أخبار

إحياء الخلايا الجنينيّة من أجل داء باركنسون

رفع تعليق علاج مثير للجدل مع بروز الخلايا الجذعية كمصدر علاجي بديل.

أليسون أبوت
  • Published online:

الخلايا العصبية الدماغية المعيبة هي المسؤولة عن المشكلات الحركيّة المرصودة لدى المصابين بداء باركنسون.

الخلايا العصبية الدماغية المعيبة هي المسؤولة عن المشكلات الحركيّة المرصودة لدى المصابين بداء باركنسون.

ANIMATED HEALTHCARE LTD/SPL


بدأ فريق من جراحي الأعصاب في شهر يوليو الماضي في العمل على زرع خلايا من الأجنة البشرية المُجْهَضة في دماغ شخص يعاني من داء باركنسون. ستكسر هذه العملية التعليق الدولي الذي استمر فرضه عشر سنوات على هذا العلاج المثير للجدل بعد أن فشل العديد من المرضى في الاستفادة منه، دون أن يتمكّن أحد من معرفة أسباب هذا الفشل.

تأتي التجربة بالتزامن مع مصادر أخرى لاستبدال الخلايا المشتقة من الخلايا الجذعية البشرية، تسارع بالاقتراب من العيادات. وهذه المرة، يريد العلماء أن يتأكدوا من أن الأمور تسير نحو الأفضل. لذا.. شَكّلت الفِرَق المشارِكة في كل التجارب المبرمجة فريق عمل؛ لتوحيد الأبحاث والبروتوكولات الإكلينيكية على أمل أن تكون نتائجها أكثر قابلية للتفسير بطريقة أسهل.

يعاني المصابون بداء باركنسون من تحلُّل الخلايا العصبية التي تُنتج الناقل العصبي «الدوبامين»، الأساسي لأداء الحركة الطبيعية. وكثيرًا ما يؤدي هذا إلى مشكلات حركية شديدة لدى المرضى. يتضمن العلاج القياسي دواء «إل-دوبا» (l-dopa)، الذي يحلّ محلّ الدوبامين في الدماغ، ولكنه قد يسبب آثارًا جانبية. تهدف العلاجات الخلوية لاستبدال الخلايا العصبية المفقودة بخلايا منتجة للدوبامين (خلايا دوبامينية) من أدمغة الأجنة، أو بخلايا مشتقّة من الخلايا الجذعية البشرية.

كان تعليق التجارب المتعلقة بالمعالجة بالاستبدال قد بدأ عام 2003 لأن الدراسات المبكرة على الخلايا الجنينية أسفرت عن نتائج متباينة يستحيل تفسيرها.

إننا «نريد أن نتجنب تكرار هذا الوضع»، هكذا يقول طبيب الأعصاب روجر باركر في جامعة كمبرِيدج، المملكة المتحدة، الذي ساعد في تنظيم الاجتماع الافتتاحي لفريق العمل في لندن خلال مايو الماضي. تضمّ المجموعة التي تعرف باسم «القوة العالمية لمواجهة مرض باركنسون»، علماء من الفرق الأوروبية والأمريكية واليابانية، وهي على وشك الشروع في التجارب. وقد تعهّد الجميع في الاجتماع بتبادل المعارف والخبرات.

كان قد تم زرع أول خلايا دماغية جنينية في الإنسان عام 1987 في جامعة لوند في السويد، حيث تم ابتكار التقنية، حيث أخذت فرق الجراحة خلايا جنينية غير ناضجة، كانت ستتحول إلى خلايا عصبية دوبامينية، من الدماغ المتوسط لأجنة مُجهَضة وزرعوها في الجسم المخطط من أدمغة المرضى، وهي المنطقة التي تتجلى خسارة الدوبامين فيها بشكل كبير في مرض باركنسون.

تلقى أكثر من 100 مريض في جميع أنحاء العالم هذا العلاج، كجزء من تجارب إكلينيكية قبل وقفها. ويتابع باركر: «لكن المراكز استخدمت إجراءات وبروتوكولات مختلفة، وكان من المستحيل معرفة سبب تحسّن بعض المرضى بشكل جيد جدًّا وعدم استفادة البعض الآخر على الإطلاق».

في عام 2006، أعدّ باركر ـ بالاشتراك مع عالم الأعصاب أندرس بيوركلُند في جامعة لوند ـ مجموعة عمل تهدف جمع الفرقاء الأصلية السبعة التي أجرت عمليات الزرع، لتقييم جميع تفاصيل البروتوكول وبيانات المرضى بشكل رجعي.

