أنباء وآراء

علم الوراثة: التأرجحات الجينية لمتلازمة داون

مقارنة بين عدد من التوائم المتماثلة، حيث أحد التوأمين فقط مصاب بمتلازمة داون، تكشف عن انبساط في مستويات النشاط الجيني بكل الجينوم في الفرد المصاب.

  • بنيامين دي. بوب
  • ديفيد إم. جيلبرت
  • Published online:

تحدث متلازمة داون حين يملك الشخص نسخة زائدة من الصبغي 21 (مرجع 1)، وهي حالة تسمى باضطراب الصبغي 21 الثلاثي. ولأن كل صبغي يحتوي على مجموعة معينة من الجينات تعمل كمخططات لإنتاج مكونات الخلية، كان يُفتَرَض لعقود أن تلك المتلازمة تحدث بشكل أساسي بسبب الوفرة الزائدة في المكونات الناتجة عن تعبير جينات الصبغي 21 الزائد. في العدد الصادر في 17 إبريل من دورية Nature، الطبعة الإنجليزية، أشار ليتورنو وزملاؤه2 إلى حالةٍ من متلازمة داون مرتبطة بتغير في التعبير الجيني لكل صبغي على مستوى الجينوم، وليس الصبغي 21 فقط. توضح هذه الدراسة أن تعبير أي عدد من الجينات على أي صبغي قد يسهم في حدوث متلازمة داون، وإلى إمكانية أن تتسبب نسخة زائدة من أي صبغي في اضطراب التنظيم الجيني بشكل عام.

أمكن تحقيق هذا الاكتشاف عن طريق تجربة دقيقة، تمت خلالها مقارنة مجموعة من التوائم الناشئة من البويضة الملقحة ذاتها (توائم أحادية اللاقحة، أو ‘التوائم المتماثلة’)، حيث يملك أحد التوأمين فقط دون الآخر نسخة زائدة من الصبغي 21، وذلك بسبب أخطاء أثناء عملية تفرُّق الصبغيات قبل وقوع حدث التوأمة3. سمح هذا الظرف غير المعتاد بدراسة الآثار المترتبة على وجود نسخة الصبغي 21 الزائدة على حدة. ورغم أن عملية التعبير الجيني تمت دراستها بصورة مكثفة في الأفراد المصابين بمتلازمة داون، مرت الآثار واسعة المدى على مستوى الجينوم التي كشفت عنها دراسة ليتورنو، دون أن تُلاحَظ، والسبب في ذلك هو شدة التباين الوراثي الطبيعي بين الأفراد التي تخفي تلك الآثار، كما بيّنت الدراسة.

أهم ما وجده المؤلفون هو أن الاختلاف في التعبير الجيني يتبع نمطًا ثابتًا، حيث تعلو وتهبط مستويات التعبير الجيني بطول الوحدات الصبغية الكبيرة. يدعم اكتشاف تلك الوحدات ذات التعبير الزائد والناقص، والتي يدعوها ليتورنو وزملاؤه بالمواقع ذات التعبير الجيني المتقلب GEDDs) Gene Expression Dysregulation Domains)، الأدلة المتزايدة على أن الصبغيات تحتوى على وحدات وظيفية تسمح للخلايا بالوصول إلى المعلومات الوراثية في الوقت والمكان المناسبَيْن. تتحاذى أماكن مواقع GEDDs مع نطاقات ذات سمات تركيبية ووظيفية معينة، مثل تلك المرتبطة ببروتينات الصفيحة النووية (المواقع المرتبطة بالصفيحة النووية4، LADs) أو تلك التي تتضاعف في أوقات مختلفة أثناء مرحلة تصنيع الحمض النووي في دورة انقسام الخلية5. تعزز تلك النتائج من الافتراض القائل إن وظائف الصبغي إنما تعكس الخصائص التركيبية للوحدات المكونة له.

