تحقيق إخباري

علم الكونيات: أول ضوء

لقد استنفد الإشعاع المتبقي من الانفجار العظيم ما يمكن أن يكون سره العظيم الأخير عن الكون المبكِّر، إلا أن الفلكيين مصرُّون على استخلاص المزيد من هذه الجائزة الكونية الابتدائية.

جُوَان بيكر
  • Published online:

لم يكن علماء الكون ينتظرون هدية أفضل في الذكرى السنوية. فبعد 50 عامًا تقريبًا من يوم أول اكتشاف لِوَهَج ما بعد الانفجار العظيم ـ وهو وميض خافت من فوتونات طويلة الموجة تُعرف بخلفية الأمواج المكروية الكونية (cosmic microwave background (CMB ـ انبهر علم الفلك بما يمكن أن يكون آخر اكتشاف جوهري من ذلك الإشعاع.

في 17 مارس الماضي، أعلن الفلكيون أن كاشفَ أمواج مكروية في القطب الجنوبي قد سجَّل أول إشارات لـ«الأنماط B» من حقبة الكون الابتدائية: أنماط دقيقة دوّامِية في بيانات خلفية الأمواج المكروية الكونية تركت بصماتها أثناء التاريخ المبكر للكون. واستُقبلت النتيجة على أنها دليل مباشر على موجات الجاذبية، وهي تموُّجات في نسيج الزمان والمكان، نجمت عن «تضخم» مفاجئ للكون، حصل بعد مدة ضئيلة من الانفجار العظيم.

أشعل أكثر الأسئلة جلاء ـ هل إشارة النمط B حقيقية؟ ـ شرارة سباق بين فِرَق العمل التي تشغِّل التليسكوبات الموجودة على الأرض، وفي الفضاء، والمحمولة على المناطيد. يقول عالم الفلك التجريبي أمبر ميلَّر، من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك: « تسمى هذه اللعبة بالإثبات».

فإذا كانت النتائج إيجابية، وكثير من العاملين في هذا الحقل يعتقدون ذلك، فسينتقل الاهتمام إلى الجبهة التالية. فالعلماء يرغبون في رؤية حقبة جديدة من علم فلك النمط B الذي يمكن أن يحصِّل قياسات لتلك الأنماط أكثر شمولًا وأعلى دقة. ومن خلال بيانات من هذا النوع، يأمل الباحثون في الوصول إلى الماضي الغابر من الزمن؛ من أجل تحقيق فهْم أفضل للحظات الكون الأولى، إضافة إلى فهْم طريقة تكوُّن المجرات وتجمُّعها معًا في أعقاب الانفجار العظيم. ويمكن أن تساعد بيانات النمط B على كشف أصول العوامل المبهمة، مثل المادة المظلمة، والطاقة المظلمة التي تتحكَّم في شكل الكون ومصيره.

كبر الصورة


يقول جورج إفستاثيو، عالِم الفلك بجامعة كمبريدج في المملكة المتحدة: « لقد كانت خلفية الأمواج المكروية الكونية أفضل نافذة لنا للإطلال على الكون المبكر إلى حدٍّ بعيد، إلا أنه ليس ثمة ضمانة لحقبة جديدة غنية من النمط B. فالتمويل شحيح، والتنسيق فيما بين أعمال الرصد القائمة ضعيف، والأجهزة المتاحة محدودة. وأكثر من ذلك.. أن النظريين ما زالوا يحتاجون إلى التحديد الدقيق لما يمكن أن تنجلي عنه الرؤى الجديدة لخلفية الأمواج المكروية الكونية، حتى إن الباحثين في خلفية الأمواج المكروية الكونية ـ وهم يحتفلون باكتشاف هذا العام ـ يشعرون بالقلق على مستقبل حقلهم. والقرارات التي سوف تُتَّخذ خلال البضعة الأشهر القادمة ستُحدِّد إنْ كان الفلكيون يمكن أن يأملوا في تحقيق الوعد العلمي الذي تنطوي عليه هذه الرؤية الجديدة خلال العقد القادم، أم ما يزيد عليه.


