تحقيق إخباري

الكوكب الظمآن: ميـاه حسب الطلب

يحاول الباحثون استكشاف مصادر غير تقليدية للمياه العذبة؛ لريّ عطش العالم المتزايد.

كيرين شيرماير
  • Published online:

الحجاج الهندوس يتجمعون للاستحمام في نهر الجانجا.

الحجاج الهندوس يتجمعون للاستحمام في نهر الجانجا.

Daniel Berehulak/Getty


في محاولة لمكافحة أزمة المياه الأزلية لبلاده، كتب الرئيس الإيراني حسن روحاني مغردًا عبر تويتر في نوفمبر الماضي: «نحن بحاجة إلى خطة للاقتصاد في استخدام المياه في الزراعة، ومنع الاستخدام المفرط لمياه الصنابير، وحماية مصادر المياه الجوفية، وحظر الحفر غير القانوني لآبار المياه».

ليست إيران وحيدة في هذا المجال. فمن جنوب غرب الولايات المتحدة إلى جنوب إسبانيا وشمال الصين، يهدِّد نقص إمدادات المياه أجزاءً كثيرة من العالم. فهناك ما يقرب من 800 مليون إنسان لا يستطيعون الحصول على مياه شرب آمنة، و2.5 مليار إنسان ليس لديهم مرافق الصرف الصحي المناسبة.

ربما يزداد الوضع سوءًا في العقود القادمة. فمن المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم من 7 مليارات ـ مثلما هو الآن ـ إلى أكثر من 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، وذلك بينما يسلب تغير المناخ هَطْل الأمطار من أجزاء عطشى عديدة بالكوكب. وإذا ما ازداد احترار العالم درجتين مئويّتين فوق المستوى الحالي بحلول نهاية القرن، وهو ما يعتقد العلماء أنه مرجَّح للغاية، سوف يعاني حوالي خُمْس سكان العالم من نقص حاد في المياه العذبة.

يقول يوهان روكستروم، اختصاصي الموارد المائية بجامعة ستوكهولم، ومدير مركز ستوكهولم للتَّكَيُّف: «حتى بدون التغير البيئي العالمي، فإن إطعام 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050 سوف يتطلب إضافة 2000–3000 كيلومتر مكعب من المياه العذبة في الزراعة، أي أكثر من إجمالي الاستخدام العالمي الراهن للمياه في الري. وهذا يعادل ثورة زراعية جديدة. فالمناهج المبتكرة ـ مثل ممارسات حصاد المياه ـ هي في غاية الأهمية للمستقبل».

تسعى معظم الدول إلى توسيع نطاق الوصول إلى مصادر المياه، من خلال الاستفادة بالمياه الجوفية التي توفر بالفعل جزءًا كبيرًا من إمدادات المياه العذبة لسكان العالم. وفي الوقت نفسه، يجرِّب البعض إعادة تدوير مياه الصرف الصحي في الزراعة واستخدامات أخرى، غير أن دولًا  عديدة تأمل في استغلال مصادر غير تقليدية ـ تتراوح من الضباب إلى المحيط ـ لريّ عطشها. تنطوي بعض المناهج على صفقات وأعمال بمليارات الدولارات، بينما بعضها الآخر جهود محلية تتطلب القليل من التكنولوجيا المكلفة. ننظر هنا في خمس طرق لإنتاج المياه العذبة من مصادر غير عادية.

ثمـن تحـليـة ميـاه البحـر 

مثل كل بلدان البحر الأبيض المتوسط، تتلقى إسرائيل معظم هَطْل الأمطار خلال أشهر الشتاء، لكن الشتاء الماضي لم يشهد تقريبًا سقوط أيّ أمطار. في الماضي، كان مثل هذا الجفاف يسبب مشكلات حادة لسكان إسرائيل، البالغين 8.2 مليون نسمة، غير أنه بفضل محطات تحلية مياه البحر التي أنشأتها إسرائيل على مدى العقد الماضي، لم تجفّ صنابير البلاد.

تُعتبر محطات «التناضح العكسي» الأربع في إسرائيل من أكبر وأكفأ مرافق تحلية المياه في العالم. وبحلول العام المقبل، من المتوقع أن توفِّر هذه المحطات أكثر من 500 مليون متر مكعب من المياه العذبة سنويًّا، وهو ما يقرب من نصف احتياجات إسرائيل. في عام 2012، وقّعت شركة «IDE تكنولوجيز» في كديما ـ وهي الشركة التي أقامت ثلاثًا من منشآت التحلية الإسرائيلية الحالية ـ اتفاقًا لتصميم محطة تحلية، كلفتها مليار دولار أمريكي قرب كارلسباد، كاليفورنيا. وعند اكتمالها بحلول عام 2016، سوف توفر المحطة المياه العذبة لنحو عُشْر سكان مقاطعة سان دييجو، البالغين 3.2 مليون نسمة.

