أخبار

الاتصـالات الكميّـة تقفز خـارج المختبـر

تبدأ الصين في عمل تجربة واقعية لشبكة اتصالات فائقة الأمان، تُرسِل بنجاح مفاتيح وبيانات كمية.

جان تشيو
  • Published online:

مهندس أندرو شارب يعمل على نظام توشيبا للتوزيع الكمي المُشفّر في كمبريدج، المملكة المتحدة.

مهندس أندرو شارب يعمل على نظام توشيبا للتوزيع الكمي المُشفّر في كمبريدج، المملكة المتحدة.

Toshiba Research Europe Ltd


إن الأمن السيبري Cybersecurity هو خطوة تقربنا من تحقيق حلم إرسال البيانات بشكل آمن عبر مسافات طويلة باستخدام فيزياء الكم، ومؤخرًا حُفزت باثنين من التطورات الأخيرة.

في الأسبوع الأخير من إبريل الماضي، بدأت الصين في تركيب أطول شبكة اتصالات كمية في العالم، تتضمن ارتباط 2000 كيلومتر بين بكين وشنجهاي. وقد أعلنت دراسة مشتركة من قبل شركات توشيبا، وبريتيش تيليكوم BT وأدفا ADVA، مع مختبر الفيزياء الوطني البريطاني في تيدينجتون، عن تقارير «مُشجِّعة» تناولت نتائج تجربة ميدانية لشبكة اتصالات كمية، وهو ما يشير إلى أن الاتصالات الكمية يمكن أن تكون مُجدية باستخدام البنية التحتية الموجودة من الألياف الضوئية.

تعتمد أنظمة تشفير البيانات التقليدية على تبادل ‹مفتاح› سري - في ثنائي يتكون من رقمي صفر وواحد لتشفير وفك تشفير المعلومات، لكن يمكن تقويض أمن قناة الاتصال هذه، إذا ما استطاع هاكر «التنصت» على هذا المفتاح أثناء الإرسال. تستخدم الاتصالات الكمية تقنية تُسمى التوزيع الكمي المُشفّر Quantum key distribution) QKD)، وهو بروتوكول يستغل الخصائص دون الذرية للفوتونات لكي «تزيل الحلقة الأضعف في النظام الحالي»، كما يقول جريوا ريبوردي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة التشفير الكمية آي دي كوانتيك ID Quantique ، في جنيف، سويسرا.

هذا الأسلوب يسمح للمُستخدم بإرسال نبضة من الفوتونات التي يتم وضعها في حالات كمية محددة، والتي تميز مفتاح التشفير. إذا حاول أي شخص اعتراض المفتاح، فإن فعل التنصت يُغير الحالة الكمية جوهريًّا؛ ومن ثم يُنبه المستخدمين إلى أن هناك محاولة خرق أمني. والمبادرة الصينية ذات المائة مليون دولار، والنظام الذي تم اختباره في الدراسة الأخيرة يستخدمان تقنية التوزيع الكمي المُشفّر.

الشبكة الصينية للاتصالات «لن تقدم فقط أعلى مستوى من الحماية للبيانات المالية والحكومة، لكنها توفر أيضا بيئة اختبارية لنظريات الكم والتكنولوجيات الجديدة»، كما يقول جيان-واي بان، وهو فيزيائي كَمِّي في جامعة الصين للعلوم والتكنولوجيا في هيفاي، ويقود المشروع الصيني.

ويأمل بان في اختبار تلك الأفكار باستخدام الشبكة، جَنبًا إلى جنبٍ مع قمر صناعي كمي، يخطط فريقه لإطلاقه العام المقبل (انظر: Nature 492, 22–25; 2012). كما يقول، يمكن لتلك التكنولوجيات معًا إجراء اختبارات أخرى لنظريات الكم الأساسية على المقاييس الكبيرة (حوالي 2000 كم)، مثل اللامكانية الكمية، وهي كما يفسرها بان، تَغير الحالة الكمية لجسيم ما، قد تؤثر على حالة جسيم آخر، حتى لو كانا متباعدين.

إن إرسال فوتونات أحادية (ذات تردد واحد) لمسافات طويلة هو أحد أكبر المشكلات في تقنية التوزيع الكمي المُشفّر لأن الألياف الضوئية تميل إلى امتصاصها، مما يجعل مفاتيحها صعبة الكشف عند المُسَتقبِل.

هذا «تحد كبير للكواشف التقليدية»، كما يقول هوي كوونج لو، وهو فيزيائي كمي في جامعة تورونتو في كندا، لكن الإنجازات التكنولوجية في السنوات الأخيرة أدت إلى خفض كبير في مستوى الضجيج في أجهزة الكواشف، مع زيادة كفاءتها في الكشف عن الفوتونات من %15 فقط إلى %50.

كما تم إجراء تحسينات واسعة في المعدل الذي يمكن للكواشف أن ‘تعدّه‘ من نبضات الفوتون – ويعتبر ذلك شيئًا أَسَاسِيًّا في تحديد المعدل الذي يمكن أن تُرسَل به مفاتيح كمية، ومن ثم تحديد سرعة الشبكة. وكما يقول لو، فقد تم زيادة معدلات العد إلى 1000 ضعف، أي إلى حوالي 2 جيجاهيرتز.