الأيــــام الأولــى

كان اكتشاف الوميض الذي أعقب الانفجار العظيم مصادفةً سعيدة، وذلك عندما عزم آرنو بنزِياس وروبرت ويلسون، وهما فلكيان لدى مختبرات بل في هولمدِل بنيوجيرسي، على وضع خريطة للإشعاعات الراديوية الواردة من درب التبانة. وفي 20 مايو من عام 1964، لاحظا إشارة خافتة بدت قادمة من كل الاتجاهات. افترضا أنها شيء مصطنع من مصدر محلي ما، إلى أنْ قادتهما محادثة مع زميل لهما إلى استنتاج أن الإشعاع لم يكن أرضيًّا، بل كان كونيًّا.

عرف بنزياس وويلسون أن العلماء النظريين قد تنبَّأوا منذ مدة طويلة بإشارة من هذا النوع: لقد كانت دليلًا قويًّا لمصلحة نظرية الانفجار العظيم، التي تنص على أن الكون انفجر ليظهر إلى الوجود في لحظة ما من الماضي، بدلًا من أن يكون موجودًا منذ الأزل في «حالة مستقرة» غير متغيِّرة. وبرصدها، أثبت بنزِياس وويلسون أن الكون كان في الماضي أعلى حرارةً بكثير مما هو عليه اليوم. وكانت الفوتونات التي سجَّلاها قد انطلقت بعد الانفجار العظيم بنحو 380،000 سنة، عندما بردت كرة النار الكونية المتوسِّعة بقدر كاف للإلكترونات والبروتونات لتتجمَّع معا وتكوِّن ذرات هيدروجين. وبقيت الفوتونات في حالة انتشار منذئذ، آخذة في البرودة مع توسُّع الكون، وحافظة لمشهده في لحظة تحرُّرها (انظر: «50 عامًا من الاكتشافات»).

في عام 1990، أجرى قمر ناسا الصناعي «مستكشف الخلفية الكونية» Cosmic Background Explorer (COBE) أول قياس دقيق لدرجة حرارة خلفية الأمواج المكروية الكونية ـ 2.725 كلفن ـ وبيَّن أن هذه القيمة تبقى نفسها في جميع الاتجاهات، وهذا ما ينطوي على أن البلازما الكونية الابتدائية كانت متجانسة1 أيضًا.

وبعد ذلك بقليل، تبيَّن أن خلفية الأمواج المكروية الكونية لم تكن ناعمة تمامًا. ففي عام 1992، وجد علماء مستكشف الخلفية الكونية أن درجة حرارتها تتفاوت عبر السماء بنحو جزء واحد من 100،000 (المرجع 2). وتبيَّن أيضًا أن تلك التباينات الضئيلة توفِّر معلومات مهمة عن تطوُّر الكون. فالبقع الساخنة والباردة تعبِّر عن تغيُّرات في كثافة الغاز حينما تحرَّرت فوتونات خلفية الأمواج المكروية الكونية. ويعتقد معظم علماء الكون أن الجاذبية ضخَّمت فيما بعد هذه التفاوتات، جاذبةً المناطق التي هي أعلى كثافةً إلى بعضها؛ لتكوين المجرات ومجموعات المجرات.

يقول مارك كاميونكووسكي ـ عالِم الكون لدى جامعة جونز هوبكينز في بالتيمور، ميريلاند ـ إن رؤية التباينات ألهمت العلماء النظريين أيضًا. المثال البارز على ذلك كان إدراكهم أن البقع الدافئة والباردة في خلفية الأمواج المكروية الكونية تتصف بمقاسات مميِّزة تحدَّدت بأمواج هائلة من الضغط والكثافة، دوَّت أصداؤها في أرجاء الكون الوليد على غرار أصداء توافق الصوت داخل آلة (الكمان) الموسيقية. وتمكِّن هذه الترددات المهيمنة، أو القمم الصوتية ـ في خلفية الأمواج المكروية الكونية الفلكيين ـ من استخلاص كثير من خواص الكون الفيزيائية. فعلى سبيل المثال.. يبلغ مقاس أعلى قمة ـ أي تلك التي تمثِّل أقوى توافق ـ نحو 1o، أو نحو ضعف قطر القمر البدر. وهذا يساوي تمامًا ما هو مُتوقَّع، إذا كان الكون المتوسِّع مسطَّحا هندسيًّا. ولذا.. لا تتقاطع أشعة الضوء المتوازية أبدًا وهي تنتشر عبر الفضاء. ويُمكِّن موقع القمة الثانية مع شدتها النسبية ـ عند 0.4o تقريبًا ـ الفلكيين من استنتاج أن المادة العادية ـ أي النوع الموجود في الذرات والكواكب والنجوم ـ تمثِّل أقل من %5 من المادة الكونية الكلية. ويتمثَّل كل شيء آخر في مادة وطاقة مظلمتين غير مرئيّتين.