لقد أصبحت تحلية المياه صناعة عالمية سريعة النمو، ومصدرًا أساسيًّا للمياه العذبة في الشرق الأوسط وأستراليا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا وإسبانيا في العشرين سنة الماضية، وبشكل متزايد في الهند والصين. ففي عام 2012، تجاوزت القدرة الإجمالية العالمية لمحطة التحلية القائمة بالفعل 80 مليون متر مكعب يوميًّا، وهو ما يكفي لتزويد حوالي 200 مليون شخص بالماء.

يقول جاري إيمي، مدير مركز تحلية المياه وإعادة استخدامها بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا (KAUST) في ثول، بالمملكة العربية السعودية: «ما يقرب من نصف سكان العالم يعيشون في نطاق 100 كيلومتر من سواحل البحار. لذا.. لا يمكن أبدًا تجنُّب تحلية المياه. إنّ تحلية المياه ستبقى هنا، وستصبح حتمًا أكبر نطاقًا»، غير أنّ تحلية المياه ـ بأي طريقةٍ كانت ـ تستهلك طاقةً أكثر بكثير من مصادر المياه التقليدية.. فإنتاج متر مكعب من المياه الصالحة للشرب يستهلك ما يزيد قليلًا عن 3 كيلووات ساعة من الطاقة في أكفأ محطات التحلية التجارية بالتناضح العكسي، حيث يتم ضغط مياه البحر غير المرشَّحة عبر سلسلة من الأغشية شبه المنفذة، لكن عملية تَبَخُّر مياه البحر في المحطات الحرارية تتطلب حوالي 10 كيلووات لإنتاج الكمية نفسها من المياه الصالحة للشرب. بعض الدول الغنية بالنفط لا تُمَانِع في تحمُّل السعر المرتفع.. فصناعة تحلية المياه في المملكة العربية السعودية، مثلًا، تحرق حاليًا نحو 300 ألف برميل من النفط يوميًّا.

يحاول المهندسون تحسين تكنولوجيا التناضح العكسي باستخدام مكونات، مثل مضخات الطاقة المنخفضة والأغشية المتطورة. بعضها يجري تجارب باستخدام أغشية مصنوعة من الجرافين (صفائح كربون بسُمْك ذَرَّة واحدة)؛ لتحلّ محل البوليمرات المستخدَمة حاليًا. كما أن هناك جهودًا جارية عالميًّا للتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة في عملية تحلية المياه.

وحتى مع تلك التطورات، سوف تبقى تحلية المياه مكلفة، كما تقول ماريا كنيدي، خبير معالجة المياه بمعهد الأمم المتحدة لتعليم (علوم) المياه في دلفت، هولندا. وتُتابِع بقولها: «لا أحد يقرِّر اللجوء إلى التحلية، ما لم تكن خياراته الأخرى قد نفدت».

تنقيـة ضفـاف الأنهـار

في يوليو وأغسطس من كل سنة، يتوافد ملايين الحجاج الهندوس إلى المدينة المقدسة هاريدْوار في الهند، لزيارة معابدها، وجلْب الماء من نهر الجانجا. لا تستطيع طبقات المياه الجوفية التي تزوِّد المدينة بالمياه العذبة مواكبة التدفق السنوي للبشر، ولذلك هناك حاجة إلى مصدر آخر. وبدورها، توفِّر لنا ضفاف نهر الجانجا حلًّا.

استخدم الألمان بامتداد نهر الراين ضفة النهر لتصفية المياه منذ سبعينات القرن التاسع عشر. وهذا الأسلوب واضحٌ ومباشر: عندما تُحفَر آبار بجانب النهر في مناطق مناسبة جيولوجيًّا، ترشَّح مياه النهر من خلال الرمل والحصى اللذين يستبعدان معظم الملوثات الكيميائية والحيوية، وهكذا تخرج المياه نظيفة نسبيًّا.

يقول ساروج شارما، مهندس البيئة بمعهد المياه التابع للأمم المتحدة: «قد لا تفي المياه المعالَجة دائمًا بمتطلبات جودة المياه»، لكن عندما يكون النهر نظيفًا نسبيًّا والظروف الجيولوجية مواتية، كما في هاريدْوار، قد لا تحتاج المياه سوى كمية ضئيلة من التطهير، كما يقول شارما.

