س و ج

س و ج: عالـِمٌ نَفْسِيّ في مجال الموسيقى

يستكشِف عالم النفس جون سلوبودا ـ الذي يعيش في لندن ـ طبيعة علاقات الانفصال والارتباط في العقل الباطن بين الموسيقيين وجمهورهم، ويناقش تجاربه على «البؤر العاطفية الدافئة» للمستمعين، والقوة المُذْهِلة للارتجال.

جاشا هوفمان
  • Published online:

ما الدور الذي يلعبه علم النفس في الموسيقى الكلاسيكية في الوقت الراهن؟

تُوجد أزمةٌ ما في عالَم الموسيقى الكلاسيكية. فالجمهور أقل رغبة في تقديس المؤلفين الموسيقيين واعتبار العازفين الموسيقيين الناقلين المخلصين لمشاعرهم ونواياهم، كما أن حُضُور الحفلات الموسيقية أصبح في تناقص مستمر. إن ثقافة المنافسة الشديدة من أجل انتقاء الصفوة من الموسيقيين يمكن أن تجعل شباب الموسيقيين إِمّا مصابين بالهلع، أو منبوذين من الجمهور. وقد يحتاج الموسيقيون الكلاسيكيون تعلُّم كيفية التواصل بصورة أفضل مع جمهورهم.. بأنْ يتحدثوا إليهم، وينظروا في أعينهم؛ ويرتجلوا. كما يحتاجون إلى تذكير الجمهور بالطبيعة المفاجِئة الخاصة بعروض الموسيقى الحية. ما نجري عليه أبحاثنا هو كيف تتغير دوافع الجمهور وعملية اندماجهم في العرض، عندما يتم إدخال بعض تلك الملامح في الحفلات الموسيقية.

جون سلوبودا في قاعة ميلتون، مدرسة جيلدهول للموسيقى والدراما في لندن.

جون سلوبودا في قاعة ميلتون، مدرسة جيلدهول للموسيقى والدراما في لندن.

Matt Holliday


كيف كان عملك مع الموسيقيين سابقًا؟

 منذ البداية، أجريتُ أبحاثي في قاعات بروفة حقيقية، وليس في حجرات مظلمة مزودة بأزرار الضغط، وركزت على ما يحدث عندما يقرأ العازفون النوتة الموسيقية؛ ووجدت أن القارئ الجيد لا ينظر إلى كل الملاحظات، لكنه يستطيع التقاط الأنماط المُتَكَرِّرة. يسمح ذلك لهم بالقراءة مع أدنى حد من الجهد مع ارتكاب «أخطاء ذكية»، وهي التي تنحرف عن الهدف، لكنْ بطرق موسيقية مقبولة ومناسبة. وفي دراسة سابقة، أدخلتُ أخطاءً متعمدة في قطعة موسيقى. وبصعوبة وبطء؛ عزف قرّاء النوتة الضعفاء الأخطاء كما هي مدوَّنة، بينما عزف القراء الجيِّدون ما يتوقعون وجوده؛ لكونهم استخلصوا البِنْيَة الجوهرية للقطعة الموسيقية. ويثير ذلك علامة استفهام كبيرة: كيف ندرك المعنى الجمالي والوجداني للموسيقى؟


كيف بدأتَ العمل مع جماهير حفلات الموسيقى؟

انتقلتُ من الأبحاث على المناطق المعرفية «الباردة» ـ مثل الذاكرة والإدراك ـ إلى موضوعات «دافئة».. العاطفة، والانفعال، والدافع، وهي العوامل المحرِّكة التي تدفعك لتنهض من الفراش في الصباح. وفي دراسة سابقة، طلبت من 100 شخص أن يخبروني عن اللحظات المحددة التي تستثير استجابات بدنيّة، مثل الدموع، أوتبعث القشعريرة في عمودهم الفقري، أو تسبِّب وقوف شَعْر الجسم في النهاية لدى سماعهم قطعة موسيقية مسجَّلَة. تميل هذه «البؤر العاطفية الدافئة» إلى التجاوب في لحظات تتلاعب بتوقعات المستمعين، مثل النغمات النشاز التي تم إيقافها، ثم إصلاحها في نهاية المطاف. وعندما تبادلت نتائجي مع مؤلفي موسيقى الأفلام، وعازفي البيانو في الفنادق؛ قالوا: «نعم.. نعم، نعرف ذلك بالفعل»، لكنْ كانت هذه واحدةً من أُولى الدراسات العلمية التي تُظهِر أن المستمعين يشعرون بأقوى الأحاسيس؛ كاستجابة لغير المتوقَّع.


هل لذلك تطبيقات على الارتجال الموسيقى؟

استطاع الموسيقيون في القرن الثامن عشر التجويد والارتجال، ولم يعزفوا أبدًا «الكُونْشِيرْتُو» بالطريقة ذاتها مرتيْن. ويدرس فريق من الباحثين في إمبريال كوليدج لندن، ومدرسة جيلدهول للموسيقى والدراما في لندن تأثيرَ العروض التي تُعِيد إحياء فن الارتجال الكلاسيكى في موسيقى الحجرة. وفي إحدى الحفلات الموسيقية التجريبية، أخبرنا الجمهور عن الأسلوبَيْن اللذَيْن سوف يستمعون بهما للموسيقى نفسها، لكننا لم نذكر لهم الترتيب. كانت إحداهما مقطوعة موسيقية مُعَدَّة سلفًا، وتم ارتجال الأخرى في وقت العرض بواسطة العازفين. اكتشفنا ـ باستخدام جهاز رسم المخ الكهربائي؛ لقياس نشاط المخ ـ توافقًا زمنيًّا بين مخ الموسيقيين والمستمعين أثناء العروض المُرتجَلة، خاصةً في لحظات تتضمن انتقالًا مفاجئًا في التناغم الموسيقي والحركة. وبوجه عام، صنَّف الجمهور العروض الارتجالية بأنها أكثر امتاعًا من الناحية العاطفية.


أخبِرْنا عن عملك في محاولة اِجْتِذَاب الجماهير؟

قبل حفل نوفمبر 2013 لفرقة «بريتن سينفونيا» Britten Sinfonia، وهي فرقة لموسيقى الحجرة في المملكة المتحدة، عقدنا «برُوفَة» بدون ملابس رسمية، وحاورنا الجمهور حول طبيعة وقيمة التعاون مع الموسيقيين في أداء برنامج للفن المعاصر. وعَقِب حفل في بداية فبراير الماضي، أبدى الجمهور رأيه للموسيقيين عما استمعوا إليه وشعروا به، وهي فرصة تم اغتنامها بحماس وبشكل مدروس. وتثبت مثل هذه المبادرات لرواد الحفلات الموسيقية أنهم ليسوا فقط «غذاءً لشباك التذاكر»، بل أكثر من ذلك.. فهُمْ مثل مستشارين أو شركاء. وقمنا بتوزيع استمارات استبيان في حفل نوفمبر. وسوف نستخدم مجموعات لدراسة تأثير هذه التدخلات. وفي ورشة يوم 1 مارس الماضي، تمّ تبادل النتائج الأولى مع الموسيقيين والجمهور المرتبط بالدراسة. وعلى الرغم من الطبيعة الوصفية للنتائج، إلا أنها تفيد في البحث الأكثر تركيزًا وضبطًا، حيث يتم إدخال أو استبعاد عوامل محددة عمدًا في مناسبات مختلفة، للتأكد من تأثيرها. ولا نعلم بدقة كيف يمكن أنْ يغيِّر ذلك في تجربة الحفلات الموسيقية، ولكننا شغوفون لاكتشاف ذلك.