افتتاحيات

الحرية الأكاديمية فـي خطر

مبادئ حقوق الإنسان للأكاديميين بمصر في تَرَاجُع مع سيطرة النظام العسكري على مقاليد الحكم في البلاد، والربيع العربي يقف منتظرًا في سكون.

  • Published online:

منذ يناير الماضي وعماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية، يقيم في المنفى، وذلك منذ أن أصدرت السلطات المصرية أمرًا بضبطه وتوقيفه. كان شاهين يحضر مؤتمرًا في الولايات المتحدة في تلك الفترة. ونظرًا إلى خوفه من ألّا يتعرض لمحاكمة عادلة في مصر؛ لم يعد إلى بلاده حتى الآن. وتتضمن التُّهَم الموجهة إلى شاهين، التي يصفها بأنها «سخيفة»، التخابر وأنه عضو قيادي في جماعة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي إليها الرئيس الأسبق محمد مرسي المعزول بانقلاب في يوليو الماضي. وقد أعلن النظام الحاكم الجديد جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

كان شاهين في الحقيقة من منتقدي النظام الحاكم الجديد صراحةً، لكن في الوقت ذاته كان شاهين بوصفه أستاذًا يحظى بشهرة دولية في مجال السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قد انتقد أيضًا النظام الديكتاتوري القمعي الذي مارسه الرئيس حسني مبارك على مدار ثلاثين عامًا. كذلك وجَّه شاهين من حين إلى آخر انتقادات لنظام مرسي الذي تولّى السلطة بعد عزل مبارك في 2011 في أعقاب انتفاضة شعبية كانت تمثل جزءًا من الربيع العربي.

وقد قامت شبكة حقوق الإنسان العالمية للأكاديميات والجمعيات العلمية ومقرها واشنطن بتبنِّي قضية شاهين بشكل نشط، وتقول إنها سوف تستمر في الدفاع عن حقه في حرية التعبير حتى يتم إسقاط جميع التُّهَم. المحزن في الأمر أن شاهين واحد من بين كثير من الأكاديميين المصريين الذين تتعرض حقوقهم الإنسانية للتهديد والخطر، فقد أعربت الشبكة أيضًا عن قلقها من أنه من بين 41 ألف معتقل تم توقيفهم منذ الانقلاب هناك ما يقرب من ألفٍ من المهندسين والأطباء والعلماء.

وفي إبريل نشرت مجموعة من الباحثين والخبراء المصريين تقريرا بشأن ضحايا حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي أعقبت الانقلاب من الأكاديميين، وقاموا بتوثيق أسماء الذين اعتقلتهم أو قتلتهم السلطات المصرية وانتماءاتهم. وتتضمن الحصيلة 1347 طالبًا تم اعتقالهم و176 آخرين لقوا حتفهم. وقد وقعت 16 حالة من حالات الوفاة أثناء حملات أمنية شنتها قوات الأمن على المقرات الجامعية. كذلك قُتل سبعة من أعضاء هيئة التدريس، واعتقل 160 آخرون إلى جانب وضع عشرين منهم تحت المراقبة، بينما لا يزال هناك خمسة وعشرون في عداد الهاربين.

ويبقى السؤال: ما الذي أفسد آمال الربيع العربي المصري؟ فقد تغلَّب مرسي ـ المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي يصادف أنه يحمل درجة الدكتوراة في علوم المواد ـ على منافسيه من العلمانيين بفارق ضئيل وأصبح أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا للبلاد، لكن الإجراءات التي اتخذها لتمكين جماعة الإخوان المسلمين صرفت كثيرين عنه. كذلك لم يستطع مرسي السيطرة على الاقتصاد، وهَوَت البلاد في عهده في دوامة الفوضى السياسية من جديد.

«كان تعامل الشرطة المصرية مع بعض المتظاهرين والمحتجين تعاملًا وحشيًّا بصورة غير مقبولة».