سوف تضطر الهند إلى زيادة استخدامها لأنظمة معالجة المياه الطبيعية. وتوفِّر المياه الجوفية حاليًا %85 من موارد المياه المحلية للبلاد، لكن الإمدادات آخِذَة في الانخفاض بسرعة، فخلال 20 عامًا، سوف تتدهور بشكل فادح حوالي %60 من جميع طبقات المياه الجوفية في الهند، وفقًا لما وَرَدَ عن البنك الدولي.

ينظر الباحثون الآن في تحسين كفاءة تقنيات تنقية المياه الطبيعية، وإعادة استخدامها في الهند، كجزء من مشروع ساف پاني Saph Pani، وهو مشروع بحث وتطوير تعاوني، كلفته 6.5 مليون دولار، ويغطي 9 مواقع في البلاد، بتمويل من الاتحاد الأوروبي. تتراوح هذه الدراسات من ترشيح المياه عبر ضفة النهر بهاريدوار إلى معالجة مياه الصرف الصحي في الأراضي الرطبة الاصطناعية في حيدر أباد.

تقنية عتيقة  

إقليم تيجراي في شمال إثيوبيا معروفٌ بجفافه، ونتيجة لذلك.. شهد الإقليم مجاعات متكررة، إلا أنه لم يعد سكان قرية كورارو يواجهون نقصًا في المياه، بفضل تكنولوجيا قديمة مستوردة.

جلب أبمانو لال ـ مدير مركز المياه بجامعة كولومبيا في نيويورك ـ هذه الطريقة إلى قرية كورارو، كجزء من مشروع قرى الألفية الذي تقوم به الجامعة، والذي يسعى لمكافحة الفقر والجوع في أفريقيا من خلال جهود يقودها المجتمع المحلي. فبينما كان يبحث عن طريقة لتزويد مجتمع القرية بالماء، استلهم لال أعمال المياه المعروفة بـ«القنوات»، التي اخترعها المهندسون الفُرْس قبل أكثر من 2000 سنة. هذه الأنفاق المفصلة بدقة تحمل المياه الجوفية من ارتفاعات عالية، وصولًا الى الوديان والسهول الجافة؛ وبعض هذه النظم القديمة ما زال قيد الاستخدام في إيران، وأجزاء من شبه الجزيرة العربية. في عام 2009، وبتمويل قدره 250 ألف دولار من مؤسسة سيل ومايكل بوليتزر، بدأ طلاب الهندسة في فريق لال بتصميم نسخة حديثة من القنوات في كورارو.

تقع القرية والحقول المحيطة بها على منحدر رملي، على بُعْد بضعة كيلومترات من منحدرات جبلية حادة، حيث يتلقى الإقليم هَطْلًا شحيحًا من الأمطار، ما عدا في شهري يوليو وأغسطس، عندما تسبِّب السيول تآكلًا سيئًا للتربة. في الماضي، عمد القرويُّون إلى تخزين مياه الأمطار في خزانات، لكن الكثير من هذه المياه تبخَّر سريعًا، وأصبحت المياه الباقية في كثير من الأحيان ملوثة.

وللالتفاف حول هذه المشكلات، صمَّم طلاب جامعة كولومبيا ـ بمساعدة مهندسين إثيوبيّين وقرويين محليين ـ منظومة من السدود الصخرية الصغيرة في أعلى الجبل؛ للسيطرة على جريان المياه السطحي، والسماح لمياه الأمطار بالتسرب إلى باطن الأرض.

يتدفق الماء عبر الجبال إلى خندق بعرض ثلاثة أمتار، وعمق ثلاثة أمتار، ويمتد من سفح الجبل إلى أسفل المنحدر إلى القرية على بُعْد 4 كيلومترات. وهذه المنظومة التي يمكن أن تستوعب 36 ألف متر مكعب من المياه، تعمل منذ ثلاث سنوات. يعيد الخندق شحن المياه الجوفية حول كورارو، وبالتالي يزوِّد القرويين بالماء للشرب والزراعة. وقد مكَّن تَوَفُّر المياه القرويين من إضافة موسم زراعي آخر، كما يكمل احتياجات الري من الماء أثناء فترات الانقطاع في موسم الأمطار.

يقول لال: «مثل أرباب بناء القنوات الفارسية القديمة تمامًا، أنشأنا طبقة من المياه الجوفية، حيث لم تُوجد هناك في الواقع أي طبقة قبل ذلك. وتتم تصفية المياه الجوفية بواسطة الرمل. والماء الذي أنتجناه هو من نوعية مياه الشرب النقية».

