أخبار

إلنينـو يختبـر المتنبِّئِيـن

بينما تظهر إشارات على حدث مناخي كبير هذا العام، قد يهدِّد ضَعْف البيانات المتاحة محاولات تحسين التنبؤات الجوية.

جيف توليفسون
  • Published online:

ظهرت أولى الإشارات على وجود ظاهرة إلنينو قيد الحدوث في يناير الماضي، حيث عكست الرياح التجارية ـ التي تهب عادة من الشرق ـ مسارها قرب بابوا غينيا الجديدة. وبينما بدأت في التجمع على مدى المحيط الهادئ الاستوائي، قامت هذه الرياح بدفع المياه الدافئة نحو أمريكا الجنوبية. والآن أصبح علماء المناخ ومتنبِّئو الطقس على أهبة الاستعداد والترقب.

إنّ حدوث ظاهرة إلنينو كبيرة ـ ارتفاع دوري لحرارة المياه في المنطقة المدارية الشرقية للمحيط الهادئ ـ يمكن أن يزيد من درجات الحرارة ويحدث اضطرابًا في المناخ العالمي. كان أحدث تلك الحالات الكبرى ما جرى في موسم 1997-1998، وأصبح مرتبطًا بحدوث آلاف الوفيات، وخسارة العشرات من مليارات الدولارات على شكل أضرار ناجمة عن الجفاف والحرائق والفيضانات، بامتداد عدة قارات. لكن، وبعد مرور 15 عامًا على تلك الحالة، يبقى التنبؤ بوقت وشدة ظاهرة إلنينو أمرًا صعبًا، خاصّة مع تدهور نسبي في أنظمة المراقبة المائية التي تزود النماذج المناخية المتطورة بالبيانات منذ ذلك الوقت.

يظهر إلنينو عادة خلال الصيف في النصف الشمالي من الكوكب، وتحدث أكثر مراحله حدّةً في شهر ديسمبر. ويمكن لنماذج التنبؤ أن تحقق نتيجة جيدة في التنبؤ بقوته النهائية خلال شهر يوليو، عندما تصبح التغيرات في أنظمة الدوران المحيطي التي تحدد أنماط الطقس أكثر وضوحًا، لكن العلماء يعملون بسرعة على توفير تنبؤ أسرع؛ لمنح الوقت للحكومات للمزيد من الاستعدادات لنتائج الأنماط المناخية المدمِّرة المرافِقَة للظاهرة. ففي عام 1997، فاجأت ظاهرة إلنينو العلماء، التي حطمت كل السجلات السابقة، بالرغم من وجود مؤشرات مسبقة، تمثلت في تغيرات في بيانات الرياح ودرجات الحرارة السطحية للبحر (انظر: التسخين). كان المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى في مدينة ريدينج في بريطانيا متردِّدًا في إصدار تحذيرات مبكرة، لأن النموذج الذي استخدمه للتنبؤ لم يكن قد اختُبِر بعد. أما النموذج الذي سبق أن تنبأ بظاهرة إلنينو السابقة ـ والذي طوّره علماء من مركز مراقبة الأرض في باليسايدز في نيويورك، التابع لجامعة كولومبيا ـ فكان قد توقّع ظروفًا طبيعية.

يقول مايكل ماكفادن، عالِم المحيطات في الوكالة الأمريكية لإدارة المحيطات والجو في سياتل بواشنطن: «كنا في الأيام الأولى من محاولات التنبؤ، ولكننا الآن أكثر منهجيّة وتنظيمًا عن ذي قبل».

كبر الصورة


وفي هذا العام أصدرت الوكالة الأمريكية لإدارة المحيطات والجو أول تنبؤ لها في 6 مارس الماضي، وقدّرت فيه وجود فرصة بنسبة %50 لتطور ظاهرة إلنينو خلال هذا الصيف، ولكن مثل هذه التنبؤات المبكرة، وغيرها الصادرة من المؤسسات الجوية والمعاهد البحثية حول العالم، تصدر مع كثير من الشكوك وعدم التيقن، إذ يمكن للرياح الاستوائية المتقلبة في شهر إبريل أن تحطم إلنينو أثناء تكوينه، أو تزيد من قوته.

