تحقيق إخباري

التصوير: ضَبْط السـرطـان أثناء العمل

طرق مراقبة الخلايا السرطانية في الحيوانات الحيّة تُغيِّر نظرتنا إلى السرطان.

كوري لوك
  • Published online:

<p>تُظْهِر أفلام الخلايا السرطانية في الفئران الحية كيف تغزو تيارات خلايا الميلانوما (الخضراء) أنسجة الجلد. تُقاد الخلايا بواسطة بِنَى كالألياف العضلية (البرتقالية)، والألياف العصبية (الزرقاء)، والكولاجين (الرمادي)، والأوعية الدموية (الحمراء).</p>

تُظْهِر أفلام الخلايا السرطانية في الفئران الحية كيف تغزو تيارات خلايا الميلانوما (الخضراء) أنسجة الجلد. تُقاد الخلايا بواسطة بِنَى كالألياف العضلية (البرتقالية)، والألياف العصبية (الزرقاء)، والكولاجين (الرمادي)، والأوعية الدموية (الحمراء).

Bettina Weigelin & Peter Friedl, Radboudumc


أُصيبت ميكالا إيجبلاد بالذهول عندما أنجزت أول فيلم متحرك للخلايا السرطانية داخل الفئران الحية. وحتى ذلك الحين، كانت قد دَرست العيّنات على شرائح المجهر، حيث تقبع الخلايا دون حراك، ولكن رؤيتها داخل الحيوانات الحية أعاد الحياة إلى الخلايا. تقول إيجبلاد، الباحثة في مجال السرطان في مختبر كولد سبرنج هاربور في نيويورك: «ستُشغّل المجهر، وتنظر إلى الفأر الحيّ؛ لتبدأ هذه الخلايا نفسها فجأة بالتحرك بجنون. لقد غيّرت تفكيري حقًّا».

تتزايد محاولات باحثي السرطان لاغتنام فرصة التجسس على الخلايا السرطانية الفردية في بيئتها الأصلية. وفي دراسات المزارع النسيجية الثابتة، يتعين على الباحثين الاستدلال على ما يمكن للخلايا السرطانية والخلايا الأخرى المحيطة بالورم أن تقوم به، وكيف يمكن أن تتفاعل فيما بينها. إن تتبّع السرطان في الحيوانات الحية مع مرور الوقت ـ وهو النهج الذي يُسمَّى التصوير أثناء الحياة ـ يضع تلك التفاعلات على الشاشة، ويسمح لعلماء الأحياء بالتدقيق في عدد صغير من الخلايا الخطرة داخل الورم، التي تقود المرض، أو تقاوم العلاج.

ما زالت هذه التقنية فتيّة، وما زالت المختبرات تحاول التوصل إلى معرفة أفضل السبل لتحليل بيانات الفيديو الصادرة عنها، التي يصل حجمها إلى عدة وحدات من الجيجابايت، لكن الاستخدام المتزايد لتقنية التصوير أثناء الحياة على مدى العقد الماضي ساعد الباحثين بالفعل على تجميع الجداول الزمنية للأحداث الخلوية والجزيئية الرئيسة، كعملية تسلل الخلايا السرطانية إلى الأوعية الدموية. وقد أسفرت هذه الأدلة عن فرضيات جديدة حول نموّ السرطان، وانتشاره ومقاومته للعلاج، وهي معلومات يمكنها أن تساعد مطوري الأدوية على فهم الأسباب التي تجعل بعض خلايا السرطان لا تخضع للعلاج.

وفي سياق ثقافي مهووس بما يصوَّر بالفيديو، تمتلك تقنية التصوير جاذبية لحظية. يقول بيتر فريدل من جامعة رادبود نيميجن في هولندا: «عندما نعرض الأفلام التي بحوزتنا، يقع مشاهدوها عن مقاعدهم عندما يرون مدى الديناميكية التي يمكن للآفة الورمية أن تكون عليها. إنه تغيير في المفهوم».