تدفع الإنجازات التكنولوجية حدود المسافة التي يمكن خلالها إرسال إشارات كمية. أَرسلت تجارب باستخدام ‘ألياف مُعتمة‘ - ألياف ضوئية أفصحت عنها شركات الاتصالات، ولكنها لم تُستخدم بعد - إشارات كمية تصل إلى 100 كيلومتر، كما يقول دون هايفورد، وهو باحث في باتيل، وهي شركة تنمية تكنولوجية مقرها في كولومبوس، أوهايو.

للذهاب أبعد من ذلك، فإن الإشارات الكمية يجب أن تُنقل عند ‹نقاط العقدة› – ستتطلب شبكات الكَم بين بكين وشنجهاي، على سبيل المثال، 32 عقدة. ولنقل الفوتونات عبر مسافات أطول دون استخدام العقد يتطلب ذلك استخدام القمر الصناعي.

ليست الصين وحدها في مساعيها لاستخدام الاتصالات الكمية. فهناك فريق بقيادة هايفورد، جَنبًا إلى جنبٍ مع شركة آي دي كوانتيك، بدأ بتركيب وصلة بطول 650 كيلومترًا بين المقرات الرئيسة في باتيل ومكاتبها في واشنطن العاصمة. والمشاركة تمتد أيضًا للتخطيط لشبكة تربط المدن الرئيسة في الولايات المتحدة، والتي يمكن أن تتجاوز 10,000 كيلومتر، كما يقول هايفورد، على الرغم من أنه لم يتم تأمين التمويل اللازم لذلك بعد.

سوف تستخدم الشبكات الصينية والأمريكية على حد سواء ألياف ضوئية مُعتمة لإرسال مفاتيح كمية، لكن هذه الألياف «ليست دائمًا متوفرة، ويمكن أن تكون مكلّفة للغاية»، هكذا يقول أندرو شيلدز، وهو فيزيائي كَمي يعمل في أبحاث توشيبا أوروبا في كمبريدج، المملكة المتحدة. طريقة واحدة لتجنب هذه المشكلة هي تحميل تيارات الفوتون على ألياف ضوئية «مضاءة» كالتي تنقل بيانات الاتصالات التقليدية. ومع ذلك، فإن تدفق البيانات التقليدية عادة ما يكون حوالي مليون مرة أقوى من التيارات الكمية، مما سيؤدي إلى عدم ظهورها.

«تدفع الإنجازات التكنولوجية حدود المسافة التي يمكن خلالها إرسال إشارات كمية»

في النتائج التي أعُلنت في الأسبوع الأخير من شهر إبريل الماضي، نجح شيلدز وزملاؤه في تحقيق انتقال مستقر وآمن للعديد من التوزيعات الكمية المُشَفَّرة على طول ألياف ضوئية مضاءة عاملة بين محطتين من شركة الاتصالات البريطانية بي تي، على بعد 26 كيلومترًا عن بعضها البعض، حيث تم إرسال المفاتيح الكمية على مدى عدة أسابيع بمعدل مرتفع إلى جانب أربع قنوات للبيانات التقليدية القوية على نفس الألياف الضوئية.

ومن ثم، فالبحث يُستَكمَل مُستعينًا بالأعمال السابقة التي قام بها شيلدز وفريقه في تطوير تقنية الكشف عن الإشارات الكمية المُرسَلة إلى جانب بيانات تقليدية ضجيجية في ألياف ضوئية بطول 90 كيلومترًا، لكن في ظروف معملية مُتحكم بها (K. A. Patel et al. Phys. Rev. X 2, 041010; 2012).

يستطرد شيلدز قائلًا: «إن تنفيذ تقنية التوزيع الكمي المشفر في ‹العالم الواقعي› هو تحدٍّ أكبر بكثيرٍ مما عليه في بيئة نستطيع التحكم بها في المعمل، وذلك بسبب التقلبات البيئية والفقدان الكبير في الألياف الضوئية».

إنّ المفاتيح الكمية في الدراسة الأخيرة تم إرسالها جَنبًا إلى جنبٍ مع بيانات تقليدية تتحرك بسرعة 40 جيجابايت في الثانية. ويضيف شيلدز: «على حد علمي، هذا هو أعلى معدل نقل بيانات يتضمن التوزيع الكمي المشفر حتى الآن».

وبناءً على حساباته فإنه من الممكن إرسال إشارات التوزيع الكمي المشفر خلال 40 قناة بيانات تقليدية. عادة ما تحمل الألياف الضوئية ما بين 40 و160 قناة اتصال، وهذا يعني أن الاتصالات الكمية يمكن تنفيذها خلال البنية التحتية القائمة من الألياف الضوئية.

يقول لو: «أجد ذلك قطعة رائعة من العمل الذي يدل على مزج الإشارات الكلاسيكية القوية مع الإشارات الكمية في الألياف الضوئية نفسها لأول مرة» في تجربة ميدانية. إن إزالة الحاجة للألياف المعتمة، كما يقول، هو خطوة مهمة في إظهار أن التوزيع الكمي المشفر لديه القدرة على أن يُستَخدم في «الحياة الواقعية».