تحقيق إخباري

علوم أمريكا الجنوبية: لاعبون كبار

رغم المشكلات الكثيرة في عدة بلدان، تَزدهِر في أمريكا الجنوبية جيوبٌ للتفوق العلمي.

  • ميشيل كتَنزارو
  • جوليانا ميراندا
  • ليسا بالمر
  • أليشو باياك
  • Published online:

المرصد الأوروبي الجنوبي يُشغِّل التليسكوب الكبير جدًّا بشمال شيلي.

المرصد الأوروبي الجنوبي يُشغِّل التليسكوب الكبير جدًّا بشمال شيلي.

B. Tafreshi/ESO


قد يبدو من الهرطقة قول هذا في أرض هذه اللعبة الجميلة، لكن العِلْم في البرازيل يتفوق على كأس العالم، على الأقل في سباق التمويل. تَستثمِر الحكومة والشركات هناك حوالي 27 مليار دولار أمريكي سنويًّا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، مما يفوق كثيرًا تكلفة بطولة كرة القدم، التي تبلغ حوالي 15 مليار دولار.

قطعت العلومُ في البرازيل، والعديد من بلدان أمريكا الجنوبية، شوطًا طويلاً منذ الأيام المظلمة لعهد الديكتاتوريات قبل جيل واحد فقط. ففي الأرجنتين، قفز عدد درجات الدكتوراة في العلوم حوالي عشرة أضعاف بين عامي 2000 و2010؛ كذلك ضاعف علماء بيرو رصيدهم من المقالات التي أُنتجت خلال الفترة نفسها؛ في حين يتصاعد تمويل العلوم في معظم البلدان بشكل عام.

وما زال أمام علوم أمريكا الجنوبية طريق طويل، إذا كانت تأمل في إدراك القارات الأخرى. وحسب عديد من المعايير ـ مثل الاستثمارات، وبراءات الاختراع، والتعليم ـ تتخلف الدول هناك عن دول أخرى ذات مستويات مماثِلة من الناتج المحلي الإجمالي (GDP). وتلوح في الأفق ملامح عدم استقرار في بلاد معينة، مثل الأرجنتين، والبرازيل، حيث تعكس الاحتجاجات الأخيرة انقسامات اجتماعية واقتصادية عميقة، وهي مشكلات يعاني منها جزءٌ كبير من أمريكا الجنوبية، لكن في خضم هذه المخاوف، هناك عديد من النقاط المضيئة في عالم العلوم. وهنا، تُلْقِي «Nature» الضوءَ على أمثلة عديدة من الباحثين البارزين، والمؤسسات المتميزة في القارة.


شيلي: المسـار الصـاعِـد

ميشيل كتَنزارو


عندما أنهى ماريو حَمْوي درجته الجامعية في شيلي سنة 1982، كان هو الوحيد في البلاد الراغب في متابعة دراساته العليا في علم الفلك. والآن، يلتحق أكثر من 25 طالبًا شيليًّا بمثل هذه البرامج سنويًّا، ويدير حموي معهد الألفية للفيزياء الفلكية في سانتياجو، الذي يضم 95 من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.

خلال مسار حموي المهني، ظهرت شيلي لاعبًا رئيسًا في دنيا علم الفلك الدولي، بدور غير هَيِّن، بسبب المجموعة الاستثنائية من التليسكوبات الموجودة في مرتفعات البلاد. يقول دانتي مِنيتي، الفلكي بجامعة شيلي الكاثوليكية البابوية في سانتياجو: «لقد احتلت الفيزياء الفلكية صدارة العلوم في شيلي، بفضل وفرة الموارد البشرية وحقيقة أن عندنا أصفى سماء في العالم».

ورغم أن شيلي استثمرت %0.44 فقط من الناتج المحلي الإجمالي في البحث العلمي سنة 2011، وهي آخر سنة تتوافر لها البيانات، نما تمويل الفيزياء الفلكية بشكل مُطَّرد، من مليوني دولار في 2006 إلى 6.8 مليون دولار في 2010. وخلال الفترة نفسها، تضاعف عدد أعضاء هيئة التدريس تقريبًا، كما تضاعفت مطبوعات علماء الفلك في البلاد أكثر من أربعة أضعاف خلال العقد الماضي.