أنـمــــــاط الاســتـقـطــاب

دخل بحث خلفية الأمواج المكروية الكونية طورًا جديدًا قبل عقد من السنين، مع ظهور كواشف حساسة بقدرٍ كافٍ لقياس استقطابها، أي اتجاه الاهتزاز ضمن الفوتونات الواردة من كل نقطة من السماء. ينشأ الاستقطاب في خلفية الأمواج المكروية الكونية من تبعثر الفوتونات عن إلكترونات جوّالة حرة في البلازما الكونية، وقد كان المردود العلمي الذي يمكن الحصول عليه من قياسه هائلًا: أحد المكوِّنات ـ وهو أنماط B الدوَّامة ـ يضمن إعطاء الفلكيين أول دليل مباشر على أن الكون خضع لنوع قاسٍ من التضخُّم عندما كان عمره ما بين 36-10، و 32-10 ثانية. وقد طرح العلماء النظريون تلك الفكرة في وقت مبكر من ثمانينات القرن العشرين؛ بُغْيَةَ تفسير نعومة الكون عند المقاسات الكبرى، وتسطُّحه هندسيًّا3. فالتوسُّع السريع الذي نما الكون في أثنائه بعامل لا يقل عن 1026، يمكن أن يكون قد مهَّد معظم الشذوذ، وسطَّح أي انحناء. والشذوذ القليل المتبقي ـ المرئي على شكل تباينات في درجة حرارة خلفية الأمواج المكروية الكونية ـ هو بقايا مضخَّمة جدًّا من التفاوت الكمي الضئيل الموجود في الطاقة، لكنّ ذلك بقي نظريًّا برمته، إلى أن طوَّر الباحثون المقدرة على قياس الأنماط B. وقد تطلَّب ذلك منهم إيجاد طريقة لكشف إشارة ضئيلة، حجبتها بسهولة الإشعاعات المستقطِبة الواردة من الغبار والحقول المغناطيسية في مجرتنا. ولم يُعلَن أول اكتشاف حتى عام 2013 (المرجعان 4 و5)، وحتى حينئذ، أُجريت القياسات ضمن مجال زاويٍّ صغير، تكون عنده أنماط الاستقطاب مشوَّهة بالحقول الجاذبية للمجرات الموجودة أمام خلفية الأمواج المكروية الكونية.

جاءت الجائزة الحقيقية في شهر مارس، عندما أعلن الفلكيون ـ الذين يعملون بالكاشف BICEP2 في القطب الجنوبي ـ أنهم قاسوا أنماط B ضمن مجال يساوي نحو 1o، وهو مجال كبير بقدر كاف لإبعاد الإشارة عن المجرات الحاجبة لها، ولسبر أنماط الاستقطاب الأساسية التي من مثل تلك التي تنشأ من موجات جاذبية تضخمية6.

بعد تلك السنين العديدة من البحث عن أنماط B التضخُّمية، أثارت نتائج BICEP2 نشوة عارمة ضمن مجتمع علماء الكون. يقول عالِم الكون التجريبي شاول هناني لدى جامعة مينسوتا في مينِّيبوليس: «لقد حقنت كثيرًا من الأدرينالين في مساعينا».