غوص إلى العمق

استخدمت تقنية التصوير أثناء الحياة لأول مرة من قِبَل علماء بيولوجيا السرطان في أواخر تسعينات القرن العشرين، وهي تنطوي على تركيز مجاهر قويّة مباشرة على الأنسجة المعرّضة في فأر حيّ مخدَّر. وقد اعتمد عدد أكبر من المختبرات التصوير أثناء الحياة، لأن التقنية المتقدمة جعلت إمكانية التحديق في عمق الأنسجة أكبر – وقد وصل الآن إلى 20 خلية عمقًا - واستخلاص الإشارات الأضعف. تمكنت المجموعة المتنامية من الواسمات الجزيئية من منح الباحثين القدرة على تصوّر ما يصل إلى ثمانية أنواع مختلفة من الخلايا والبِنَى، وهي تشمل مختلف خلايا الجهاز المناعي والخلايا البطانية للأوعية الدموية. « لقد جعلت الواسمات والتكنولوجيا المجهرية من هذا تضافرًا قويًّا»، استنادًا إلى فريدريك دي سوفاج، نائب رئيس قسم الأورام الجزيئية في شركة جينينتِك للتكنولوجيا الحيوية في جنوب سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، الذي شهد التكنولوجيا تعمل.

«عندما نعرض الأفلام التي بحوزتنا، يقع مشاهدوها عن مقاعدهم عندما يرون مدى الديناميكية التي يمكن للآفة الورمية أن تكون عليها».

إن وضع هذه المكونات معًا يرسم صورة شاملة عن السرطان، باعتباره نظامًا بيئيًّا معقدًا من الخلايا التي تهاجر، وتتكاثر وتتفاعل فيما بينها. وعلى الرغم من أن باحثي السرطان قد أدركوا منذ وقت طويل أن الخلايا في الورم متغايرة وراثيًّا، فالتصوير أثناء الحياة يكشف كيف يمكن لسلوك الخلايا الفردية أن يختلف أيضًا. فعلى سبيل المثال.. يمكن للخلايا السرطانية أن تتحرك في مسارٍ واحدٍ، أو أن تتحرك جماعيًّا كمجموعة وثيقة الترابط. وهذا يتوقف على نوع الورم، وبيئته.

ومن السلوكيات الخلوية الغامضة التي شوهدت في هذه المجاهر هي تلك الخاصة بالخلايا البلعمية، وهي نوع من الخلايا المناعية التي تلتقم عادةً مسبّبات الأمراض، وتزيل الخلايا الميتة وتحفز الاستجابات المناعية. يمكن للخلايا البلعمية أن تُحرِّض الخلايا المناعية لمكافحة السرطان، ولكنها كثيرًا ما تُعزّز نمو الورم وانتشاره.

أظهرت دراسات التصوير أثناء الحياة أن الخلايا البلعمية ـ إلى جانب الخلايا السرطانية والخلايا البطانية ـ تشكّل بنية تضخّ الخلايا السرطانية في مجرى الدم - وهي خطوة رئيسة في الانتقال الورمي. وعند العمل على القوارض، وجد الباحثون ـ بقيادة جون كونديلِس في كلية ألبرت آينشتاين للطب في نيويورك ـ أنه عندما تصبح الخلايا البلعمية على اتصال مع الخلايا السرطانية للثدييات، فإن الخلايا السرطانية تصبح أكثر قدرة على الغزو، مسبِّبةً انحلال النسيج البين- خلوي الغنيّ بالبروتين والمحيط بالأوعية الدموية، ومقحمة نفسها بين الخلايا البطانية. تفصل الخلايا البلعمية بين الخلايا البطانية التي تفقد التواصل فيما بينها، فاتحةً فوهة في جدار الوعاء الدموي، مُتِيحَةً للخلايا السرطانية التسرب خارج الأنسجة إلى مجرى الدم1،2.

