أخبار

صور ثلاثية الأبعاد تعيد صياغة التاريخ

برنامج للصور الرقمية يبشِّر بإتاحةٍ غير مسبوقة للقطع والمواقع الأثرية

إوين كالواي
  • Published online:

عُثِر على الجيش الصلصالي، والذي يتألف من محاربين منحوتين كلٍّ على حدة، داخل ضريح الإمبراطور الأول للصين، تشين شي هوانج.

عُثِر على الجيش الصلصالي، والذي يتألف من محاربين منحوتين كلٍّ على حدة، داخل ضريح الإمبراطور الأول للصين، تشين شي هوانج.

Paul Souders/Corbis


استغرق إنشاء جيش التماثيل الصلصالية الصينية عقودًا من الزمن، واحتاج إلى مئات الآلاف من العمال، غير أن المجسّدات الرقمية التي يمكن تجهيزها في بضع دقائق يمكنها حل اللغز العالق لواحد من أكثر الآثار شهرةً في الصين. فمن خلال إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد لمجموعة التماثيل التي يبلغ عمرها 2200 عام، يأمل علماء الآثار أن يمكِّنهم هذا من التحقق مما إذا كان القصد منها تمثيل جيش حقيقي من أفراد بعينهم، أم غير ذلك.

تُعرف التقنية بشكل عام بتقنية الرؤية الحاسوبية، وقد تم تطويرها في البداية لتمكين الآلات، مثل روبوتات المصانع ومركبات استكشاف سطح المريخ، من رسم عالم ثلاثي الأبعاد عبر صور الكاميرا. أما الآن، فإنها تعمل بهدوء لتطوير علوم الآثار والحفريات، بحيث تسمح بتقاسم نُسَخ افتراضية من العظام، والقطع الأثرية، ومواقع التنقيب بأكملها بين الباحثين لدراستها، دون تعريضها في الحقيقة لخطر التلف.

يقول أندرو بيفان، عالِم الآثار بجامعة لندن، وأحد أعضاء الفريق الذي يستخدم الرؤية الحاسوبية لبناء نماذج رقمية لجيش المحاربين بالحجم الطبيعي من الصلصال: «في المستقبل، من المحتمَل جدًّا أن تصبح هذه الأساليب الشيء الاعتيادي الذي تقوم بعمله لتسجيل موقع أثري».

ومنذ اكتشاف هذا الجيش في عام 1974 في ضريح امبراطوري بالقرب من مدينة شيان، يدور جدل بين المؤرخين حول ما إذا كانت تفاصيل وجوه الجنود قد تم نحتها على غرار وجوه مقاتلين حقيقيين، أم لا. «هل وجوه تماثيل المحاربين تمثِّل أناسًا حقيقيين؟ أم أنها نتاج أسلوب «القص واللصق»، حيث يمكنك لصق أنوف وآذان وشوارب مختلفة؟»، هكذا تساءل بيفان.

قد تقدم نماذج الرؤية الحاسوبية الجواب الشافي، كما يقول بيفان، إذ يمكننا أخذ صور رقمية بسرعة، وبكلفة قليلة، وبدون «إزعاج» للتماثيل. يمكن استخدام بضعة صور ذات جودة عالية تم التقاطها لتمثال من عدة مواقع مختلفة، ليزوّد لوغاريتم حاسوبي بالبيانات الكافية لتحديد الموقع الذي أخذت منه كل صورة، وإنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد للتمثال في دقائق. كما يمكن رسم وتحليل النموذج – والذي يتألف من مجموعة من الإحداثيات في الاتجاهات المتعامدة س وص وع – ومقابلتها بنماذج تماثيل أخرى، بل وحتى استخدامها لإنتاج قالب مجسّم باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد.

<br>نماذج ثلاثية الأبعاد مركّبة على بعضها (واحد باللون الأخضر، والآخر باللون الأبيض) تكشف عن اختلافات دقيقة في شكل الأذن.


نماذج ثلاثية الأبعاد مركّبة على بعضها (واحد باللون الأخضر، والآخر باللون الأبيض) تكشف عن اختلافات دقيقة في شكل الأذن.

A. Bevan et al. J. Archaeol. Sci. http://doi.org/s7v (2014)/CC-BY


في دراسة رائدة نُشرت في الرابع من يونيو، قام فريق بيفان بنمذجة وجوه 30 من المحاربين. وخلصت الدراسة إلى أنه لا توجد أذنان متطابقتان، وهو دليل على أن الجيش يتكون من أفراد بعينهم (A. Bevan et al. J. Archaeol. Sci. http://doi.org/s7v; 2014). قارَن الباحثون الأذان لأنها تمتاز بالتفرد، وربما تكون نمذجتها تمت على غرار أناس حقيقيين، إلا أن فريق الباحثين يخطط لتحليل خصائص تشريحية أخرى؛ لمعرفة ما إذا كان الجنود ينتمون إلى أعراق مختلفة، أو ما إذا كانت التماثيل تحمل بصمات مميزة لحرفيين. يؤكد بيفان أن العمل لا يزال في مرحلة مبكرة.