في سبتمبر 2011، شهدت القاهرة مظاهرات خرج فيها آلاف من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات من شتى أنحاء البلاد، وكلهم لهفة لتذوق طعم التغيير بعد الثورة، طالبوا فيها باستبدال القيادات الجامعية التي كان يتم تعيينها بواسطة مبارك بشكل مباشر. ومن ثم وُضع نظام يسمح لأعضاء هيئة التدريس بانتخاب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات. كذلك طالب المتظاهرون بحظر دخول قوات الشرطة إلى الحرم الجامعي ما لم يتم دعوتها صراحة من جانب الإدارات الجامعية، وذلك كرَدّ فِعْل على السيطرة الأمنية التي فرضتها قوات أمن الدولة على مقارّ الحرم الجامعي أثناء حكم مبارك.

في العهد الجديد تم إبطال الحركتين الإصلاحيتين، فسرعان ما تحركت قوات الأمن على الفور إلى المقارّ الجامعية لفض المظاهرات المتكررة في الجامعات ضد النظام الحاكم، التي قام بتنظيم العديد منها المتعاطفون مع الإسلاميين، تعبيرًا عن غضبهم لخلع مرسي، والتي أسفر كثير منها عن إيقاف الدراسة. وكما توضح الإحصائيات الجديدة، فإن تلك المصادمات كانت تنتهي في أغلب الأحيان نهاية عنيفة.

وفي الأسبوع الأخير من يونيو الماضي أصدر عبد الفتاح السيسي، خليفة مرسي، مرسومًا رئاسيًّا يضع من خلاله تعيين القيادات الجامعية من جديد تحت سيطرته، وهو إجراء يُعتقد على نطاق واسع أنه سوف يسمح للنظام الحاكم بإبعاد أيّ مؤيد لجماعة الإخوان المسلمين ممّن تولّوا تلك المناصب عن طريق الانتخابات.

في الواقع، لا يمكن بناء الديمقراطية في يوم واحد، فقد كان رد فعل الجامعات المصرية على الحريات الجديدة التي حظيت بها ساذجًا إلى حد ما في بعض الأحيان، فانتخاب القيادات

الأكاديمية بواسطة أعضاء هيئة التدريس أمر شائع في أوروبا، ولكن حاليًا يتم بشكل متزايد التخلي عنه تدريجيًا، لظهور نقطة ضعفه المتمثلة في أنه قد يتم انتخاب رؤساء الجامعات على أساس الشعبية، أو على سبيل تبادل المصالح، بدلًا من أن يتم ذلك على أساس القدرة والكفاءة. وغالبًا ما يتم الآن اختيار رئيس الجامعة بواسطة مجلس الجامعة، ويكون الدور الذي يسهم به أعضاء هيئة التدريس في تلك الحالة غير مباشر. ومع ذلك.. يظل انتخاب أعضاء هيئة التدريس للقيادات الجامعية أفضل من التعيين الذي يتم بناءً على أسس وأسباب سياسية محضة.

جدير بالذكر أن عددًا قليلًا من المقارّ الجامعية حول العالم تمنع الشرطة من دخولها. فاليونان ـ على سبيل المثال ـ قامت بحظر دخول قوات الشرطة إلى جامعاتها في عام 1982، وذلك كرَدّ فعل على العنف الذي مارسته تلك القوات تجاه الطلاب المحتجين أثناء الحكم الديكتاتوري العسكري السابق للبلاد، ولكن عندما بدأت الديمقراطية الوليدة في النضج، صار القلق يساور الجامعات اليونانية بشأن الجريمة المنظَّمة التي اتخذت من الحرم الجامعي ملاذًا آمِنًا لممارسة أنشطتها، ولذا.. تم إلغاء القانون في عام 2011. وكان تعامل الشرطة المصرية مع بعض المتظاهرين والمحتجين تعاملًا وحشيًّا بصورة غير مقبولة.

وحاليًا، وعلى ما يبدو، تتعرض الحرية الأكاديمية في مصر لخطر داهم، ولم يعد بوسع الأكاديميين المقيمين خارج البلاد سوى إلقاء نظرة يائسة فحسب، وكلهم أمل في أن تتمكن استراتيجية شبكة حقوق الإنسان التي تمثلهم من كسب معركتها، على الأقل من أجل معاملة أفضل للأكاديميين المعتقلين لمجرد التعبير عن آرائهم.