كذلك تحسنت نوعية الإنتاج العلمي، إذ تشغل شيلي مرتبة عالية عالميًّا من حيث عدد الاستشهادات الأكاديمية بكل مقال صادر عن علمائها في مجال علوم الفضاء. وقد حقق بعض علمائها اكتشافات مهمة. ففي أوائل التسعينات، قدم حموي إسهامًا علميًّا مهمًّا؛ ساعد علماء آخرين في قياس التمدد المتسارِع للكون؛ والفوز بجائزة نوبل في 2011، بينما يُعتبر مِنّيتي هو أحد قادة مشروع تليسكوب فيستا VISTA للمسح بالأشعة تحت الحمراء في مرصد بارانال بشمالي شيلي، التابع لمنظمة الفضاء الأوروبية، الذي أنتج دليلًا (كتالوج) لأكثر من 84 مليون نجم بالأجزاء الوسطى بمجرة درب التبانة.

تجذب سماء شيلي الصافية التليسكوبات الدولية منذ عام 1964. وبحلول 2020، حيث من المقرر أن يكتمل التليسكوب الأوروبي الكبير للغاية، يُتوقع أن تستضيف البلاد %70 من سطح (مساحة) المشاهدة العالمية للتليسكوبات البصرية، وتليسكوبات الأشعة تحت الحمراء الكبيرة.

وبحُكْم العقود المبرمة، يحصل فلكيو شيلي على %10 من وقت المشاهدة لكل تليسكوب مثبت في البلاد، لكن بعض علماء الفلك يقولون إن هذا قليل جدًّا، باعتبار ما توفره البلاد لمنظمات تشغيل التليسكوبات.

تقول مونيكا روبيو، مدير برنامج علم الفلك لوكالة التمويل الشيلية «كونيسيت» CONICYT: «لقد أعطت هذه البلاد مزايا هائلة للمجموعات الدولية، تتراوح من الإعفاء الضريبي الكامل إلى الصفة الدبلوماسية. لقد حان الوقت لأنْ تشارِك شيلي على نحو أكثر فعالية».

تقول روبيو إن هناك إجماعًا بين علماء شيلي على التطلع، ليس فقط نحو استخدام المراصد الفلكية، بل نحو بنائها أيضًا، من خلال شركات محلية ومهندسين محليين. وهناك خطة أخرى تعمل عليها روبيو، وهي تطوير واحة أتاكاما الفلكية، كمنطقة محمية بمساحة 36347 هكتارًا حول مرصد مجموعة أتاكاما الكبيرة الملِّيمترية/دون الملِّيمترية، التي تخطِّط وكالة التمويل «كونيسيت» لجذب تليسكوبات المستقبل إليها من البرازيل والولايات المتحدة، وربما أيضًا من الصين، وكوريا الجنوبية، وتايلاند.

وهناك عديد من علماء الفلك قلقون من حوكمة العلوم في شيلي. فوكالة «كونيسيت» ليس لها مدير منذ استقالة خوسيه ميجيل أجيليرا منذ ثمانية أشهر، ورئيسة البلاد الجديدة، ميتشيل باتشيلِه، جَمَّدَت خططًا لإنشاء وزارة للعلوم (انظر: Nature 507, 412–413; 2014). يقول مِنّيتي: «إنها أوقات جيدة لعلم الفلك في شيلي، لكن الحفاظ على الزخم سيتطلب مزيدًا من دعم الحكومة المستدام».


البرازيل: مطـرقة سـان بـاولـو الثقيـلـة

جوليانا ميراندا

شبه موصل من أكسيد الزنك، ثمرة مشروعٍ لمؤسسة أبحاث سان باولو

شبه موصل من أكسيد الزنك، ثمرة مشروعٍ لمؤسسة أبحاث سان باولو

CDFM/FAPESP


رغم أن البرازيل تضاهي أوروبا في الحجم، إلا أن الكثير من الأبحاث الرائدة في أكبر دول أمريكا الجنوبية يصدر من منطقة بحجم الجزيرة البريطانية، وهي ولاية سان باولو، في جنوب البرازيل، وهي أغنى ولايات البلاد الست والعشرين، إذ ينشر باحثوها أكثر من نصف إنتاج البرازيل من المقالات العلمية. أحد الأسباب الرئيسة لنجاحها هو مؤسسة أبحاث سان باولو (FAPESP)، وكالة ولاية سان باولو التي تعزِّز الأبحاث والتعليم. في عام 2013، استثمرت المؤسسة 512 مليون دولار في تمويل العلوم، أي أكثر من عدة دول في المنطقة. (على المستوى الاتحادي، بلغت ميزانية مجلس البرازيل الوطني للتطوير العلمي والتكنولوجي حوالي 650 مليون دولار للعلوم والتكنولوجيا والابتكار في عام 2014).

