أخبار

مُقـاومـة المُضـادّات الحيويّة تجتاح العـالَم النَّـامي

في ظلِّ تجاوُز وفرة الأدوية لتنظيم استخدامها، تُقاوِم البكتيريا محاولات القضاء عليها بشراسة.

سارة ريردون
  • Published online:

من الممكن شراء المُضادات الحيوية، دون الحاجة إلى وصفة طبية في عديد من دول العالم، بينما يُؤجِّج فرط استخدام الأدوية ثورة الميكروبات المُقاوِمة.

من الممكن شراء المُضادات الحيوية، دون الحاجة إلى وصفة طبية في عديد من دول العالم، بينما يُؤجِّج فرط استخدام الأدوية ثورة الميكروبات المُقاوِمة.

Babu/Reuters/Corbis


وِفق مُعظم المقاييس، يُعدُّ تزايد توفُّر المضادات الحيويَّة المُنقذة للحياة في دول العام النّامية، أمرًا إيجابيًّا، لكن الإفراط في استخدامها في جميع أقطار العالم أتاح الفرصة لتطوُّر سُلالات فتّاكة ومُقاومة للأدوية، قد تُهدِّد الشعوب الفقيرة أكثر من الغنيّة. ومن أسباب ذلك.. غياب تنظيم استخدامها.

تأتي هذه المخاوِف وسط تحذيرات صارمة أطلقتها منظمة الصحة العالمية منذ 30 من إبريل الماضي (انظر go.nature.com/c217ry). وحسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ العالم على وشك الانتقال إلى عصر «ما بعد المضادات الحيوية»، وقد بدأ هذا العصر بالفعل في بعض البُلدان. فمثلًا في نيجيريا، ترى بعض الدّراسات أنَّ %88 من حالات العدوى بالبكتيريا العنقوديّة الذّهبيّة (Staphylococcus aureus)، لم يَعُد يُجدي علاجُها بالميثيسيلّين (methicillin)، الذي كان يومًا ما من أنجع الأدوية المُضادة لهذا النّوع من البكتيريا. وتبدو هذه المشكلة خطِرة ـ على وجه الخصوص ـ في البُلدان النّاشئة اقتصاديًّا، المعروفة ببلدان «BRIC»، وهي: البرازيل، وروسيا، والهند والصين، حسبما يرى كيث كلوجمان، عالِم الوبائيّات في مؤسسة «بيل وميليندا جيتس» من سياتل في واشنطن.

ووفق بحثٍ، على وشك أن يتمَّ نشره في الدوريّة العلمية «ذا لانسيت»، أجراه تيموثي والش، وهو مختص في الأحياء الدقيقة الطبيّة من جامعة كارديف في بريطانيا، يحمل حتى %95 من البالغين في الهند وباكستان بكتيريا مُقاوِمة للمُضادات الحيويّة التي تحتوي على بيتا-لاكتام –تشمل كاربابينيمات (carbapenems) التي هي بمثابة «الملاذ الأخير» من بين المُضادات الحيوية، بالمقارنة بـ%10 فقط من البالغين الذين يقطنون منطقة كوينز في نيويورك ويحملون مثل هذه البكتيريا. يقول والش: «بات انتشار البكتيريا المُقاوِمة أكبر بكثير مما كان بالإمكان تخيُّله».

هذه هي فقط التهديدات الميكروبيّة التي يُحيط بها الباحثون. وتُشير منظمة الصحّة العالميّة ـ في تقريرها الذي يتضمّن أوّل خريطة عالميَّة تصف مقاومة المضادات الحيويّة- بأنَّ 129 دولة فقط من أصل 194 من الدّول الأعضاء لديها، قدمت مُعطيات محليّة بشأن مُقاومة الأدوية (انظر «انتشار الجائحة»). بينما قامت 22 منها فقط بتتبُّع ورصد تسعة أزواج من البكتيريا والمضادات الحيوية المُلائمة لعلاجها، وتصف المُنظّمة هذه الأزواج التسعة بالتّهديد الأخطر للصحة العامّة. وتشمل القائمة: العنقوديّة الذّهبيّة (S. aureus)، والمُضاد الحيوي ميثيسيلّين، الإيشريشيّة القولونيّة (Escherichia Coli) والمُضادات من فئة سيفالوسبورينات (cephalosporins)، والكِلبسيلَّا الرِّئويَّة (Klebsiella pneumonia) والمُضادات من فئة كاربابينيمات.

كبر الصورة


يزداد تعقيد هذه المُشكلات بسبب النّقص في تطوير أدوية جديدة مضادة للميكروبات. ليس فقط بسبب النَّقص المحتمل في توفير المُضادات الحيويّة مُستقبلًا، وإنَّما يرى كلوجمان أنّ التجارب الإكلينيكيّة التي تقوم بها شركات المستحضرات الدوائيّة على المُضادات الحيويّة تُعدُّ مصدرًا قيّمًا للباحثين المتخصصين في الصّحة العامّة؛ لاستقاء مُعطيات تتعلق بمُقاومة الأدوية، ويقول: «اليوم، إذْ نُعاصِر حقبةً يتم فيها تطوير عدد قليل جدًّا من المُضادات الحيويّة الجديدة، لا يتوفَّر لنا مثل هذا الدّعم».