يقول الباحثون إن التطور الحقيقي في مجال التنبؤات الجوية أتى من المقارنة المنهجية لمخرجات عدة مجموعات من النماذج، مع تنفيذ كل محاكاة حوسبية ضمن نطاق من الظروف المناخية الممكنة. يقول جابرييل فيتشي، مختص النمذجة المناخية في مختبر ديناميكيات السوائل الجيوفيزيائية في برنستون في نيوجيرسي: «دمج هذه التنبؤات المختلفة ـ ربما باستخدام التعهيد الجمعي ـ يمكن أن يؤدي إلى تنبؤ أكثر مصداقية»، فعملية الوصول إلى متوسط ما بين نتائج عدة تنبؤات يمكن أن يلغي أخطاء البرامج الفردية كما يشير. وتزداد أيضًا حساسية المحاكاة، حيث تقوم نماذج المناخ العالمية بتقسيم الكوكب إلى عدة مربعات، مثل شاشة حاسوب مقسمة إلى مجموعة من البكسلات، وتقدم المتغيرات المناخية، مثل درجات الحرارة على شكل معدّلات في كل خلية. يزيد مختصو النماذج من وضوح النطاق عن طريق تقليل حجم الخلايا. فمثلًا، قام مختبر فيتشي بتقليص نطاق التنبؤات من خلايا تمثل امتداد 200 كيلومتر إلى أخرى بامتداد 50 كم، وبالتالي زيادة عدد الخلايا بحوالي 16 ضعفًا. ونظريًّا، يسمح هذا بتمثيل أكثر دقة للعمليات والتفاعلات الفيزيائية متناهية الصغر التي تحدِّد توجهات الطقس، وبالتالي المناخ. يقوم المتنبِّئون أيضًا ـ وبشكل مستمر ـ بتحسين كيفية دمج بيانات المراقبة البيئية، ويقدمون تفاعلات معقدة ما بين ظروف الجو والمحيط.

«يمكن للرياح الاستوائية المتقلِّبة أنْ تضعف عملية تكوين إلنينو، أو تزيد من شدّتها».

وخلال فصل الربيع عندما يكون التنبؤ في أشد مراحله صعوبة، مَنحت هذه التحسينات نماذج المناخ المبنية على العمليات الفيزيائية ميزةً تفضيلية على النماذج الإحصائية الأقل تعقيدًا، التي تقارن التوجهات الراهنة للجو مع تلك التي حدثت في السنوات الماضية، وتقوم ـ بالتالي ـ بتقدير احتمال أن يعيد التاريخ نفسه.

تشير كافة التنبؤات المبدئية لهذه السنة إلى ظهور حالة متوسطة أو شديدة من إلنينو في الأشهر القادمة، أو استمرار الظروف العادية، ولكن أيًّا منها لا يتوقع ظهور الحالة المعاكسة لها، وهي إلنينا، التي تتمثل في صعود تيارات من المياه الباردة من الأعماق نحو سطح البحر على امتداد ساحل المحيط الهادئ في أمريكا الجنوبية.

في الأسابيع القادمة سيقوم العلماء بمتابعة استمرار تدفُّق المياه الساخنة على امتداد المحيط الهادئ نحو أمريكا الجنوبية، حيث يتكون إلنينو، ولكن في ضربة موجعة للجهود الرامية إلى تحسين دقة التنبؤات، فإن البيانات التي يعتمدون عليها لقياس درجات حرارة المحيط ستصبح أكثر سوءًا. فقد بدأت إحدى أنظمة العوامات المائية الجامعة للبيانات ـ التي تدعمها الولايات المتحدة، واسمها «المنظومة الجوية والبحرية الاستوائية» ـ في التفكك، نتيجة لتراجع المخصصات المالية (انظر: Nature http://doi.org/q72; 2014). تعهّدت الوكالة الأمريكية لإدارة المحيطات والجو بإعادة تأهيل وتركيب النسبة الأكبر من هذا النظام بحلول نهاية العام، لكن هذا الدعم المالي سيحدث بعد أشهر من الوقت المقدَّر لحدوث ظاهرة إلنينو الكبيرة. وسيضطر العلماء لدعم البيانات المتفرقة من العوامات بأخرى صادرة من مراقبة الأقمار الصناعية لدرجات حرارة المياه على مستوى سطح البحر، التي يمكن أن تستخدم وسيلة قياس لاستخلاص عمق الأمواج المتوقّعة من المياه الدافئة.

إنّ المخاطر عالية جدًّا.. فمنذ عام 1998، بقي الجزء الشرقي من المحيط الهادئ في مرحلة من البرودة ترافقت مع عدة حالات من الظروف المشابهة لظاهرة إلنينا، ولكن كل 15-30 سنة، وضمن دورة تُعرف باسم التذبذب العقدي الهادئ، تنقلب هذه التوجهات. وقد طوَّر كيفن ترِنبِرث ـ عالِم مناخ في المركز الأمريكي لبحوث الغلاف الجوي في بولدر في بكولورادو ـ نظريةً، مفادها أن حدوث ظاهرة إلنينو كبيرة بإمكانها أن تعيد المحيط إلى حالة جديدة من السخونة، ترتبط بدورها ـ حسب الدراسات ـ بتسارع في الاحترار العالمي وحوادث إلنينو مستمرة. (انظر: Nature 505, 276–278; 2014).

كل هذا يعتمد على ما سيحدث بسبب انتقال المياه الساخنة على امتداد المحيط الهادئ في شهري إبريل الماضي، ومايو الحالي. يقول ترِنبِرث: «يبدو أن النظام بات جاهزًا للمرحلة القادمة، فإما أن ينطلق فعلًا، أو يضعف تدريجيًّا».