئة. يقول نوريس: «هذا شيء نعتقد في حدوثه، لكن لم يتمكن أحد من إثبات ذلك بالدليل، بخلاف بعوضة توڤي ليمان الوحيدة».

لذلك.. خلال العامين المقبلين، كلما اقترب موسم الأمطار مرة أخرى، ينصب الفريق شباكه حول مخابئ البعوض المشتبه فيها، مصممًا على التقاط البعوض لدى أول ظهور له. يقول ليمان: «اعتقدنا أننا في خلال سنة أو سنتين سنكون قادرين على العثور على مكان اختباء البعوض. بدا كل شيء في متناول اليد، وفي غاية البساطة».

رغم الرصد على مدار الساعة، وعاصفة ممطرة مصطنعة باستخدام شاحنة مملوءة بالماء لإغراء البعوض بالخروج من مخبئه، ظلت الحشرات بعيدة المنال. بدت بقع الاختباء المحتملة كثيرة، يقدر عددها بالمئات ضمن 500 متر فقط من القرية، مما يجعل من المستحيل وضع شِبَاك وأقفاص حولها جميعًا. وقد اتضح أن المطاردة لن تكون ـ بعد كل شيء ـ بهذه البساطة.


تعقُّب الروائح

لم يكن مشروع ليمان أول مشروع يخفق. فمنذ حوالي 15 عامًا، مضى فريديريك سيمار، خبير علم الحشرات الطبي بمعهد بحوث التنمية، مؤسسة حكومية في مونبلييه بفرنسا، نحو مسعى مماثل إلى السنغال بموسم الجفاف. أقام الفخاخ حول أكبر عدد ممكن من نقاط الاختباء يمكن أن يتخيلها، بأماكن مغلقة ومفتوحة، بما في ذلك الحظائر والصوامع وحاويات تخزين المياه والآبار وأصول الأشجار وجذوعها وشقوق قيعان البِرَك المجففة –لكن دون جدوى. يقول سيمار: «لم يكن هناك أي دليل على بعوض مستريح في أي مكان رغم الجهود الضخمة. الأمر يشبه البحث عن إبرة في كومة من القش».

وبدورها، نشرت مجموعة من جامعة ميامي في كورال جيبلز، فلوريدا، أقفاصًا تشبه الخيام حول قرية في كينيا. كما بحث فريق من الجامعة العبرية بالقدس عن مواقع تصييف البعوض في مخابئ رطبة خارج القرى في مالي، من بين طرق أخرى، وأفاضوا بالماء على جحور الحيوانات؛ في محاولة لإخراج الحشرات، ولكن لم يتوصل أي من الفريقين إلى أي نتائج حاسمة.

ونظرًا إلى كثرة المحاولات الفاشلة قبله، قرَّر ليمان أن يأتي باستراتيجية أكثر استهدافًا. عندما سمع عن كلاب يمكنها التعرف على حشرة الفراش؛ تولّدت في ذهنه فكرة استخدام الكلاب، رغم تحديات رئيسة محتملة. فمثلًا، بخلاف حشرة الفراش، البعوض يطير، مما يجعلها أكثر مراوغة وأصعب تعقُّبًا. وبينما تنبعث من حشرة الفراش فيرومونات مميزة الرائحة، ليست للبعوض رائحة طبيعية.

أولًا، عزم ليمان على إيجاد وسيلة لإعطاء البعوض رائحة. وقد قادت أَشْهُر من التجارب أخيرًا إلى زيت نجيل الهند، وهو مكوِّن عطري مشتق من عشب شرق آسيوي برائحة ترابية خشبية. ونجيل الهند ليس محليًّا في أفريقيا، ولذلك لن تلتبس رائحته في أنف الكلب بروائح أخرى. وهي ليست رائحة كريهة أو سامة، ولذلك لن تعوق عمل الباحثين لدى استخدامها، كما أنها رائحة مستقرة بما يكفي لتستمر أسبوعين، وهي فترة كافية لاستخدامها في التجارب. وجد الباحثون أن رش البعوض بنجيل الهند يقتله؛ لذلك أغرقوا قطعًا صغيرة من الخيوط في الرائحة، ثم ألصقوها على بطون الحشرات وهي مخدَّرة. وعندما استيقظت، كان لا يزال بإمكانها أن تطير، رغم الوزن الإضافي.