أظهر فريق كونديلِس أن هذه «المضخّة» توجد في سرطان الثدي البشري. كما حدّدت المجموعة أيضًا ثلاثة واسمات جزيئية، واحد لكل نوع من أنواع الخلايا الموجودة في البنية، تشير إلى وجودها في الأورام. وفي دراسة3 ضمّت 60 شخصًا يعانون من سرطان الثدي، كان الأشخاص الذين لديهم كثافة أعلى من هذه المضخات ضمن الأورام أكثر عرضةً للإصابة بالنقائل الورمية في الأعضاء الأخرى. وقد قامت الشركة حديثة الإنشاء «ميتاستات» MetaStat في مونتكلير، نيو جيرسي، بترخيص هذه التكنولوجيا التنبؤية وهي تعمل على تطوير اختبار يتوقع خطر انتقال الورم لدى المصابين بسرطان الثدي. وتأمل الشركة أن يكون الاختبار جاهزًا للتجارب الإكلينيكية مع حلول نهاية هذا العام. كما تعمل مجموعة كونديلِس أيضًا على مسبار؛ لتحديد المضخات باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، لتفادي الحاجة إلى أخذ خزعات نسيجية من المرضى.

يستخدم البعض الآخر التصوير أثناء الحياة؛ لتتبّع الأدوية المضادّة للسرطان في الجسم، واستكشاف أسباب فشل بعض العلاجات الدوائية. يعمد المتخصصون في بيولوجيا السرطان نمطيًّا إلى اختبار تأثير العلاجات الكيميائية في الجسم الحي، عن طريق قياس التغيرات في نمو الورم وحجمه في الفئران. ويعطي التصوير أثناء الحياة صورة أكثر مباشرة، كاشفًا عن الخلايا الورم التي تقتنص الأدوية، وما إذا كانت هذه الخلايا تعيش، أم تموت.

سجّلت إيجبلاد وفريقها أفلامًا عن دوكسوروبيسين، وهو دواء للسرطان متألق طبيعيًّا، أثناء تسلل ارتشاحه في الأورام الثديية في الفئران. وقد فوجئوا بدرجة التنوّع ـ حتى داخل مناطق صغيرة من الورم ـ في كمية الدواء التي دخلت إلى الخلايا، وفي عدد الخلايا التي ماتت. وقد وجدوا أن أحد العوامل المهمة هو «التسرّب» من الأوعية الدموية في الورم4. وكانت أورام المرحلة المتوسطة ـ التي تحتوي على عدد أكبر من الأوعية الدموية المسامية، مقارنةً بأورام المرحلة المبكرة، أو أورام المرحلة المتأخرة ـ كانت أكثر حساسية للدواء. لذا.. تشير إيجبلاد إلى أن المركبات التي تعزّز نفاذ الأوعية الدموية قد تتمكن بالتالي من تحسين توصيل أدوية السرطان.


نوافذ مُطلّة

لالتقاط الأفلام في الفئران الحية، حُدّد الباحثون مبدئيًّا بجلسة تصوير واحدة. من الناحية المثالية، سيرغبون في مشاهدة الأورام في الحيوان نفسه على مدى أيام أو أسابيع؛ لمتابعة التغيّرات على المدى الطويل. ويعتمد العديد على أسلوب زرع ساتر زجاجي ضمن إطار في جلد الفأر. هذه النوافذ التي يمكنها تقديم مشاهد من مناطق تتضمن الدماغ والبطن والغدد الثديية تسمح للباحثين بتصوير الموقع نفسه في الفأر نفسه عدة مرات. تستيقظ الفئران بعد جلسة التصوير، وتُتَابِع حياتها على النحو الطبيعي في أقفاصها.

باستخدام النوافذ، قام فريق يقوده جاكو فان رينن في معهد أوبرخت في أوترخت، بهولندا، بمراقبة خلايا سرطان القولون وسرطان المستقيم وهي تستعمر أكباد الفئران الحيّة على مدى أسبوعين. انتقلت الخلايا السرطانية التي وصلت حديثًا ضمن مناطق صغيرة من العضو خلال الأيام القليلة الأولى، ولكنها توقفت عن الهجرة بحلول اليوم الخامس وأصبحت مكدّسة بكثافة. وقد وجد الفريق أن علاج الفئران في المراحل المبكرة من انتشار الورم بواسطة جزيء يمنع هجرة الخلية أدى إلى انخفاض عدد أورام الكبد النقيلة التي تشكلت في وقت لاحق5.

مع تطوّر تصوير السرطان أثناء الحياة، انتقل هذا المجال إلى ما وراء الأفلام اللافتة للنظر، وبدأ بإنتاج بيانات كمية تفصيلية، مثل، سرعة واتجاه تحرّك الخلايا. إن بيانات كهذه تسمح للباحثين ببناء وصقل النماذج الرياضية لسلوك الخلية. وهذه النماذج يمكنها التنبؤ مثلًا بطريقة غزو الخلايا السرطانية للأنسجة، كما يقول فريدل.