وكانت هناك أُحجية جاءت أيضًا مع تلك الإثارة. فالأنماط التي اكتشفها BICEP2 كانت أقوى كثيرًا مما تنبَّأت به معظم النماذج. وهي تتجاوز حدودًا وضعها القمر الصناعي «بلانك» Planck التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والمتوقِّف حاليًا عن العمل، للدرجة التي يمكن لموجات الجاذبية أن تكون قد أسهمت بها في تفاوت درجة حرارة خلفية الأمواج المكروية الكونية. يقول إفستاثيو، وهو عضو في فريق بلانك العلمي: «لقد مثَّلت نتيجة BICEP2 صدمة لي إلى حد ما». ويقول: «أعتقد أن المحلَّفين ما زالوا هنا «للحكم على ما يعنيه ذلك، أو حتى إنْ كان حقيقيًّا.

في العام القادم، سوف تجري محاولة تأكيد الاكتشافات بنحو 6 تجارب في القارة القطبية الجنوبية وتشيلي. فأعضاء فريق BICEP2 يعملون على بناء تليسكوبين جديدين في القطب الجنوبي. وتشتمل مجموعة «كِكّ» Keck، الموجودة في العمل فعلًا، على كواشف عددها يساوي خمسة أضعاف عدد كواشف BICEP2، وهي تغطي مجالين تَرَدُّدِيَّين. أما الثانية، والمسماة BICEP3، فهي نسخة محدَّثة من الكاشف السابق ومبرمجة للبدء في تجميع البيانات في شهر ديسمبر من عام 2014. وقد تحلِّق تجهيزات تجربة أو تجربتين ـ محمولتين على منطاد وتموِّلهما الولايات المتحدة ـ أيضًا فيما بعد من هذا العام من محطة ماكموردو في القارة القطبية الجنوبية. وقد أُلغيت تحليقات السنة الماضية، بسبب إيقافها من قِبَل حكومة الولايات المتحدة.

«قد نحتاج إلى سنين طويلة، كي نعرف ما هي النماذج الواعدة، وكيف نميِّز بينها».

وعلماء الكون توَّاقون جدًّا لرؤية مجموعة بيانات بلانك الكاملة، المخطط نشرها في الخريف القادم، وهي استكشافات سوف تتضمن خرائط استقطاب. من مزايا بلانك أنه يرصد مجالًا تردديًّا أوسع من ذاك الممكن رصده في التجارب الأرضية أو المحمولة على منطاد، لأن تلك التجارب لا تستطيع قياس ترددات الإشعاع، إلا ضمن مجالات ترددية ضيقة فقط، لا يمتصها بخار الماء الموجود في الجو. وسوف تعطي مقدرة بلانك المحسَّنة على الرؤية علماء الفلك ثقة كبيرة في استبعاد الاستقطاب الأمامي الناجم عن مجرتنا. وبدلًا من أن يكون الرصد مقتصرًا على الجزء المرئي من السماء من ارتفاع معين، يتوفر لبلانك مشهد بلا عوائق.

وإذا أكَّد بلانك نتائج BICEP2؛ احتفلنا بذلك. وإذا لم يؤكِّدها؛ وجب على علماء الكون تفسير الاختلاف، وتلك مهمة صعبة. وأحد الأمثلة على ذلك هو أنه يجب أن يكون لموجات الجاذبية القوية ـ التي من مثل تلك التي سجلها BICEP2 ـ مفعول ملحوظ في القمم الصوتية، لكن بيانات بلانك المحدودة المتوفرة حاليًا لم تُظهِر دليلًا على ذلك.

يقول إفستاثيو متعجبًا: «كيف يمكنك استيعاب ذلك؟ إنّ الأفكار المطروحة حتى الآن تبدو مختلَقة». أما كاميونكووسكي، فهو متفائل، وأكثر صبرًا، إذ يقول: «قد نحتاج إلى سنين طويلة، كي نعرف ما هي النماذج الواعدة، وكيف نميِّز بينها».


الجــيـــل القــــادم مـن الـتـجــــارب

في غضون ذلك، يُركِّز معظم علماء خلفية الأمواج المكروية الكونية اهتمامهم في تطوير قدراتهم على قياس الأنماط B. فعلى سبيل المثال.. ثمة كثير من النظريات عن كيفية حصول التضخُّم، وكل منها يقدِّم تنبُّؤاته عن كيفية توزُّع الأنماط B الخاصة بموجات الجاذبية في السماء. ومقدرة الفلكيين على قياس الأنماط B عند أكبر المقاسات سوف تمكِّنهم من استبعاد النظريات واضحة الخطأ.