في غضون ذلك، دعا ليمان فايس إلى فرصة تدريب كلب على تتبُّع البعوض المعطر، رغم أن عدة مدربين قبله رفضوا الفكرة باعتبارها مستحيلة. وقام فايس بتدريب الكلبة دانا فوق العشب المشمس بمنتجع ومركز تدريب الكلاب (أوليفيه كنيل) بسانتا روزا، كاليفورنيا، متيحًا لها أن تشم ستة صناديق من الورق المقوى. عندما وصلت إلى الصندوق المعطر بنجيل الهند، حصلت على مكافأتها المفضلة، وهي كرة تنس. بعد عام من التدريب، يمكن أن تجد دانا خيوطًا معطرة بطول سنتيمتر واحد، بدقة %97، حتى عندما وضعت بقوارير تموضعت في حفر مفتوحة بعمق 20 سنتيمترًا.

وللوقوف على ما إذا كانت ستقوم بالأداء نفسه في أفريقيا، طارت دانا مع فايس إلى مالي في أوائل عام 2012. جلست دانا مع فايس داخل الطائرة؛ لئلا تتعرض لسخونة عنبر الشحن العالية. أوشكت المواجهة في المطار عند الوصول على إخراج المشروع بأكمله عن مساره. وبمجرد أن وصلت إلى تييرولا، كان على فايس إعادة تدريب دانا بسبب الحرارة الشديدة. ينبغي للكلاب أن تلهث لتبقى باردة، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك وتشم الروائح في الوقت نفسه. ومع درجات حرارة قريبة من 50 درجة مئوية، فإنّ دانا بحاجة إلى أن تتعلم كيف تتوقف وتهدأ كل خمس دقائق.

&nbsp;تستخدم بالونات هيليوم مجهزة بالفخاخ للعثور على البعوض المسافر بواسطة الرياح عالية الارتفاع.

 تستخدم بالونات هيليوم مجهزة بالفخاخ للعثور على البعوض المسافر بواسطة الرياح عالية الارتفاع.

Adama Dao and Alpha Seydou Yaro


على مدار شهر، وجدت دانا خيوطًا معطرة مخبأة في ثقوب طبيعية مرارًا وتكرارًا. كذلك وجدت البعوض المعلَّم بخيوط معطرة، الذي أُطلق سراحه قبل أيام، بما في ذلك واحدة تحت كومة من الملابس في سلة الغسيل. ذُهِل الماليون الثلاثون في طاقم البحث، حيث يقول فايس: «كانوا يقفزون صعودًا وهبوطًا. لقد نِلت مكانة عالية. ظَنُّوِني «درويشًا» يمكن أن أتحدث إلى كلب، والكلب ينصت إليَّ».

كان الأمل في أن يقود البعوض المعطر الباحثين إلى مخابئه السِّرِّيَّة، لكن وقت دانا المتاح نفد، وعادت إلى ديارها مع فايس، قبل أن يجتاح مالي انقلاب عسكري. غادر ليمان بعد فترة وجيزة، وترك مشروع مطاردة البعوض في يد أداما داو، عالِم الحشرات بمركز بحوث وتدريب مكافحة الملاريا بجامعة باماكو، الذي كان يقود الجزء المحلي من الفريق.

في أغسطس 2012، سافر اثنان من المتخصصين الماليين وكلابهما إلى سانتا روزا، كاليفورنيا، لتعلُّم كل مهام شم رائحة البعوض بواسطة الكلاب، وكيفية بناء علاقة وثيقة بين الإنسان والكلب. كان أحدهما طبيبًا، وكان الآخر جامعيًّا متخرجًا بدرجة في علم الأحياء. عمِل كلاهما مع داو وليمان لمدة سنتين على استراتيجيات بحث أخرى، وكانا متحمسين لما رأوه من فايس ودانا.

