أخبار

الحمض النووي الريبي للحيوانات المنوية يحمل علامات الصدمة

يغيّر الإجهاد تعبير الجزئيات الصغيرة من الحمض النووي الريبي في الفئران الذكور؛ ويؤدي إلى سلوكيات اكتئابية في الأجيال اللاحقة.

فيرجينيا هيوز
  • Published online:

إن للصدمة طبيعة غادرة، فهي لا تزيد فقط من مخاطر تعرض الشخص للاضطرابات النفسية، بل يمكن أن تمتد آثارها أيضًا إلى الجيل التالي. فمثلًا، الأفراد الذين تعرّضوا للصدمة أثناء إبادة الخمير الحمر الجماعية في كمبوديا يميلون إلى إنجاب أطفال يعانون من الاكتئاب والقلق، وأطفال قدامى المحاربين الأستراليين الذين شاركوا في حرب فيتنام لديهم معدّلات أعلى للإقدام على الانتحار، مقارنةً بمجموع السكان.

ينتُج تأثير الصدمة جزئيًّا من العوامل الاجتماعية، مثلًا بتأثيرها على كيفية تفاعل الآباء مع أطفالهم. والإجهاد يترك أيضًا «علامات وراثية غير جينية» epigenetic marks- أي تغيرات كيميائية تؤثر على كيفية التعبير عن الحمض النووي، من دون تغيير في تسلسل متتالياته. وقد وجدت دراسة نُشرت في الأسبوع الثالث من إبريل الماضي في «نيتشر نيوروساينس» أن الإجهاد في المراحل المبكِّرة من الحياة يُغيِّر من إنتاج جزيئات الحمض النووي الريبي الصغيرة في الحيوانات المنوية للفئران، ويعرف بالحمض النووي الريبي المجهري (K. Gapp et al. Nature Neurosci. http://dx.doi.org/10.1038/nn.3695; 2014)؛ فتُظهِر الفئران سلوكيات اكتئاب ينتقل إلى ذريتها، كما تظهر فيها أيضًا مَواطن خلل في عمليات الأيض.

إن أهمية هذه الدراسة تكمن في بيان استجابة الحيوانات المنوية للظروف البيئية، كما يقول ستيفن كراويتز، عالم الوراثة في كلية الطب بجامعة واين ستيت في مدينة ديترويت بولاية متشيجان، الذي يدرس الحمض النووي الريبي المجهري في الحيوانات المنوية البشرية (وهو لم يشارك في هذه الدراسة الأخيرة): «إن للأب دورًا أكبر بكثيرٍ في العملية برمتها، فلا ينتهي دوره بمجرد تقديم جينومه»، ويضيف: «إن هذه دراسة واحدة من عددٍ متزايدٍ من الدراسات الهادفة إلى إثبات أن التغييرات الطفيفة في الحمض النووي الريبي المجهري في الحيوانات المنوية «تُمهد الطريق لمجموعة ضخمة من آثار متعددة أخرى».

«للأب دور أكبر بكثير.. من مجرد تقديم جينومه».

في دراسة جديدة، قامت إيزابيل مانسوي، عالمة الأعصاب في جامعة زيورخ، بسويسرا، وزملاؤها دوريًّا بفصل الفئران الأمهات عن صغارهن، وتعريض الأمهات إلى مواقف مُجهِدَة، إما عن طريق وضعها في ماء بارد، أو تقييد حركتها الجسدية. وقع هذا الفصل بين الأمهات والصغار كل يوم، ولكنْ في مواقيت غير منتظمة، بحيث لا تتمكن الأمهات من مواساة صغارها (وهو ما يُطلق عليه الجيل الأول F1)، بعد أن يتاح لها المزيد من ضم الصغار قبل فترة الانفصال.

وقد وجدت الدراسة أنه عندما نشأت الفئران الصغيرة بهذه الطريقة، أظهرت الذرية من الذكور سلوكيات الاكتئاب، وكانت تميل إلى التقليل من قدر المخاطر. كما أظهرت الحيوانات المنوية تعبيرًا مرتفعًا بشكل غير طبيعي عن خمسة من الأحماض النووية الريبية المجهرية. وقد تم ربط واحد من هذه الأحماض، الحمض النووي الريبي المجهري miR-375 بالإجهاد وتنظيم عمليات الأيض.

أظهرت الذُّرِّية من ذكور الجيل الأول F1 والجيل الثاني F2 سلوكيات اكتئاب مُماثلة، فضلًا عن تمثيل غذائي غير طبيعي للسكر، كما أظهر الجيلان مستويات غير طبيعية من الأحماض النووية الريبية المجهرية الخمسة في دمائها وفي منطقة الحصين hippocampus، وهي منطقة من المخ تشارك في استجابات الإجهاد، كذلك استمرت الآثار السلوكية في الظهور في الجيل الثالث F3.

تقول مانسوي إنها وفريقها يبحثون الآن في ما إذا كانت مؤشرات حيوية مماثلة للحمض النووي الريبي المجهري تظهر في الأشخاص المُعرَّضين لأحداث صادمة، أم في أطفالهم. وتضيف: «إذا كانت مستويات بعض هذه الأحماض النووية الريبية المجهرية تتغير باستمرار في الدم، فمن ثم يمكن استخدامها كعلامات للقابلية للتعرض للإجهاد، أو لحدوث اضطرابات نفسية».

لاستبعاد إمكانية انتقال آثار الإجهاد اجتماعيًّا، استخلص الباحثون الحمض النووي الريبي من الحيوانات المنوية لذكور الجيل الأول F1، ومن ثم حقنوه في بويضات جديدة مخصبة من فئران لم تتعرض للصدمات. أدى ذلك إلى نشوء فئران بقَدْر مماثل من سلوكيات الاكتئاب والأعراض الأيضية، كما ورَّثت هذه الفئران بدورها سلوكيات الاكتئاب إلى الجيل التالي.

يعترف المؤلفون بأن هناك الكثير مما يجب اكتشافه حول الأسس البيولوجية لهذه النتائج.. فمثلًا، لا أحد يعرف كيف يؤدي الإجهاد إلى حدوث تغيّرات في الحمض النووي الريبي المجهري في الحيوانات المنوية. وإحدى الطرق المحتملة هي عبر مستقبلات الهرمون القشـري السـكري glucocorticoid، وهي البروتينات المشارِكة في الاستجابة للإجهاد النفسي، التي يتم التعبير عنها في الحيوانات المنوية. فربما تشقُّ هرمونات الإجهاد الدائرة في الدم طريقها إلى الخصيتين، وترتبط بهذه المستقبلات، ومن ثم تُحفِّز بطريقةٍ ما التغيرات في التعبير عن الحمض النووي الريبي المجهري، على حد قول سارة كيمينز، المختصة في علم الوراثة غير الجينية في جامعة ماكجيل في مونتريال، كندا. وتضيف: «لم يستكشفت أحد ذلك، وأعتقد أن هذا مسار مثير حقًّا».

يشير كراويتز إلى لغز آخر أثاره بحثه، ألا وهو أن الحوادث المُجْهِدَة لم تؤثر على الحمض النووي الريبي المجهري في الحيوانات المنوية من الجيلين F2 أو F3. وهذا قد يعني أن الشذوذ في هذه الذرية نتج من آليّة جينية أخرى، مثلًا من ميثلة الحمض النووي، أو من علامات كيميائية على الهيستونات، تلك البروتينات التي يلتف الحمض النووي حولها. ويتابع قائلًا إن كل ذلك في الوقت الحالي لا يتعدى أن يكون «مجرد استعراض».