عمود

دليل إرشادي للمبتكرين

يقول بيتر فيسك إن الباحثين الذين لديهم أفكار تستحق تحويلها إلى منتجات.. بإمكانهم أن يتبعوا مسارات قيِّمة ـ لكنها غالبًا لا تحظى بالتقدير اللازم ـ باتجاه تحويلها إلى سلعة تجارية.

بيتر فيسك
  • Published online:

Claire Welsh, Adapted from: Pornphol Mantham/Shutterstock

غالبًا ما يُجْرِي العلماء أبحاثًا علمية لتطوير الابتكارات التي يأملون في إسهامها في تحسين سبل الحياة. ويُعَدّ هذا عامل جذب أساسيًّا للكثيرين للعمل في المهن العلمية.

لا يزال العديد منهم غير مدرك لكيفية التعرف على الإمكانات التجارية لاكتشافاتهم، وكيف يمكن ترجمتها إلى منتجات، أو خدمات. وقد يبدو للمبتدئين، أو غير ذوي الخبرة، أن النجاح في تحويل الابتكارات إلى سلع تجارية يحدث على سبيل الصدفة، لكن الأمر ليس كذلك. وبالرغم من أن مكاتب التحويل التقني الموجودة في الجامعات غالبًا ما تلعب دورًا حيويًّا في المساعدة على ترخيص الاختراعات، إلا أن العلماء لا يدركون أهمية دورهم في إرساء الجدوى التجارية لتقنياتهم الجديدة في وقت مبكر.

تاريخيًّا، كان العلماء يفصحون عن اختراعاتهم ـ وكذلك إمكاناتها التجارية ـ للعالم أجمع من خلال منشورات علمية في أغلب الأحوال، لكن المطبوعات الأكاديمية ـ التي غالبًا ما تكون مدفوعة الأجر ومكلفة ـ تستهدف أكاديميين آخرين، ونادرًا ما تتم مراجعتها من القطاع الصناعي، وحتى أكثر التطورات التقنية أهمية يمكن أن تظل مغمورة، نتيجةً للتوضيحات المفصلة المزعجة التي تُعَدّ السمة الرئيسة لمقالات الأبحاث العلمية.

على الباحثين الذين يعتقدون أن اكتشافاتهم لها إمكانات تجارية أن يسعوا إلى توصيل تلك المعلومات من خلال القنوات التي تستخدمها الشركات الصناعية دائمًا. ومن المنطقي ـ على سبيل المثال ـ عند نشر مقالة علمية أكاديمية في إحدى الدوريات المحكَّمة علميًّا، أنْ يتم إخطار محرِّري الدوريّة بالتأثير التجاري المحتمَل لعملهم. فقد يكون لدى الدورية طريقة ما لتوضيح هذا الجانب من العمل، سواء من خلال مقالة افتتاحية، أم تحليل، أم أيّ وسيلة أخرى. وهناك دوريات علمية عديدة تقوم بنشر ملخصات لمقالاتهم لجمهور أكبر. وتختلف سياسات الدوريات ونهجها حيال ذلك، لكن العلماء الذين لديهم طموحات لريادة الأعمال عليهم ألّا يفترضوا أن الملامح التجارية لأبحاثهم العلمية سوف تتم ملاحظتها، إلا إذا تم توضيحها على وجه التحديد للمحررين.

Adapted from: Pornphol Mantham/Shutterstock

هناك طرق أخرى للترويج للإمكانات التجارية لاكتشافات الباحثين، فبعض المجلات التجارية الخاصة بإحدى الشركات الصناعية ترحب بنشر مقالات قصيرة مبسطة، تصف الابتكارات وإمكاناتها التصنيعية. كما أن للعديد من المؤسسات البحثية والجامعات قسمًا للعلاقات العامة يتخصص في نشر أخبار عن الاكتشافات العلمية، خاصةً تلك التي يمكن أن تتحول إلى منتَج اقتصادي. وبإمكان العالِم الذي لديه اختراع مثير للاهتمام أن يتواصل مع المجتمعات الصناعية المتخصصة التي تتجمع حول المدونات العلمية وغيرها من وسائل الإعلام الاجتماعي. على سبيل المثال.. يوجد على موقع «لِينْكِد إن» LinkedIn مجموعات لـ«أبحاث الأورام»، و»الوقود الحيوي المتطور»، وغيرها.

كما يمكن للباحثين أنفسهم أن ينطلقوا في العمل كروّاد أعمال. فإنشاء شركات هادفة إلى الربح قائمة على تقنيات يتم تطويرها في مؤسسات أكاديمية هي خطوة تتزايد أهميتها من أجل عمل تجاري ناجح. وبالرغم من أن عملية الترخيص تنتعش أكثر في المؤسسات الرائدة، إلا أن العديد من العاملين في مجال التحول التقني يعترفون بأن الحصول على الترخيص وحده ليس كافيًا للعبور بأي تقنية جديدة عبر «وادي الموت» ـ وهو تلك المرحلة التطويرية الصعبة التي يصبح فيها البحث العلمي أكثر تطبيقًا؛ وتتزايد التكاليف ـ وإلى أن يتم تَبَنِّيها تجاريًّا. إضافة إلى ذلك.. فإن إعطاء ترخيص التصنيع لطرف خارجي يؤدي إلى فصل المخترعين عن الاختراع، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء عملية تطوير التقنية. وعمومًا، فإن الباحثين أصحاب الإنجاز العلمي غالبًا ما يكون لديهم أفضل رؤية لكيفية تطوير الاختراع، وحل العوائق المتبقية أمام إمكانية تحويله إلى منتَج تجاري.