استنتجت الفرق أن الإجراء بدا أكثر فعالية لدى المرضى الذين كانوا صغار السن نسبيًّا، والذين كان مرضهم في مرحلة مبكرة. وبالإضافة إلى ذلك.. أظهر تحليل ما بعد الوفاة لأدمغة المرضى أن الذين استفادوا أكثر تلقوا ما لا يقل عن 100,000 خلية جنينية منتجة للدوبامين زرعت في أدمغتهم. وخلُص علماء الأعصاب إلى أن هناك حاجة لخلايا من ثلاثة أجنة على الأقل للحصول على هذا العدد من الخلايا.

شجّع التحليل الرجعي العلماء الأوروبيين ـ ومن ضمنهم باركر وبيوركلند ـ على إطلاق تجربة جديدة، يموّلها الاتحاد الأوروبي، وتنطوي على زرع خلايا عصبية دوبامينية جنينية. ستعمل هذه الدراسة التي تعرف باسم «ترانسيورو» TRANSEURO، على مراقبة تطور المرض لدى 150 مريضًا في المملكة المتحدة والسويد وفرنسا وألمانيا. وكان مقررًا أن يتم الزرع لأول مريض خلال شهر يوليو في مستشفى أدينبروكس في كامبردِج. وتماشيًا مع نتائج التحليل الرجعي، تم اختيار المرضى المشاركين بحيث يكون متوسط أعمارهم 55 سنة، ومتوسط مدة مرضهم 4 سنوات فقط. لم يظهر أي منهم خللًا حركيًّا (حركات عضلات غير منضبطة قد تكون آثارًا جانبية للعلاج بواسطة إل-دوبا).

لقد تقدمت بيولوجيا الخلايا الجذعية بشكل ملحوظ منذ عام 2003، ويمكن الآن الحصول على الخلايا الدوبامينية من الخلايا الجذعية الجنينية البشرية، كما يمكن أيضًا الحصول عليها من الخلايا الجذعية المحفّزة متعددة القدرات (خلايا ناضجة أعيدت إلى حالة تشبه الخلايا الجذعية غير المحددة، ويمكن توجيهها لتصبح النوع المطلوب). هذه المصادر المحتملة مرغوب فيها أكثر من تلك المستمدة من الأجنّة، لأن الخلايا الجنينية أصعب منالًا، كما أنها متنوعة حيويًّا.

تجري الأبحاث الآن لضمان تطوّر الخلايا الجذعية نحو النوع الصحيح للخلية الدوبامينية اللازمة لعلاج داء باركنسون واندماجها بطريقة صحيحة في أدمغة المتلقين. ولكن التقدم كان سريعًا حتى إن التجارب الإكلينيكية بدأت تلوح في الأفق. يجري التخطيط لإجراء تجربة يابانية، تستخدم الخلايا الجذعية المحفّزة متعددة القدرات، لتبدأ في كيوتو في غضون سنتين؛ كما يجري التخطيط لإجراء تجربتين أخريين باستخدام الخلايا الجذعية الجنينية البشرية، إحداهما ستبدأ في غضون ثلاث سنوات في نيويورك، والأخرى في أوروبا في غضون أربع إلى خمس سنوات.

تأمل «القوة العالمية لمواجهة مرض باركنسون» أن تجعل التخطيط المشترك من مقارنة النتائج أمرًا أسهل، وسيتبادل أعضاؤها بروتوكولات استخلاص الخلايا وزرعها، بالإضافة إلى المعايير الإكلينيكية التي يتّبعونها لاختيار المريض ومتابعته.

إنهم ينظرون إلى تجربة «ترانسيورو» كتجربة رائدة. «حتى الآن لم نعرف بعد أي مصدر للخلايا سيثبت أنه الأفضل، ولكن الخلية الجنينية في الوقت الراهن هي المعيار الذهبي الذي نحتاج إلى مضاهاته»، هكذا تقول كلير هِنشكليف المتخصصة في علم الأعصاب من مركز وايل كورنيل الطبي في نيويورك، التي تعمل على تنسيق مبادئ فريق العمل التوجيهية الخاصة بتقييم المرضى وتصميم التجارب.

ما زال الطريق طويلًا قبل أن تتمكن أساليب استخدام الخلايا الجذعية من منافسة ما تَعِد الخلايا الجنينية بتقديمه، حسب قول مالين بارمار، العالمة المتخصصة في أحياء الخلايا الجذعية في جامعة لوند، وعضو الفريق الأوروبي للتجربة الإكلينيكية. يرجع هذا إلى أن خلايا أدمغة الأجنّة قد أخذت بالفعل طريقها لتصبح خلايا دوبامينية ناضجة. تقول مالين: «جسم الإنسان يعلم جيدًا كيف يطوِّر كل نوع من أنواع الخلايا الجنينية. إننا لم نعلم كل هذه الأسرار بعد، ولكننا علمنا البعض الأساسي منها».