أُنشِئت مؤسسة أبحاث سان باولو في عام 1960، ولديها تيار من التمويل يكفله دستور ولاية سان باولو، الذي يفرض تخصيص %1 من عائدات الضرائب للمؤسسة. وقد ألهم نجاحها في تعزيز الأبحاث والتعليم الولايات البرازيلية الأخرى.. فجميع الولايات، عدا واحدة، لديها الآن مؤسسة مماثلة، وفرضت غالبيتها تمويلًا مرتبطًا بالضرائب.

توجِّه مؤسسة أبحاث سان باولو %37 من تمويلها للبحوث الأساسية في مجالات تتراوح من تغير المناخ إلى فيزياء الجسيمات. ويذهب حوالي %10 من تمويلها إلى البِنْيَة التحتية، ويُوَجَّه الباقي إلى البحوث التطبيقية، كما يُكرَّس ما يقرب من ثلث ميزانيتها الإجمالية للبحوث الطبية.

يقول كارلوس إنريك دي برِتو كروز، المدير العلمي لمؤسسة أبحاث سان باولو: «من السمات الفارقة في عمل مؤسسة أبحاث سان باولو أننا نستثمر الكثير في مجال العلوم الأساسية. نحن نؤمن بالتوازن [بين البحوث الأساسية والتطبيقية]».

أحدث مشروعات المؤسسة الكبرى الذي أُقِرّ تمويله مؤخرًا، هو تليسكوب أمريكا اللاتينية ذو المجموعة الراديوية الملِّيمترية الطويلة، وهو مشروع مشترك بين البرازيل والأرجنتين، سيتلقى 12.6 مليون دولار من المؤسسة، ومثلها من وزارة العلوم البرازيلية. وينظر مجلس مؤسسة أبحاث سان باولو في استثمار 40 مليون دولار أخرى في تليسكوب ماجلان العملاق، الذي يُخطَّط لبنائه في شيلي، وهذا من شأنه أن يتيح لعلماء الفلك بمؤسسة سان باولو استخدامه.

ربما ينظر المسؤولون عن العلوم في الدول الأخرى بحَسَد إلى تمويل المؤسسة المضمون. يقول مارتين بولياكوف، مسؤول العلاقات الخارجية، ونائب رئيس الجمعية الملكية بلندن: «نموذج مؤسسة أبحاث سان باولو مثير جدًّا للاهتمام بالنسبة لنا، لأن سان باولو هي إحدى الولايات القليلة في العالم التي يرتبط فيها دعم البحوث مباشرةً بالناتج المحلي الإجمالي».

يقول واندرلي دي سوزا، عالِم الطب الحيوي بجامعة ريو دي جانيرو الاتحادية، وعضو الأكاديمية البرازيلية للعلوم، إن الوكالات الإقليمية ـ كمؤسسة أبحاث سان باولو ـ تؤدي دورًا مهمًّا جدًّا في البرازيل. «إنها تجعل البحوث ممكنةً، حتى لو شَحَّتْ مصادر التمويل الاتحادية».

تشق البرازيل طريقها جاهدةً مع وجود اختلافات اقتصادية واسعة بين مختلف أقاليمها، وهذا ما ينعكس على ميزانيات العلوم الإقليمية. ومؤسسة أبحاث سان باولو لديها أكبر ميزانية من بين كل وكالات البحوث الإقليمية، لكن هذا لا يقلل من الاستثمارات الاتحادية في الولاية، حسب قول كليليو كامبولينا، وزير العلوم والتكنولوجيا والابتكار، الذي يضيف: «نريد تحسين قدرات الولايات الأخرى، لكننا نريد أيضًا مكافأة التفوق».

لقد أثار نمو مؤسسة أبحاث سان باولو السريع بعض المخاوف بين علماء سان باولو الذين يشتكون من زيادة البيروقراطية، لكن المسؤولين بالمؤسسة يدافعون عن أدائها، ويقولون إنهم يعملون على تحسين إجراءاتها.

يقول بريتو كروز إنها كلها جزءٌ من جهد يرمي إلى إنتاج أعمال عالية الجودة، فـ«نحن نطمح إلى إنجاز أفضل المشروعات».


