افتتاحيات

الممارَسات الجيدة

إنّ إجراءات وتحليلات مُقنَّنة من شأنها أن تقود العلاج بالخلايا الجذعية إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية.

  • Published online:

عادةً ما تحتل صدارةَ العناوين الرئيسة في وسائل الإعلام أنباءٌ تتحدث عن أعمال غير أخلاقية، أو ممارسات استغلالية، أو وعود مُبالَغ فيها. يتكرر هذا الوضع أيضًا في مجال الطب التجديدي والعلاج بالخلايا الجذعية؛ حتى تركت التقارير الإعلامية انطباعًا واضحًا، مفاده أن الأبحاث التي تُجرَى في تلك المجالات مشكوكٌ في أمرها إلى حد ما.

البداية وقعت منذ أمدٍ بعيد، بشأن المادة المستخدمة في تلك الأبحاث، ألا وهي الأَجِنَّة البشرية. فعندما قام الرجل الأقوى في العالم ـ وهو الرئيس الأمريكي جورج دبليو. بوش ـ بحظر تلك الأبحاث، وبوقف الدعم الفيدرالي المُخصَّص لها في عام 2001، كان ذلك دليلًا على أن تلك الأبحاث قد شابها بعض المخالفات، أليس كذلك؟ ثم جاءت التقارير الدورية عن الشركات التي تقوم باستغلال المرضى ـ الذين يكونون عادةً من الضعفاء وأصحاب الحالات الخطيرة ـ بوعود تتحدث عن معجزات علاجية باهظة التكلفة، ولكن بلا آثار مؤكدة.

عادةً ما تُخفي تلك العناوين الرئيسة وراءها قصة مختلفة، فالعلماء الذين يقومون بإجراء الأبحاث المنهجية المطلوبة للوصول بالعلاج بالخلايا إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية بدأوا أخيرًا يَشُقُّون طريقهم نحو النجاح. فهناك تجارب تُجرَى حاليًا لعلاج اضطراب في العين، يُدعَى تنكُّس الحُفيرة باستخدام خلايا الشبكية، كذلك استؤنفت من جديد تجربة لاستخدام الخلايا الدّبقِيّة غير الناضجة لعلاج إصابات النخاع الشوكي، بعد أن انسحبت الشركة التي كانت تدير التجربة في عام 2011 (انظر: Nature 510, 18; 2014).

لقد استغرق الأمر سنوات عديدة للوصول إلى خط البداية، ولكن الطرق المختصرة ببساطة ليست ممكنة، رغم دعاوى الدجل والشعوذة. فالأمر يستغرق وقتًا لمعرفة كيف يمكن ترويض الخلايا الجذعية، سواء المأخوذة من الأجنة البشرية، أم من الخلايا البالغة المُعادَة برمجتها، المعروفة باسم الخلايا الجذعية متعددة القدرات المُحفَّزة، لكي تنمو وتتطور إلى النوع السليم من الخلايا البديلة. كذلك يستغرق الأمر وقتًا لإيجاد وسيلة يمكن من خلالها أن نجعل تلك الخلايا تندمج في النسيج المُضيف، وتبدأ في أداء وظيفتها. ولا ينبغي التسرع أو الاندفاع في القيام بالخطوات اللازمة لتحديد عدد الخلايا البديلة المطلوب توصيلها، وكيف يمكن توصيل تلك الخلايا بطريقة آمنة وسليمة.

تمثل العين، وكذا النخاع الشوكي نظامين منعزلين نسبيًّا. ولا شك أن هناك كثيرًا من المعلومات يمكن معرفتها عن طريقهما، ولكنّ المخ والقلب كليهما نظامان أكثر تعقيدًا بدرجة كبيرة، فإصلاح أي تلف يصيب هذين النظامين أمرٌ بالغ الأهمية، لأنهما معًا يمثلان أكبر عبء مرضي في الدول المتقدمة.

«لا بد أن تحرص التقارير الإخبارية على عدم المبالغة في إمكانية العلاج باستخدام الخلايا».

ومن الأمور التي تبعث على السعادة أن التجارب الإكلينيكية تبدو في الأفق، فما هي إلا بضع سنوات، وتبدأ الاختبارات الإكلينيكية للعلاجات الخاصة بمرض باركنسون، وربما لا تتأخر عنها كثيرًا بعض أنواع العلاج التي تخص مرض هنتنجتون.