يقول ألبرتو مونتاناري، عالِم الهيدرولوجيا بجامعة بولونيا في إيطاليا: «إنّ شُحّ المياه غالبًا ما تسبِّبه الأمطار المتفرقة، وليس الافتقاد الفعلي للمياه. والتحدِّي إذَن هو ابتكار حلول مستدامة لتخزين المياه؛ ليكون هناك احتياطي لموسم الجفاف. ومشروع كورارو مثالٌ ممتاز لكيفية القيام بذلك».

ومع انتشار أخبار نجاح الخطة، تخطِّط مجتمعات القرى الأخرى في تيجراي لبناء تقنيات مشابهة. وحسب لال، يمكن تطبيق هذه الطريقة في عديد من المواقع مع وجود ما يناسبها من تضاريس وهيدرولوجيا، بما فيها معظم مرتفعات أفريقيا شبه القاحلة. وينظر لال الآن إلى ما وراء أفريقيا، حيث يُجْرِي محادثات مع ولاية جهارخند بشمال شرق الهند؛ لتطوير قناة هناك.

تخضيـر الصحـراء

تَستخدِم الزراعةُ أكثر من ثلثي المياه العذبة في كوكب الأرض، وبالتالي فإن فكرة ممارسة الزراعة التي تنتج من المياه والطاقة أكثر مما تستهلك تبدو أروع من أن تكون حقيقةً، لكن في صحراء قطر، أظهر العلماءُ أنّ المياه المالحة وأشعة الشمس يمكن أن تُنْتِجا غذاءً ومياهًا نظيفة في دورة مكتفية ذاتيًّا.

ومشروع غابة الصحراء (SFP) ـ وهو شركة نرويجية بدأت في عام 2009 بدعم من شركة أسمدة يارا، الكائنة في أوسلو، وشركة قطر للأسمدة في مسيعيد ـ يُشغِّل منشأة تجريبية بتكلفة 8.5 مليون دولار خارج الدوحة. وفي العام الماضي، أنتجت صوباتة تجريبية أقيمت بمساحة 700 متر مربع محاصيل خضراوات مماثلة لمحاصيل الصوبات الزراعية التجارية بأوروبا، وفقًا لمشروع غابة الصحراء.

تعمل الصوبات الزراعية عادة كمصيدة للحرارة، لكن العكس هو المطلوب في أماكن ساخنة مثل قطر. في منشأة مشروع غابة الصحراء، تقوم مياه البحر بالحيلة. فالمياه المتدفقة عبر الأنابيب من الخليج على بُعد 100 متر فقط تتقطَّر خلال شبكة في الجانب المواجِه للريح من الصوبة. ومع تبخُّر الماء، يترطب الهواء الداخل إلى الصوبات، ويبرده بحوالي 10 درجات مئوية، ليُنشئ مناخًا داخليًّا مناسبًا لزراعة الخضراوات، كالخيار والطماطم. تنمو محاصيل أخرى ـ كالشعير والجرجير ونباتات صحراوية مفيدة ـ بين السياجات في اتجاه الريح من الصوبة.

عندما تبرد الصحراء ليلًا، يتكثف الماء على الأسطح داخل الصوبة، ويتم جمعه لأغراض الري والشرب. وينتِج مرفق تحلية المياه في الموقع مزيدًا من المياه العذبة، كما تأتي الكهرباء اللازمة لتشغيل هذه التجهيزات بأكملها من الطاقة الشمسية.

يَعتقِد يواكيم هايجه ـ الرئيس التنفيذي لمشروع غابة الصحراء بأوسلو ـ في إمكانية توسيع نطاق تطبيقات المفهوم نحو إنشاء واحات خضراء في المناخات الصحراوية، التي هي ـ بخلاف ذلك ـ معادية للزراعة. ويقول: «إن إنتاج 60 هكتارًا من الخضراوات بالصوبات يمكن أن يضاهي كميًّا استيراد قَطَر السنوي من الخيار، والطماطم، والفلفل، والباذنجان».

كما تعمل الشركة النرويجية مع حكومة الأردن؛ لإقامة منشأة تجريبية على مساحة 20 هكتارًا، تشمل وحدة صوبات تجارية، ومركزًا للبحث والابتكار في العقبة. يقول هايجه إنه سيكون بإمكان منشأة تجارية أكبر إنتاج فائض من الكهرباء يمكن تصديره إلى الشبكة العامة.