وعند المقاسات الأصغر، تتصف الأنماط B بالحساسية لطريقة توزُّع الكتلة في أرجاء الكون، ولكيفية نمو تجمُّعات المجرات الهائلة مع مرور الزمن. وإشارة من ذلك النوع يمكن أن تساعد الفلكيين على تطويع المجاهيل الكونية العنيدة، ومنها طبيعة الطاقة المظلمة- تلك القوة الغامضة التي تسبب تسارع توسُّع الكون- وماهية جسيمات المادة المظلمة غير المرئية التي تتألف منها معظم كتلة الكون.

وعند ضم خرائط الأنماط B إلى مسوح الهيدروجين عبر الكون، يمكن أن تسمح للمراقبين بسبر الحقبة التي أطلقت فيها أولى النجوم والمجرات إشعاعاتها المؤيِّنة. فتَبعثُر الإلكترونات من تلك الحقبة يجب أن يكون قد ترك أثرًا كبيرًا على استقطاب النمط B في خلفية الأمواج المكروية الكونية.

إن من المؤسف أن يقيِّد التمويل المحدود الخيارات إزاء ما سوف يحصل فيما بعد. فقد أُلغي منافس بريطاني لـBICEP2 في عام 2009 (انظر: Nature http://doi.org/fnsdc3; 2009) عندما كان مجلس تمويله يكافح من أجل تحقيق التزاماته تجاه هيئات دولية، مثل CERN، أي مختبر فيزياء الجسيْمات الأوروبي بالقرب من جنيف في سويسرا. وفي أثناء ذلك، ركَّزت أوروبا برمّتها برنامجها لبحوث خلفية الأمواج المكروية الكونية في بلانك كليًّا تقريبًا. وتلك سياسة يصفها إفستاثيو «بالخطيئة الكبيرة». فنظرًا إلى انعدام وجود مهام جديدة للعمل بها، وإلى قلة الأنشطة على الأرض، فإن ثمة قلقًا من أن مئات الحاصلين على شهادة الدكتوراة والطلاب سوف يضطرون إلى الانتقال إلى مجالات عمل أخرى عندما ينتهي برنامج البحث.

وفي الولايات المتحدة، يضيع العمل في خلفية الأمواج المكروية الكونية في متاهات لجان تقديم المنَح. فأنشطة الفضاء والمناطيد لدى ناسا تتنافس على المهام الكوكبية وعلى الأشعة السينية الفلكية، وتتطلَّع نُظُم الرصد المتوضِّعة على الأرض إلى تجارب فيزياء الجسيمات لدى وزارة الطاقة، وهيئة العلوم الوطنية. وتساعد التبرعات الخيرية من مُؤسَّستي «كِكّ» keck و«سايمونز» Simons وغيرهما على سد الفجوة.

وهناك حلّ اقترحه بعض الفلكيين، ينطوي على خفض عدد تجارب خلفية الأمواج المكروية الكونية الأرضية، وذلك بإلغاء متشابهة الأغراض منها. ويجادل منتقدو تجارب خلفية الأمواج المكروية الكونية الأرضية بأنها نادرًا ما تُشارك الغير في بياناتها، وهذا ما يُحبط الدعوات إلى مزيد من المشروعات فيها. يقول جين لوب بوجيه ـ الفلكي لدى جامعة جنوب باريس والباحث الرئيس في فريق بلانك ـ إن على معظم مهمات الفضاء العلمية أن تجعل بياناتها متاحة للجميع، «وعلى التجارب الأرضية أن تفعل ذلك أيضًا»، إلا أن آخرين يحتجون بأن التجارب الأرضية أرخص، وأن التنوُّع من مصلحة العمل في هذا الحقل، لكن الشيء الذي يوافق عليه الجميع هو أن الدافع العلمي لمهمة فضائية أخرى حول خلفية الأمواج المكروية الكونية غير قابل للمقاومة. والمساعي جارية على قدم وساق لتحقيق ذلك بعد عام 2020.