وللعلم.. فإن حَقْن أي إنسان بعلاج جذري يتطلب الحيطة والحذر. ويتلخص النهج المثالي في ضرورة أن يكون الباحثون قادرين على استخدام البيانات التي يحصلون عليها من مريض معين في تجربة بعينها؛ لتحسين النهج الذي يمكنهم استخدامه مع مريض آخر في تجربة أخرى. لذا.. فإن قرار الفريق الدولي لمرض باركنسون، أو ما يطلق عليه G-force، بالجمع ما بين فرق بحثية من أوروبا والولايات المتحدة واليابان؛ من أجل وضع معايير لإعداد الخلايا، وانتقاء المرضى، ورصد التجارب المستقبلية، قد لقي ترحيبًا بشكل خاص.

ويبدو أن الفريق الدولي لمرض باركنسون قد تَعَلَّم دروسًا عديدة، مفادها ضرورة نقل الأبحاث الخاصة بالمرض إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية بسرعة شديدة، ومن خلال فِرَق بحثية منفصلة. وقد بدأت تجارب عديدة على الخلايا المستمدة من مِخَاخ الأجنة لعلاج مرض باركنسون في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، لكنها توقفت في عام 2003، لأن النتائج كانت متضاربة ومُشوَّشة بدرجة لا يمكن تفسيرها. كما أسفرت التجارب التي أُجريت باستخدام الخلايا الجذعية البالغة لعلاج قصور القلب عن نتائج مختلفة اختلافًا صارخًا (انظر: Nature 509, 15–16; 2014). وربما يعود ذلك بشكل جزئي إلى نقص البيانات ما قبل الإكلينيكية الجيدة، لكن الأبحاث المنهجية أظهرت حاليًا أن الخلايا القلبية المُستمَدة من الخلايا الجذعية للأجنة البشرية يمكنها أن تغرس نفسها داخل القلوب التالفة للرئيسات، وتقوم بمزامنة دقّاتها معها إلى حد ما على الأقل. وقد نشأت لدى بعض القرود حالة من عدم الانتظام في دقات القلب، مما يبين أن ذلك الأسلوب لا يزال بحاجة إلى إجراء تحسينات عليه. ومع ذلك.. فقد تم إثبات مبدأ العلاج ذاته، مما يعطي قدرًا من الثقة بأن التجارب الإكلينيكية ربما تصبح ممكنة.

سوف يضمن تصميم التجارب وفقًا للمعايير المتفق عليها أن يكون بمقدور الباحثين أن يفهموا لماذا يمكن لمريض ما أن يستفيد من العلاج، في حين لا يمكن لمريض آخر تحقيق تلك الاستفادة، وهذا من شأنه تعظيم كفاءة التجارب، والتسريع من وتيرة تطوير العلاجات، وهو نموذج يستحق النسخ والتكرار على نطاق واسع.

يجب أن تحرص التقارير الإخبارية على عدم المبالغة في إمكانية العلاج باستخدام الخلايا. وبينما يتقدم المجال بأكمله رويدًا رويدًا في اتجاه الاختبارات والتجارب الإكلينيكية، فمن المهم أن ينقل الباحثون لوسائل الإعلام بوضوح ما يمكن لتلك العلاجات أن تحققه على الأرجح، وكذلك ما ليس بإمكانها تحقيقه. ومن غير المرجح أن تنجح التجارب الأولى في التوصل إلى علاج، لكن ذلك لا ينبغي أن يقلل من قيمتها، فأي نوع من التحسن في نوعية الحياة ـ مهما صغُر ـ أمرٌ بالغ الأهمية لشخص يعاني من عجز أو إعاقة خطيرة. إن الضرير الذي يصبح قادرًا على تمييز الضوء في وسط الظُّلمة، والمُصاب بالشلل الذي يستعيد بعض الإحساس في طرف من أطرافه، والمريض الذي يعاني من حالة متقدمة من مرض باركنسون، لكنه يتمكن من السير بشكل مستقل، إنْ لم يكن بشكلٍ طبيعي، من المؤكد أن كل فرد من هؤلاء سوف يرى الأمر جديرًا بالاهتمام. وكما هو الحال مع جميع أنواع العلاج الجديدة، فإن العلاج بالخلايا الجذعية سوف يتحسن من خلال مبدأ التجربة والخطأ. وهذه الاتجاهات تبشر بمزيد من التجريب، وعلى سبيل التفاؤل.. بأخطاء أقل.