أسفر عمل الكلاب بموسم الجفاف في مالي، الذي استمر حتى ديسمبر 2013، عن حوالي تسعة أماكن اختباء مشتبه فيها، حسب قول داو. وقادت الكلاب بشكل مستقل الفريق إلى ثقوب الأشجار الصغيرة نفسها، والثقوب المفتوحة في الأرض قرب الأشجار، وتلال النمل الأبيض القديمة، ومعظمها ضمن 1.5 كيلومتر من القرية تقريبًا. أقيمت شبكات حول مختلف أنحاء المخابئ المحتملة في نهاية موسم الجفاف، ولكنْ مثل كثير ممن جاءوا قبلهم، لم يجد الباحثون أي جحافل من بعوض البيات الصيفي.


شبكة أوسع

في شهر يوليو الماضي، عاد ليمان إلى تييرولا للمرة الأولى منذ أكثر من عامين، مسلحًا ببعض الأفكار الجديدة؛ فأقام شبكات ضخمة حول آبار القرية، وكانت لديه خطط غير تقليدية أكثر. ونظرًا إلى أن حشرات أخرى قد تستخدم استراتيجيات مماثلة لتحمل موسم الجفاف القاسي بمنطقة الساحل والصحراء، أراد العثور على أكبر أنواع الحشرات التي يمكن تزويدها بجهاز إرسال، وربما تقود الباحثين للبعوض المختبئ. وهو يتساءل أيضًا إنْ كان ممكنًا إيجاد علامة ـ كالحمض النووي للفطريات، أو آثار مواد كيميائية، أو خلايا نباتية أو حيوانية ـ قد يضعها الباحثون في مخابئ مشتبه فيها. وظهور أي بعوض حامل لتلك العلامات من تلك الأماكن سيقود الباحثين مباشرة إلى المصدر، إنْ استطاعوا إمساك البعوض الهارب بسرعة كافية.

في هذه الأثناء، يتسع نطاق البحث أفقيًّا ورأسيًّا إلى مجموعة من الكهوف على بعد حوالي 30 كيلومترًا، من بين أماكن أخرى، وإلى بالونات هيليوم مجهزة لاحتجاز أي بعوض مسافر بفعل الرياح العالية. وكانت الدراسات الأوّلية خلال موسم الأمطار قد عثرت على قليل من بعوض الأنوفيلة الجامبية يحلق عاليًا بارتفاع 160 مترًا فوق سطح الأرض، رغم أنه لا طعام له هناك. يقول ليمان: «بدأ يظهر الآن أن أحد الأنواع الثلاثة من البعوض الناقل للملاريا بالمنطقة يبيت صيفًا، والآخران يهاجران».

حتى الآن، نشر ليمان وفريقه تسع ورقات بحثية حول مطاردة البعوض. وهناك ثلاث أخرى قيد الإعداد. ومع تواصل جهودهم في هذا المجال، يتلقون إشادات باحثين آخرين في الملاريا. يقول جريجوري لانزارو، عالم الحشرات بجامعة كاليفورنيا في ديفيز، الذي يدرس وراثة التجمعات الحشرية لبعوض الأنوفيلة الجامبية بأفريقيا: «في أي وقت تجد مرحلة تكون فيها أعداد البعوض منخفضة جدًّا، وأنها تتجمع ربما في بقعة واحدة، يمكن أن يكون لك تأثير كبير حقًا. هناك دائمًا أمل، فعندما تعمل على أشياء مثل الملاريا، ليس لك أن تكون شخصًا متشائمًا، وإلّا ستمكث في بيتك».

يظل ليمان وداو متفائلين بأن يجدا في نهاية المطاف أوكار البعوض المراوغة، حيث يمكن لبضع بخاخات من مبيدات منخفضة التكلفة أن تنقذ أرواحًا كثيرة. وهما يقولان إن كل نكسة توفِّر معلومات جديدة. يقول داو: «لم تصبنا خيبة الأمل، وسنظل نأمل. طالما هناك موارد، سنصل إلى هدفنا».


  1. Lehmann, T. et al. Am. J. Trop. Med. Hyg. 83, 601606 (2010).

  2. Omer, S. M. & Cloudsley-Thompson, J. L. Nature 217, 879880 (1968).

  3. Taylor, C. et al. Genetics 157, 743750 (2001).