إنّ إنشاء مثل هذه البيانات الكميّة أمر صعب، ويستغرق وقتًا طويلًا: فقد يحتاج تحليل الأفلام إلى زمن يعادل 15 ضعف الزمن اللازم لإعدادها، حسب قول إيجبلاد. ويشير آخرون إلى أن برامج التحليل الكمي للصور محدودة، ولذا.. فإن الكثير من المختبرات تعدّ برامج خاصة بها.

يستمر التصوير أثناء الحياة بإثارة تحديات تقنية. فهذه التقنية يمكنها الوصول فقط إلى الأنسجة القريبة من السطح، مما يجعل تطبيق استخدامها ممكنًا على عدد قليل من أنواع الأورام، حسب قول دي سوفاج. كما كان من الصعب أيضًا دمْج التصوير أثناء الحياة مع الأدوات الكلاسيكية للبيولوجيا الجزيئية، كالمجسّات الحيوية المتألقة التي يستخدمها الباحثون لمعرفة متى وأين يتم تشغيل مسارات إعطاء الإشارات للخلايا. تعمل مجسات عديدة منها بشكل جيد في المختبر ـ حيث يمكن التلاعب بالخلايا لتضخيم تغيّرات الإشارة ـ ولكنها ليست حساسة بما يكفي لالتقاط التغيرات الأكثر دقة في الجسم الحي، وفقًا لقول فان رينن. ويمكن لهذا النوع من المعلومات أن يوفّر أدلة عن طُرُق هروب الجزيئات التي تسمح لبعض الخلايا السرطانية بتفادي تأثيرات الأدوية المضادة للسرطان، استنادًا إلى سكوت باورز، المتخصّص في علم وراثة السرطان في كولد سبرينج هاربور، الذي يضيف قائلًا: «سيكون من الجميل أن تعرف ما الذي يحدث من الناحية الكيميائية الحيوية داخل الخلايا، وما الذي يجعلها تسلك سلوكها».

تسعى إيجبلاد حاليًا إلى دمج الأدوات البيوكيميائية والوراثية في عملها التصويري. وستبدأ عما قريب في إطلاق مشروع جديد لتتبُّع تاريخ مجموعات فرعية مختلفة من الخلايا في أورام الثدي لدى الفأر مع نموها لعدة أسابيع. وفي نهاية التجربة، سيقوم فريقها باستئصال الأورام، ووضع التسلسل الجينومي للخلايا الفردية. والهدف من هذا هو الربط بين التأثيرات الجينية والسلوكيات الخلوية ـ كالنمو السريع، أو مقاومة الأدوية ـ في مناطق مختلفة من الورم. كما يخطط الفريق أيضًا لتصوير نشاط جينات السرطان الرئيسة في الفئران مع نمو الأورام.

يمثل المشروع الجديد بالنسبة إلى إيجبلاد فرصة للعودة إلى الأسئلة التي قادتها أوّلًا إلى التصوير أثناء الحياة: ماذا عن ماهية التطور المشترك بين المكونات المختلفة للورم وبيئتها؟ يقول باورز إن العمل مع إيجبلاد ومشاهدة الأفلام التي أعدَّتها ساعداه ليرى كيف يمكن لبيئة الورم ـ وليس عناصره الجينية فقط ـ أن يؤثِّرا على السرطان. ويقول: «كيف يمكن أن تكون بدون تأثير؟! إنك تسجِّل أمورًا لم يسبق تسجيلها».


  1. Wyckoff, J. B. et al. Cancer Res. 67, 26492656 (2007).

  2. Roh-Johnson, M. et al. Oncogene http://dx.doi.org/10.1038/onc.2013.377 (2013).

  3. Robinson, B. D. et al. Clin. Cancer Res. 15, 24332441 (2009).

  4. Nakasone, E. S. et al. Cancer Cell 21, 488503 (2012).

  5. Ritsma, L. et al. Sci. Transl. Med. 4, 158ra145 (2012).