لقد استخدم علماء الآثار والحفريات أسلوب النمذجة الحاسوبية لعقود مضت، مثلًا، في رسم خريطة للحفريات بماسحات الليزر، أو لدراسة العظام بالتصوير المقطعي (CT)، لكن أنصار استخدام الرؤية الحاسوبية يقولون إن تلك التقنيات مكلفة، ولا تصلح للاستخدام بشكل روتيني في المجال.

تقول سارة دافي، عالمة الآثار بجامعة يورك بالمملكة المتحدة: «أنت تتحدث عن كاميرا في مقابل عدة جاهزة من المعدات بكلفة 30،000 جنيه استرليني [50،000 دولار أمريكي]». عندما تم العثور في العام الماضي على آثار أقدام عمرها 900،000 عام على ساحل نورفولك بشرق إنجلترا، كانت دافي من بين أعضاء الفريق الذي سارع لتصوير المشهد والتقاط الآثار بثلاثة أبعاد. كشف النموذج الذي تم إعداده عن أن الآثار تعود إلى أحد أسلاف الإنسان – وتُعد أقدم آثار من نوعها تم اكتشافها خارج أفريقيا (N. Ashton et al. PLoS ONE http://doi.org/rd2; 2014). وكانت الآثار قد اختفت تقريبًا بحلول الوقت الذي تمكّن فيه الباحثون من جلب ماسح ليزر إلى الموقع في وقت لاحق من الأسبوع نفسه.

يتفق بنيامين داكِه من المعهد الألماني للآثار في برلين مع الرأي القائل بأن هذه التقنية لديها القدرة على الحفاظ على المواقع الآخذة في الاختفاء. ففي أكتوبر الماضي، استخدم داكِه طائرة بدون طيار مجهزة بكاميرا فيديو لإنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد لمستوطنة كبيرة في المكسيك من حقبة ما قبل كولومبوس، وذلك خلال يومَين. ويخطط فريقه الذي أطلق اسم Archaeocopter (دراسة الآثار بالهليكوبتر) على نفسه، لمشروع تحليل مواقع في أوزبكستان وفي بومبَي بإيطاليا. وبتركيب كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء على طائرة بدون طيار، يمكن لهذه التقنية الحصول على خرائط للمواقع الأثرية التي تحجبها غابات كثيفة، حسب قول داكِه.

«نتوقع رؤية مجموعات بأكملها تضم مئات الآلاف من القطع الأثرية متوفرة رقميًّا»

تتوافر البرمجيات القوية للرؤية الحاسوبية بسهولة وبأسعار معقولة، غير أن أنصار هذه التقنية، مثل هاينريش ماليسون، وهو عالم حفريات في متحف التاريخ الطبيعي ببرلين، يرون أن مزايا هذه التقنية لا تقتصر فقط على توفير الوقت والمال. يقول ماليسون: «هذه التقنية تعني أنه بوسعنا أن نتوقع رؤية مجموعات بأكملها تضم مئات الآلاف من القطع الأثرية متوفرة رقميًّا في غضون عقد من الزمن، بحيث يتسنى للجميع استخدامها لأغراض البحوث». يعتقد داكِه أن هذه التقنية لديها القدرة على كسر «احتكارية التفسير» من قِبَل العلماء الذين تسود نظرياتهم، لأن غيرهم من العلماء لا يستطيعون الوصول إلى قطع أو بقايا أثرية بعينها.

يتوقع جان جاك هابلن، عالِم حفريات الإنسان بمعهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوّري في لايبزيج، ألمانيا، أن تتجه المتاحف إلى الحد من إنشاء وتوزيع مثل تلك النماذج لمجموعاتها من المعروضات، بالطريقة نفسها التي تعامل بها بعضها مع صور الأشعة المقطعية. تشعر المتاحف بالقلق من فقدانها السيطرة على مجموعاتها، ولكن هابلن يعتقد أن الطلب من قِبَل العلماء سيدفع حتمًا لوضع المزيد من المجموعات على الإنترنت. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي في مايو قبول طلبات لمنح من صندوق قيمته 14 مليون يورو (19 مليون دولار أمريكي)، لإنشاء نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد لأمثلة من تراث أوروبا الثقافي، آخذًا بعين الاعتبار تقنية الرؤية الحاسوبية.

إنّ سرقة البيانات تظل مصدرًا للقلق، وفق ما يقول ماليسون: «يمكنني الذهاب إلى متحف في بكين، وسحب كاميرتي الكانون، والتظاهر بأني سائح؛ ومن ثم إجراء بحوث على نموذج ثلاثي الأبعاد عالي الدقة لحفرياتهم». قد لا يخاطر الأكاديميون بتعريض أنفسهم لرد الفعل العنيف من جرّاء جمع البيانات دون إذن، لكن باعة التقليد يمكنهم نهب مجموعات المتاحف باستخدام برمجيات الرؤية الحاسوبية، كما يقول ماليسون، الذي يعتقد أن هناك حاجة إلى قواعد دولية لمنع حدوث ذلك. ومع ذلك.. فإنه يتوقع أنها ليست سوى مسألة وقت، قبل أن تتوافر النماذج ثلاثية الأبعاد لمجموعات المتاحف على نطاق واسع: «السؤال هو، هل سنرى ذلك في غضون 5 سنوات، أم 10 سنوات، أم 15 سنة؟»