«هناك مؤسسات تقوم بتمويل منصب «رائد أعمال مُقِيم» ليقوم المُعَيَّن فيه خصوصًا بتسهيل إنشاء مشروعات تجارية قائمة على البحث العلمي».

يبدو أن الشركات الناشئة الأكاديمية تتبع مسارات متعددة (انظر: go.nature.com/rqv7mc). وبعض الباحثين يسوِّقون ابتكاراتهم للشركات الصناعية ومجتمع الاستثمار أولًا وبشكل أساسي من خلال مكاتب التحويل التقني. ولدى العديد من مكاتب التحويل التقني في الجامعات شبكة من جهات الاتصال في المجال الصناعي، ابتداءً من «إكسون»، حتى «جينينتك»، ثم يأتي أحد المستثمرين مبديًا اهتمامًا بتقديم التمويل للشركة.

بعض رواد الأعمال الأكاديميين استطاعوا أن يفوزوا ـ في جوهر الأمر ـ بأفضل ما في العالَمَين الأكاديمي والصناعي، من خلال إيجاد راعٍ صناعي لمُنْتَجْهم، بينما تظل التقنية (والفريق البحثي) في أيدي المؤسسة الأكاديمية. بعبارة أخرى.. فإنهم غير مضطرِّين إلى تسليم اكتشافاتهم إلى قطاع الأعمال. وفي بعض الحالات يقوم الشركاء الصناعيون تحديدًا بتمويل مشروعات أكاديمية، بهدف تطوير مجموعة أساسية من التقنيات (والتقنيين)؛ حتى تقوم بتصنيعها في وقت لاحق. وفي حالات عديدة يكون طلاب الدراسات العليا وباحثو ما بعد الدكتوراة الذين يعملون في ذلك المشروع هم أوّل مَنْ تُعرَض عليهم وظائف للعمل مع الشركاء الصناعيين. وعلى الباحثين أن يخطوا خطوات حذرة عند قبول مثل هذه الأموال، وأن يعرفوا ويفهموا كافة ظروف قبولها (انظر: Nature 453, 1138–1139; 2008).

في بعض الأحيان يمكن أن تتحول المشروعات البحثية إلى مشروعات تجارية بمساعدة خارجية صغيرة. فخلال مسار عملهم، قد ينتج الباحثون أو أعضاء فريقهم نموذجًا أوّليًّا من نوع ما، مثل مادة كيميائية حديثة، أو أحد الكواشف البيولوجية، ثم يسمع الباحثون الاستقصائيون في المجال الأكاديمي أو الصناعي عن هذا الكاشف؛ ويبدأون في طلبه، ويحددون له سعرًا. ويحصل «الزبون» على نتائج جيدة، ويبدأ في طلب هذا الكاشف بكميات متزايدة، وربما يصبح على استعداد لدفع المزيد من المال؛ وبذلك ينتعش العمل ويستمر.

هناك بعض الأنشطة الأساسية لروّاد الأعمال داخل المؤسسة العلمية. وغالبًا ما تتوفر لدى الجامعات التي بها كليات في مجال إدارة الأعمال كوادر من الطلاب الذين يبحثون في مختبرات مؤسساتهم عن اختراعات تقنية ذات إمكانات تجارية. إن «روّاد الأعمال» هؤلاء لديهم ميزة، لأنهم هم أول مَنْ يعرف بتفاصيل الاختراعات أو الاكتشافات. وهناك مؤسسات (مثل مختبرات لورانس بيركلي الوطنية في كاليفورنيا، ومعهد ماساتشوستس للتقنية في كمبريدج) تقوم بتمويل منصب «رائد أعمال مُقِيم»؛ ليقوم المُعَيَّن فيه خصوصًا بتسهيل إنشاء مشروعات تجارية قائمة على البحث العلمي. إن معرفة رواد الأعمال داخل مؤسستك تتيح لك رؤى قيِّمة، ليس فقط في عملية تحويل التقنية إلى منتج تجاري، ولكن أيضًا في توجيه الأبحاث في مراحلها الأولى في اتجاه تجاري.

إنّ المؤسسات الأكاديمية والبحثية سوف تستمر في تطوير وتحسين الطرق المؤدية إلى تحويل الابتكارات التقنية إلى منتجات تجارية، لكنّ أساس أي جهد ناجح هم الباحثون أنفسهم. ومن خلال فهْم المسارات التي يمكنها أن توصّل اكتشافاتهم إلى مشروعات تجارية تقنية ناجحة، يمكن لشباب العلماء زيادة الفرص أمام أبحاثهم؛ لتكون لها قيمة، وتأثير تجاري. إن تحقيق تقدُّم كبير في التطبيقات التجارية لا يمكن بالضرورة توقّعه، ولكن كما قال عالِم الكيمياء لويس باستير: «الثروة تدعم وتسانِد العقلَ المستعد».