قد ينجح المفهومُ في أيّ مكان جاف ومُشْمِس قرب مستوى سطح البحر، وبالتالي سيتميّز بتكاليف ضخ منخفضة. وحتى مع ذلك.. تظل صوبات المياه المالحة تجربة في الوقت الراهن، حسب قول نينا فيدوروف، مدير مركز زراعة الصحراء بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا. وتضيف: «المفهوم مثير للاهتمام، لكنه لا يزال طريقًا مكلفًا لإنتاج المواد الغذائية، قد لا يكتسب جاذبية تجارية ضخمة».

حصـاد الضبـاب 

جامع لمياه الضباب في التلال أعلى ليما، عاصمة بيرو.  

جامع لمياه الضباب في التلال أعلى ليما، عاصمة بيرو.  

Mariana Bazo/Reuters/Corbis


لطالما كان على نساء قرية توهكيا الجبلية الصغيرة في جواتيمالا القيام برحلة شاقة إلى أسفل الوادي خلال أشهر الشتاء الجافة؛ لنَقْل المياه العذبة لأسرهن أعلى التلال، لكنهن الآن يحصلن على المياه من خلال استخلاص الرطوبة من الضباب، الذي غالبًا ما يلف منطقتهن.

يمكن لمتر مكعب من الضباب أن يحتوي على حوالي نصف جرام من الماء السائل، ومن السهل حصاده نسبيًّا، إذ يمكن للوحة شبكية رأسية كبيرة جمْع قطرات الماء، بينما تدفع الرياح سُحُب الرطوبة من خلال أليافها. تكون قطرات الماء صغيرة في البداية، فتتجمع وتنمو، ثم تجري في ممر أنبوبي إلى أسفل، ومنه إلى مستودع تخزين.

على ارتفاع 3300 متر فوق سطح البحر، حيث الشتاء عاصف وجاف، لكنه ضبابي غالبًا، تُعتبر توهكيا موقعًا مثاليًّا لاستخدام هذه التقنية. وبمساعدة الباحثين من مشروع «فوج كوِست» FogQuest غير الربحي في كاملوبس، كندا، ثبَّت سكان توهكيا 35 جهازًا لجمْع الضباب منذ عام 2006. وتنتِج هذه ما معدله 6300 لتر من المياه الصالحة للشرب يوميًّا ـ وهو ما يكفي حوالي 30 أسرة خلال موسم الجفاف ـ وأكثر من ذلك كثيرًا في موسم المطر عندما تتجمع مياه الأمطار أيضًا في مستودعات التخزين.

يَلْقَى جَمْع الضباب رواجًا بمناطق جافة موسميًّا تفتقد مصادر أخرى للمياه العذبة. وقد بُنيَت أول لوحات شبكية بسيطة في ستينات القرن الماضي ببلدة ميناء أنتوفاجاستا في شمال شيلي. وحاليًا، هناك 35 دولة تستخدم هذه التقنية، خاصة على امتداد ساحل المحيط الهادئ بأمريكا الجنوبية والوسطى، وفي جبال أطلس بالمغرب، وعلى الهضاب العليا بإريتريا، ونيبال.

يمكن أن تأتي التحسينات من مواد شبكية متطورة، مثل ألياف نفاذة قابلة للاختراق، طوّرها علماء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج؛ لدى اختبارها في شيلي، جمعت هذه الألياف ضبابًا بمعدل خَمْسة أضعاف ما تجمعه الشبكة التقليدية. وفي صحراء ناميب بناميبيا، استخدمت شبكات ثلاثية الأبعاد، طوَّرها علماء معهد تكنولوجيا النسيج وهندسة العمليات في دِنكِندورف بألمانيا، وحققت رصيدًا من المياه أكثر من الشبكات العادية بحوالي ثلاثة أضعاف.

وحتى مع تلك الأنواع من المكاسب في جَمْع المياه، لن يحلّ حصاد الضباب مشكلة نقص المياه في شيلي، أو أي بلد آخر، لكنه يمكن أن يوفِّر طريقة بسيطة ومستدامة لإنتاج مياه عذبة بمناطق شبه قاحلة تفتقد خيارات مصادر المياه الأخرى، حسب قول أوتّو كلِمّ، عالِم المناخ بجامعة مونستر بألمانيا.

يقول أوتّو كلِمّ: «إذا كانت الظروف المناخية مناسبة، والأهم.. إذا أمكن تدريب السكان المحليين على صيانة المرافق بشكل مستقل؛ فهذه التقنية لديها القدرة على تزويد المجتمعات الريفية بمياه عذبة لا تُقَدَّر بمال على مدار السنة».