كـولومبيا: مـركـزٌ للنمـو

ليسا بالمر


في وادي كاوكا بغرب كولومبيا، يمضغ قطيع من الأبقار الضخمة في مزرعة بيتيكي (Petequi) الأعشابَ الخضراء بعيدًا، إذ تبدو كما لو كانت تنمو هناك منذ الأزل، لكن النباتات تبدو وافدًا جديدًا نسبيًّا، فهي من أصناف أعشاب السوبر الأفريقية، التي تم تهجينها لتعزيز التغذية وقوة الاحتمال على يد الباحثين بالمركز الدولي للزراعة المدارية (CIAT)، الذي يبعد أقل من 50 كيلومترًا إلى الشمال.

كانت أبقار بيتيكي تستغرق سابقًا أربع سنوات للوصول إلى الوزن المطلوب في السوق. والآن، يتم تسمينها في 18 شهرًا فقط. القصة هي نفسها بجميع أنحاء «سيرادو»، أو سافانا (مراعي) أمريكا الجنوبية. أحدثت الأعشاب المحسَّنة ثورة في الأعلاف المدارية بمختلف أنحاء القارة، بفضل عمل الباحثين بالمركز الدولي للزراعة المدارية جنبًا إلى جنب مع المشروع البرازيلي للبحوث الزراعية، وهي شركة برازيلية مملوكة للدولة، حسب قول إدواردو تريجو، خبير الاقتصاد الزراعي، والمستشار العلمي لوزارة العلوم والتكنولوجيا والابتكار الأرجنتينية في بوينس آيرس. يقول تريجو: «لقد كان المركز الدولي للزراعة المدارية أحد الفاعلين الأساسيين في تطوير سافانا أمريكا الجنوبية».

أُنشئ المركز الدولي للزراعة المدارية في عام 1967، وكانت المنشأة في كولومبيا من أولى المراكز المنخرطة في المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، وهي اتحاد لمراكز البحوث الزراعية الدولية. يوظف المركز الدولي للزراعة المدارية 325 عالمًا، وتبلغ ميزانيته السنوية 114.4 مليون دولار، يقدمها صندوق المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية، الذي يتلقى تبرعات من عدة مانحين، وجهات مانحة دولية أخرى.

وبالإضافة إلى عمله في الأعشاب، ركَّز المركز الدولي للزراعة المدارية على تربية أصناف محسَّنة من الفاصوليا والأرز والكسافا، وهي محاصيل غذائية أساسية، تُعتبر مهمة للأمن الغذائي لفقراء الريف. يقول روبن إتشِبيرّيا، مدير عام المركز الدولي للزراعة المدارية: «لقد ثبت أن تحسين هذه المحاصيل وراثيًّا سلاح قوي لمكافحة الجوع والفقر». فمثلًا، الفاصوليا التي طوَّرها المركز من أصناف أمريكا اللاتينية تغذِّي الآن حوالي 30 مليون شخص في أفريقيا، حسب ما أورده المركز.

وحوالي %70 من أرز أمريكا الجنوبية، و%90 من كسافا آسيا، يمكن تَتَبُّعها إلى برنامج هذا المركز لتربية المحاصيل. يقول آندي جارفيس، الرائد ببحوث السياسات بالمركز الدولي للزراعة المدارية: «تولِّد الكسافا الآن أعمالًا، قيمتها مليارات الدولارات؛ لإنتاج النشاء في آسيا؛ مما يوفِّر دَخْلًا لأصحاب الحيازات الصغيرة».

ساعد المركز أيضًا في نمو الخبرات في القارة وغيرها؛ فمنذ افتتاح المركز، تم تدريب حوالي 13 ألفًا من الباحثين هناك، وكان لمنشآته دور فعّال في بناء قدرات علماء فسيولوجيا النبات بالبلدان الأكثر فقرًا بمنطقة الأنديز، حسب قول تريجو.


الأرجنتين: «المبـاحـث» الـرِّيبِيـَّة  

أليشو باياك

ألبرتو كورنبليت، رائد في أبحاث الحمض النووي الريبي.

ألبرتو كورنبليت، رائد في أبحاث الحمض النووي الريبي.

Vera Rosemberg


يحِبّ عالِم الأحياء الجزيئية ألبرتو كورنبلييت وضْع الأمور في نِصَابها، إذ يقول معترفًا من مكتبه في بوينُس آيرس: "قد نكون على أطراف عالَم البحث العلمي، لكن الإنتاج العلمي ليس مستحيلًا علينا هنا". في الواقع، هو والباحثون حوله في مجال التضفير البديل (Alternative Splicing) للحمض النووي الريبي (RNA) ـ وهو مجالٌ ساعَدَ في تكوينه ـ أظهروا أنه بإمكانهم إجراء أبحاث على المستوى العالمي، رغم ضيق الميزانيات الحكومية، وتأخُّر إيصال الكواشف الكيميائية لثلاثة أشهر، التي تكلِّف ثلاثة أضعاف كلفتها في الولايات المتحدة وأوروبا.