ونتيجةً لذلك.. لا يعرف العلماء ما هي العوامل التي سبَّبت استشراء مقاومة الأدوية بهذه السرعة في الدّول النّامية. فمثلًا، من غير الواضح إلى أيِّ حدٍّ أسهم في ذلك استخدام المضادات الحيويّة بغرض تسريع نموّ الحيوانات، أو لجوء مصنِّعي المستحضرات الطبيّة إلى التّخلص من المضادات الحيوية عبر مياه الصرف الصحي في بلد مثل الهند.

قد يعود أحد أهمّ الأسباب المُحتملة لسرعة استشراء مُقاومة الأدوية إلى ضعف مُراعاة التطهير، إذ ليس هناك تصريفٌ جيّد لمياه الصّرف الصحي في المستشفيات في بعض المناطق، ما يتيح للبكتيريا المُقاوِمة للمُضادات الحيويّة ـ التي تزدهر وتترعرع في هذه المياه ـ التّسرُّب إلى التّرع أو القنوات المائية. وعند شرب الناس لهذه المياه المُلوّثة، أو لعدم حرصهم على النّظافة؛ تنتشر البكتيريا المُقاوِمة. ويضيف كلوجمان: « إذا كان لدينا استخدام واسع للمضادات الميكروبية، لكن دون توفُّر بِنْيَة تحتيّة لضبط انتشار العدوى؛ فإننا بذلك نعرّض أنفسنا لتسونامي من البكتيريا المُقاوِمة».

من المشكلات الأخرى.. الإفراط في صرف الوصفات الطبيّة للمُضادات الحيويّة، أو استخدامها بشكل غير مُنظّم. ففي الصين مثلًا، تحصل المُستشفيات والعيادات على حوافز مالية لقاء صرف وصفات المُضادات الحيوية، الأمر الذي آل إلى فرط استخدام هذه الأدوية هناك. كما أنّ هناك من البلدان مَنْ يسمح للصيدليات ببيع المُضادات الحيوية، دون الإلزام بوصفة طبية؛ فيشتريها العامّة حتى بهدف التّداوي من الأمراض التي لا تنفع المُضادات الحيويّة في علاجها، كالملاريا مثلًا. ويقول رامانان لاكسمينارايان، مدير مركز ديناميكيّة اقتصاد وسياسة الأمراض (CDDEP) من واشنطن: « إنَّ هذه المسألة تُدمّر هذا المورد (المُضادات الحيويّة) بشكل جوهريّ». ومع هذا.. فإنَّ الإصرار على منع صرف المُضادات الحيويّة إلّا بموافقة الطبيب في الشعوب التي يتفشى فيها الفقر ـ وحيث تُعتبر زيارة الطبيب رفاهيّة ـ يعني منْع الكثير من النّاس من الحصول على الأدوية التي يحتاجونها.

وقد تُشكِّل هذه مشكلةً في البُلدان المُتطوّرة، إذا قام الأطباء بصرف وصفات طبية لهذه الأدوية على نحو غير ملائم، راضخين لضغوط المرضى. ويرى لاكسمينارايان أنَّ تدريب الصيادلة وتثقيف العامّة حول الاستخدام الصحيح للمضادات الحيويّة، قد يُسهم كثيرًا في المضيِّ قُدُمًا نحو كبح مقاومة الأدوية حول العالم.

سيتطلّب حل هذه المشكلات رصدًا أفضل لمُقاومة الأدوية، كما يقول ستيوارت ليفي، الباحث والطبيب في جامعة توفتس من بوسطن، ماساتشوستس، الذي يرأس تحالفًا غيرَ ربحيٍّ لترشيد استخدام المضادات الحيويّة. ويقول: «ليس بالإمكان جمع عيّنة وتحليلها؛ للحصول على نتائج تُبيّن نسبة مقاومة الأدوية، ثمّ بعد ذلك الاعتقاد بأنَّها تمثِّل النّسبة المقاوِمة في أرجاء البلاد». ويقترح التقرير الجديد ـ الذي أصدرته منظمة الصحّة العالميّة ـ بناء شبكة رصد عالميّة جديدة، رغم أنَّه من غير الواضح مَنْ سيُموِّل تكاليف إنشائها. وباعتقاد ليفي، بإمكان المُستشفيات والمنظمات غير الحكوميّة والمجتمعات المحليّة، جميعًا، المساعَدة في تعقّب استخدام المُضادات الحيويّة واختبار مقاومة الأدوية عبر إجراء فحوصِ تحرٍّ متوفِّرة وغير مُكْلِفة.

هناك مسألةٌ واحدة جليّة.. فعلى الرّغم من الحاجة المُلحّة إلى إيجاد أنواع جديدة من المُضادات الحيويّة، إلّا أنَّ حلّ هذه المُعضلة ليس بالمُمكن عبر تطوير مثل هذه الأدوية فقط. فقد تتوفّر هذه الأدوية بأثمان باهظة تَحُوْل دون مقدرة الناس في الحصول عليها في الدُّول النَّامية. ويرى سومانث جاندرا، المُختص في علم الأوبئة لدى مركز ديناميكيّة اقتصاد وسياسة الأمراض، أنَّه من المُحتَّم أن تخسر الأدوية الجديدة قدرتها على العلاج أيضًا في نهاية المطاف. ويقول: «سنجد أنفسنا في الدائرة نفسها مُجدّدًا، إلّا إذا استطعنا إيجاد أدوية جديدة مع اتِّباع نهج مختلف في استخدامها عمّا هو عليه الحال اليوم».