وجد باحثو الدراسة أيضًا مواقع GEDDs في الفئران التي تملك نسخة زائدة من الصبغي 16 (المعادل في الفئران للصبغي 21 البشري)، والتي لها ملامح عدة شبيهة بتلك التي لمتلازمة داون6. تمت ملاحظة وجود مواقع GEDDs على طول جينوم الفئران في مواضع تقابل مثيلاتها على الصبغيات البشرية. وبالإضافة إلى ذلك، يشير المؤلفون إلى أن المواقع محل الدراسة ظلت محفوظة بدرجة كبيرة بعد إعادة برمجة خلايا بشرية من توائم تجريبيًّا إلى صورة تطورية تشبه الخلايا الجذعية الجنينية (خلايا جذعية محفزة متعددة الفاعلية)7. ركز المؤلفون بالطبع على التشابه في مواقع GEDDs قبل وبعد عملية إعادة البرمجة. ومع ذلك.. فإن الاختلافات التي وجدوها قد تكون ذات علاقة بالتغير في توقيت التضاعف، أو التغير المرتبط بصفائح النواة، الذي يحدث أثناء إعادة البرمجة5.

من المثير للاهتمام، أن نتائج ليتورنو وزملائه تُوضِّح أن مواقع GEDDs ذات التعبير الزائد تتوافق مع مواقع الجينوم ذات التعبير المنخفض، والعكس، حيث تتقابل مواقع GEDDs ذات التعبير المنخفض مع مواقع تتسم عادة بالنسخ النشط (شكل 1). ويعني هذا أن هناك اختلافًا طفيفًا بين الجينات المحفَّزة والجينات المثبَّطة في المرضى المصابين بمتلازمة داون، مما يشير إلى أن النسخة الزائدة من الصبغي 21 تؤثر على قدرة الخلايا على التحكم في مخرجات عملية النسخ.

<p><b>الشكل 1 | التعبير الجيني الُمنبسِط.</b> يُظْهِر بحث ليتورنو وزملائه<sup><a href="#ref2">2</a></sup> أن وحدات الجينوم التي ترتبط بصورة طبيعية بمستوى منخفض أو مرتفع من النشاط الجيني تتميز بنشاط مرتفع أو منخفض- على الترتيب- في الشخص المصاب بمتلازمة داون، بالمقارنة بتوأمه المماثل الذي لا يعاني من تلك الحالة المرضية. والنتيجة هي انبساط في النشاط الجيني على الجينوم كله.</p>

الشكل 1 | التعبير الجيني الُمنبسِط. يُظْهِر بحث ليتورنو وزملائه2 أن وحدات الجينوم التي ترتبط بصورة طبيعية بمستوى منخفض أو مرتفع من النشاط الجيني تتميز بنشاط مرتفع أو منخفض- على الترتيب- في الشخص المصاب بمتلازمة داون، بالمقارنة بتوأمه المماثل الذي لا يعاني من تلك الحالة المرضية. والنتيجة هي انبساط في النشاط الجيني على الجينوم كله.


قام مؤلفو الدراسة بعدة محاولات لفهم الآلية التي تعمل بها مواقع GEDDs، لكنهم لم يجدوا تغييرًا ملحوظًا في مواقع LAD، أو في نمط مثيلة الحمض النووي- وهو تعديل تقوم به الخلية للتحكم في معدل النسخ الجيني. وجد المؤلفون أن مستويات المثيلة الثلاثية للحمض الأميني ليسين 4 على الهيستون H3 مرتبطة جيدًا بتغير مستوى النسخ الجيني في مواقع GEDDs (الهيستونات هي البروتينات التي يلتف حولها الحمض النووي بداخل نواة الخلية، مكوِّنًا مركَّبًا يُسمى الكروماتين)، وهو شيء متوقع، حيث تتبع تلك التعديلات الهيستونية التي تعقب عملية النسخ الجينات المعبَّر عنها8. ونتائج الفريق البحثي بعد دراسة إمكانية الوصول للكروماتين بمواقع GEDDs (إمكانية وصول آليات النسخ الجيني للكروماتين تتحكّم أيضًا في مستويات التعبير الجيني) كانت عصية على التفسير.

