افتتاحيات

سوق المقاييس

إنّ مقاييس تأثير البحوث في تطورٍ، لكنْ على الجامعات تَوَخِّي الحذر من القيود المترتبة عليها.

  • Published online:

في الوقت الذي أُقيمت فيه فعاليات كأس العالم لكرة القدم، التي نَظَّمَها الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في البرازيل (ووَدَّعَت منتخباتٌ عديدةٌ المونديالَ بالفعل؛ وعادت إلى بلادها)، كان هناك قَدْرٌ كبير من التحليلات لِمَا شابَ أداء البعض من قصور، وما حققه البعض الآخر من نجاح. وفي جهد مواز،ٍ انهمكت أقسام التسويق في شتى أنحاء العالم في وضع اللمسات الأخيرة للربط ما بين الأحداث الجارية في المستطيل الأخضر، وبين الماركات والمنتجات التي تُروّج لها.

من الممكن أن تشكل النتائج المترتبة على ذلك الربطِ مزيجًا مثيرًا للفضول، قد يصل إلى درجة سريالية. لننظر ـ على سبيل المثال ـ إلى ما صرَّحَتْ به «تومسون رويترز»، الشركة المتخصصة في إجراء التحليلات، من أنها بصدد إطلاق ضربة البداية لكأس عالمٍ خاصٍّ بها في مجال الأداء البحثي. وتعقيبًا على مباريات الجولة الأولى من بطولة كأس العالم، أعلنت الشركة أن المنتخب الإنجليزي كان بإمكانه أن يقلب خسارته المخيِّبة للآمال أمام المنتخب الإيطالي إلى فوز، لو أنه كان يؤدي المباراة استنادًا إلى تأثير الاستشهادات البحثية. وبالمثل، فإن المنتخب الأسترالي كان بإمكانه أنْ يهزم منتخب شيلي، مع استمرار حدوث الفوز الساحق الذي حققته هولندا على المنتخب الإسباني. وعلى مدار أربع جولات أخرى، وضعت التصفيات منتخبات في مواجهة منتخبات أخرى تنتمي إلى بلدان تختلف فيما بينها في عديد من الأمور، من بينها مدى إسهام تلك الدول في التعاون الدولي، وعدد الأبحاث التي يتم الاستشهاد بها بكثافة، والتأثير النسبي لتلك الدول على المستوى العالمي. فمن كان بوسعه أنْ يتوقع أن تكون الولايات المتحدة وسويسرا طرفين في أحد لقائي الدور نصف النهائي؟

هذا الربط المبتكر من شأنه أن يلقي الضوء على اتجاه جدير بالإهتمام، ألا وهو إعادة ضبط وترتيب الأدوات الخاصة بصناعة القياسات المرجعية. فقد كانت «تومسون رويترز» بصدد الترويج لمجموعة المؤشرات القياسية المرجعية المحدثة في خدمتها؛ لتحليل الأبحاث المعروفة باسم «إنْسايتس» InCites. وجدير بالذكر أن "تومسون رويترز" ليست هي الشركة الوحيدة التي قامت بتحديث عروضها في مجال القياسات المرجعية لعام 2014.

فمنذ يناير الماضي، تقوم مؤسسة «إلسفيير» Elsevier بالترويج والدعاية للجيل الجديد من منتجها المعروف باسم «سايفال» SciVal. وفي الثاني عشر من يونيو الماضي طرح موقع «ألتمِتْريك» Altmetric (الذي يتلقّى دعمًا من «ماكميلان ساينس آند إديوكيشن»، المالكة لمجموعة Nature للنشر، وهي دار النشر التي تصدر دورية Nature) عرضَه التجاري للمؤسسات البحثية، وهو بمثابة أداة، الغرض منها تَتَبُّع الأوراق البحثية الأكاديمية التي ينشرها أعضاء هيئة التدريس في الكليات، ومدى تأثيرها على شبكة الإنترنت. ومن بين المقاييس المثيرة للاهتمام ذلك المقياس الذي تم تدشينه في إبريل الماضي لقاعدة بيانات «لِنْس» Lens، الذي تديره منظمة غير هادفة إلى الربح، تُعرف باسم «كامبيا» Cambia في كانبرا. ويتيح هذا المقياس للباحثين ـ مجانًا ـ القدرة على فحص عدد براءات الاختراع التي استشهدت بأوراقهم البحثية، لكنّ هذا المقياس يتضمن حاليًا علوم الحياة فقط.