إنها قد تكون معركة شاقة. فلم يُصنَّف مسبارٌ واحد خلفية الأمواج المكروية الكونية على أنها عالية الأهمية في استطلاع عام 2010 الذي تُجريه «ناسا» كل عشر سنوات، وهو مراجعة مجتمعية تحدِّد الأولويات العلمية لانتقاء المهام المستقبلية، إلا أن إحدى الفقرات فيه قد أوصت بمراجعة ذلك في منتصف العقد في حالة اكتشاف أنماط B. وبعد BICEP2، طالبت مجموعة العاملين الأمريكيين في خلفية الأمواج المكروية الكونية ـ التي يقودها هناني وجامي بوك لدى مختبر الدفع النفاث في باسادينا بكاليفورنيا ـ بضرورة إعادة النظر في هذه المهمة، وتحويل التمويل إليها من مهام قائمة تعاني من التأخير.

ويقترح تجمُّعٌ للمجربين الأمريكيين متابعة التجارب الحالية في تليسكوبي القطب الجنوبي، وآتاكاما. ويمكن لهذا البرنامج المعروف بـ CMB-S4 أن يشتمل على مئات الآلاف من الكواشف، وأن يدخل حيِّز التنفيذ بعد عام 2020 إذا أُعطي أفضلية عالية في مراجعة فيزياء الجسيمات التي تُجرى حاليًا لدى وزارة الطاقة، وهيئة العلوم الوطنية. ويمكن أن يكون ثمة دور للمناطيد.. « فهي تضمن برنامجًا متماسكًا»، وفقا لقول هناني.

وفي أوروبا، لم تختَر وكالة الفضاء الأوروبية خلفًا عالي الميْزة لبلانك حتى الآن، إلا أنه يجري تحضير مهمة منقحة؛ لعرضها ضمن المجموعة القادمة من المقترحات. وإذا قُبِلت؛ فمن الممكن أن تُطلَق في منتصف عشرينات القرن الحالي، إلا أن المقترحات التي من هذا القبيل غالية وصعبة التحقيق، وفقًا لقول إفستاثيو. إن «تبسيط الأمور» هو لسان حاله. إنه يرغب في أن يرى مهمة صغيرة مخصَّصة لرصد الأنماط B عند مقاسات زاويَّة كبيرة، وبذلك يكون قد استهدف بصمة موجة الجاذبية وحدها. وفي النهاية، يمكن أن تحصل تجربة BICEP2 في الفضاء، وفقًا لقول بيتر إيد من جامعة كارديف في المملكة المتحدة، الذي صنع كواشف لتجارب أرضية ولبلانك. إن التكنولوجيا ناضجة، ولذا.. يرى أن هذه المهمة يمكن أن تكون جاهزة في غضون خمس سنوات.

ويمكن لمقترح قمر صناعي بقيادة يابانية، يُسمى LiteBIRD، أن يكون مهمة مماثلة، إذ يمكن لهذا المشروع ـ الذي اقترحه فيزيائيون من اليابان بالتعاون مع مجربين من الولايات المتحدة وألمانيا وكندا ـ أن يُقلع في بدايات عشرينات هذا القرن إذا حصل على تمويل بنحو 100 مليون دولار أمريكي. وفي غضون ذلك، يُطوِّر الباحثون نسخة تجريبية أرضية تُسمى GroundBIRD.

وبرغم كل الارتيابات المخيِّمة على المستقبل، فإن علماء خلفية الأمواج المكروية الكونية متفائلون. يقول إفستاثيو: «لقد كانت الطبيعة كريمة معنا بتقديمها هذه الرؤية الواضحة للكون المبكر لنا. وتلك هدية.. علينا استغلالها إلى أبعد حد ممكن».

  1. Mather, J. C. et al. Astrophys. J. 354, L37L40 (1990).

  2. Smoot, G. F. et al. Astrophys. J. 396, L1L5 (1992).

  3. Guth, A. H. Phys. Rev. D 23, 347356 (1981).

  4. Hanson, D. et al. Phys. Rev. Lett. 111, 141301 (2013).

  5. The POLARBEAR Collaboration Preprint at: http://arxiv.org/abs/1403.2369 (2014).

  6. BICEP2 Collaboration Preprint at: http://arxiv.org/abs/1403.3985 (2014).