ومِثل مختبر كورنبلييت، يستخدم التضفير البديل للحمض النووي الريبي الموارد المحدودة بطرق مبتكرة. فمن خلال أنماط متنوعة من القطع والوصل، يمكن لجين واحد منسوخ أن يؤدي إلى عديد من الأحماض النووية الريبية المراسلة المختلفة، مما يتيح بالتالي لجين واحد التعبير عن بروتينات مختلفة. وجد كورنبلييت إحدى الحالات الأولى من هذه العملية في البشر عندما كان زميلًا في بحوث ما بعد الدكتوراة بالمملكة المتحدة. وقد عاد إلى الأرجنتين في عام 1984، وحشد مجموعة من الباحثين، واصلوا استكشاف هذا المجال.

كان 2014 عامًا جيدًا بالنسبة إلى مجموعته. فقد نُشِر لكورنبلييت وتلميذه بالدكتوراة إيزيكيل بِتريّو ورقة بحثية بدروية "ساينس" الدولية في إبريل الماضي حول كيفية تأثير الضوء في التضفير البديل في النباتات (E. Petrillo et al. Science http://doi.org/s2d; 2014). وفي شهر مايو الماضي، نشر جويندال دوجاردن ـ باحث بعد الدكتوراة من فرنسا (حالة نادرة بمختبر أرجنتيني) ـ دراسةً حول التضفير بدورية Molecular Cell أو الخلية الجزيئية (G. Dujardin et al. Mol. Cell 54, 683–690; 2014).

يقول كورنبلييت إن هذا العمل جزء من سلسلة متصلة. وهو يَعتبِر البحث العلمي في بلاده جزءًا من تقاليد طويلة بدأت مع برناردو هوسيه، ولويس لولوار، الفائزَيْن بجائزة نوبل في القرن العشرين، ويُزَيِّن اسماهما الآن الشوارع والمتاحف والجامعات بكافة أنحاء البلاد. يقول كورنبلييت: "أدَّت المؤسسات العلمية التي أسَّسَاها إلى تخريج أجيال من التلاميذ الذين يواصلون الإنتاج العلمي اليوم".

يواصل كورنبليت هذا التقليد، جزئيًّا، إذ يُدرِّس مقررًا تمهيديًّا في الأحياء الجزيئية بجامعة بوينس آيرس. ويقول: "كان ذلك المقرر بمثابة حضانة للكثير من علماء الأرجنتين الشباب". لقد أغرى كثيرًا من الطلاب نحو التخصص، كما يقول دييجو جولومبك، عالِم الأحياء بجامعة كيلمز الوطنية في بوينس آيرس: "تخيَّل في اليوم الأول للدراسة، أنْ يجد الطلابُ الشبان أنفسهم أمام الباحث الأكثر شهرةً في البلاد، يُدرِّس الأحياء الجزيئية بحماس شديد. لقد كان لذلك تأثيرٌ قوي على الأجيال الجديدة من علماء الأحياء".

يقول بِتريّو، الذي غادر الأرجنتين لِتَوِّه إلى موقع بحثي آخر بجامعة فيينا الطبية بالنمسا، إنه سيفتقد الصداقة الحميمة بين مجموعة متماسكة من الباحثين في مجال الحمض النووي الريبي من المختبرات والجامعات بكافة أنحاء بوينس آيرس. ومنذ سنوات، وهؤلاء الباحثون الذين يطلقون على أنفسهم RNArgentinos ـ أي الأحماض النووية الريبية الأرجنتينية ـ ينظِّمون حلقات دراسية غير رسمية، ولقاءات لتبادل الأفكار والمشكلات والبروتوكولات والتقنيات.

يعترف كورنبلييت بأن علماء الأرجنتين لا يمكنهم جميعًا العمل في وطنهم، وأنه يشجِّع طلابه على "نشر البذور في العالم"، كباحثين بمرحلة ما بعد الدكتوراة في الخارج، لكنه يطلب من طلابه استكمال دراسة الدكتوراة في الأرجنتين، ويقول إنه "لا ضرورة لمغادرة البلاد للحصول على الدكتوراة، فلدينا وزارة علوم قوية، وكثير من المنح الدراسية والإعانات، ومباني البحوث الجديدة. إنّ بِنْيَة الإنتاج العلمي في الأرجنتين ليست مزعزعة، بل لها ركائز عديدة".