كيف يمكن إذن لزيادة صبغي واحد صغير الحجم نسبيًا- الصبغي 21 هو أصغر الصبغيات البشرية، ويمثل حوالى %2 فقط من الجينوم- أن تثبط الاختلافات في النَسخ بطول الجينوم؟ هناك آلِيّتان تبدوان معقولتَين. الأولى، وهي الأبسط، أنه من المحتمل أن تكون زيادة واحد أو أكثر من الجينات الموجودة على الصبغي 21 هي المسؤولة. فعلى سبيل المثال.. يحمل كلٌّ من الصبغي 21 البشري والصبغي 16 في الفئران الجين HMGN1، الذي يقوم البروتين الناتج عنه بالتنافس9 مع الهيستون H1 على الوصول إلى الحمض النووي الرابط بين الجسيمات النووية، وهي الوحدات المتكررة المكونة للكروماتين. ولأن الهيستون H1 يرتبط بالكروماتين الذي يصعب الوصول إليه، فإن الزيادة في الجين HMGN1 تنتج عنها بالتالي زيادة في إمكانية الوصول إلى الكروماتين على الجينوم كله. وسهولة الوصول إلى الكروماتين، الذي يصعب الوصول إليه عادةً، ستؤدي إلى التقليل من نشاط العوامل التي تعمل على تحفيز الجينات في باقي الجينوم، أو خروج العوامل التي تثبط الجينات في الأماكن النشطة، أو الاثنين معًا، مما يؤدي في النهاية إلى الانبساط في مستويات التعبير الجيني على مستوى الجينوم بأكمله. وسيكون من البديهي بعد ذلك إجراء تجربة؛ لاختبار تأثير الزيادة المُصمَّمة في الجين HMGN1 على مستويات النسخ.

الآلية الأخرى المحتمَلة والأقل وضوحًا لنا، هي أن الظاهرة التي يصفها ليتورنو وزملاؤه ناتجة عن زيادة في محتوى الحمض النووى نفسه، مثلًا، عبر كبح العوامل التي تنظم التعبير الجيني10. وتحتاج هذه الآليّة الافتراضية إلى ألّا تكون خاصة فقط بالصبغي 21، ويمكن التعمُّق في دراستها بمقارنتها مع توائم أخرى أحادية اللاقحة، تختلف في اضطرابات صبغية ثلاثية أخرى. ورغم أن تلك الاضطرابات الثلاثية الأخرى أقل شيوعًا، إلّا أنها تسبب بالفعل بعض المظاهر الإكلينيكية لمتلازمة داون، والنسخ الزائدة من الصبغيات الأكبر حجمًا تترتب عليها آثارٌ أشد11. والصبغيات الجنسية، التي تعتبر الاضطرابات الثلاثية بها حميدة إلى حد ما، هي الاستثناء لتلك القاعدة11.

استخدم ليتورنو وزملاؤه مجموعة من التجارب المحكمة، والمنفذة بدقة، والقابلة للتكرار، ليجدوا ظاهرة جديدة مثيرة للجدل. والنتائج التي توصلوا إليها تطرح أسئلة أكثر مما تقدِّم من إجابات، وتفتح الباب أمام المزيد من الأبحاث المثيرة.

  1. Department of Biological Science, Florida State University, Tallahassee Florida 32306, USA

    • بنيامين دي. بوب,
    • ديفيد إم. جيلبرت
  1. LeJeune, J., Gautier, M. & Turpin, R. C.R. Hebd. Séanc. Acad. Sci. 248, 602–603 (1959).
  2. Letourneau, A. et al. Nature 508, 345–350 (2014).
  3. Dahoun, S. et al. Am. J. Med. Genet. A 146A, 2086–2093 (2008).
  4. Guelen, L. et al. Nature 453, 948–951 (2008).
  5. Hiratani, I. et al. PLoS Biol. 6, e245 (2008).
  6. Davisson, M. T. et al. Prog. Clin. Biol. Res. 384, 117–133 (1993).
  7. Takahashi, K. & Yamanaka, S. Cell 126, 663–676 (2006).
  8. Li, B., Carey, M. & Workman, J. L. Cell 128, 707–719 (2007).
  9. Catez, F., Brown, D. T., Misteli, T. & Bustin, M. EMBO Rep. 3, 760–766 (2002).
  10. Liu, X., Wu, B., Szary J., Kofoed, E. M. & Schaufele, F. J. Biol. Chem. 282, 20868–20876 (2007).
  11. Hassold, T. & Hunt, P. Nature Rev. Genet. 2, 280–291 (2001).