تستحق المنتجات التي تعرضها شركات التحليل التجارية المتابَعة، لأنها تحدِّد بشكل عام كيف تقوم المؤسسات البحثية بمتابعة باحثيها، وتقييمهم. وتشير أحدث المنتجات إلى أنه قد أصبح الآن أسهل من ذي قبل حساب عدد مذهِل من المقاييس لأي مجموعة من الأوراق البحثية، بما في ذلك مجموعات الأبحاث على المستوى الفردي، أو على مستوى الكلِّيَّات، أو حتى على مستوى الدولة ككل.

بنظرةٍ إلى الجوانب الإيجابية، يمكن القول إنّ هذا الجيل الجديد من المنتجات يتميز بأنه أكثر تعقيدًا وتقدُّمًا، ويضع في الاعتبار وجهات النظر والملاحظات النقدية التي يطرحها خبراء القياسات المرجعية. تركِّز الأدوات حاليًا على الأوراق البحثية الفردية، بوصفها وحدة أساسية للمنتَج النهائي، بدلًا من التركيز على الدورية التي تُنشر فيها الورقة البحثية. وصارت تلك الأدوات تُسَلِّم بشكلٍ متزايد بأنه من المنطقي والمفيد مقارنة المقاييس من حيث السياق فحسب، بمعنى معايرة الأداء ـ على سبيل المثال ـ بشكل متناسب مع الأوراق البحثية، اعتمادًا على التشابه ما بين المجموعات العمرية، أو المجالات البحثية، أو وسائل النشر.

أما إذا نظرنا إلى الجوانب السلبية، فما زال من السهل إساءة استخدام تلك العروض.. فأحدث سلالة من القياسات المرجعية يمكن استخدامها بوصفها أدوات تسويق للأفراد، أو وسيلة للكشف عن مكامن التميز المغمورة أو المهمَلة، أو باعتبارها أدوات لتصنيف الدول أو المؤسسات في كأس العالم للأبحاث.

هناك خطر يتمثل في أن الجامعات تشتري حاليًا منتجات شديدة التعقيد؛ لمتابعة أدائها البحثي، بدون أن تدرك حقيقة القيود الخاصة بتلك المقاييس. ويستعرض جوناثان آدامز في صفحة 470 من عدد Nature الطبعة الدولية، الصادر في 26 يونيو الماضي، كتاب «ما بعد القياسات المرجعية» Beyond Bibliometrics، وهو كتاب يوضح الخطوط العريضة لتاريخ المحاولات المبذولة لقياس مدى التأثير البحثي والاتجاهات المستقبلية لتلك المحاولات. ويحثُّ محررا الكتاب، بليز كرونين وكاسيدي سوجيموتو، على التزام الحيطة والحذر. ويطرح آدامز سؤالا: «حتى بعد مُضِيّ عقود من استخدامها، هل نفهم بالفعل ماهيّة بيانات الاستشهاد، وماذا نفعل بها؟ وهل ثمة معايير واضحة لدى أولئك الذين يستخدمون القياسات المرجعية لكيفية توظيف تلك المقاييس وتفسيرها؟»

وكما أوضحت دورية Nature من قَبْل (انظر: www.nature.com/metrics)، يشعر كثيرٌ من الباحثين بأنهم دائمًا يواجهون العديد من الضغوط، بسبب سعيهم لمضاعفة عدد المقاييس التي يمكن من خلالها الحكم على نجاحهم الأكاديمي. لعل هذا يجعل من المطالَبة بالوضوح والشفافية من جانب مديري الأبحاث بشأن أيّ القياسات تُستخدَم لتقييم الباحثين، ولماذا يستخدمون تلك القياسات بعينها، من بين الأمور ذات الأهمية البالغة في هذا الوقت تحديدًا عن أي وقت مضى. وفي ظل هذا الجيل الجديد من الأدوات التجارية، لا يبدو من الخيال المبالَغ فيه أن تتصور مديرًا عامًّا يجلس في مكان ما من المؤسسة البحثية التي تعمل بها وهو مستغرق في كأس عالمٍ متواصل خاصٍّ به على مستوى الإدارة التي يتولى رئاستها، وتراه يستعرض شرائح مُطَوَّلة من الرسوم والمخططات البيانية، منخرطًا في لعبة تخيُّلية تتحكَّم في مِهَن الباحثين، ومسارات حياتهم المهنية.