افتتاحيات

أزمـة البيـانـات الصحيـة فـي بريطـانيا

ينبغي على السلطات أن تأخذ وقتها في علاج التدشين المتعجل لقاعدة بيانات تحتوي على السجلات الطبية لكل سكان إنجلترا.

  • Published online:

كان من الممكن أن يثير نظام الرعاية الصحية الشامل في إنجلترا غيرة الكثيرين بقدرته على دمج السجلات الصحية للسكان بقاعدة بيانات يستفيد منها المرضى والباحثون على حد سواء، ولكن من المؤسف أنه أُسيء تنفيذ هذه المهمة؛ مما قوَّض ثقة الخبراء والعامة في مصداقية هذا النظام.

أجلّت هيئة الخدمات الصحية الوطنية بإنجلترا إطلاق برنامجها المثير للجدل «كير داتا» (care.data) لمدة ستة أشهر، لتتخلى بذلك عن قراراتها السابقة بتحميل البيانات الطبية الخاصة للمواطنين ابتداءً من هذا الربيع. وتشمل هذه البيانات الحساسة السجلات السرية السابقة من استشارات المرضى مع أطبائهم، مثل التاريخ العائلي، والفحوص الطبية، ووصفات العلاج، والأدوية، ونتائج تحليل الدم، وغيرها من الفحوص والاختبارات الطبية.

جدير بالذكر أن مخزن البيانات ـ الذي يديره مركز معلومات الرعاية الصحية والاجتماعية التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية بمدينة ليدز البريطانية ـ هو جزء من مشروع واعد لربط سجلات أطباء المرضى بالمستشفيات والبيانات الطبية الأخرى؛ من أجل إنشاء واحدة من أكبر وأشمل قواعد بيانات الرعاية الصحية في العالم. كان الهدف الأوليّ من مشروع إنشاء قاعدة البيانات مساعدة هيئة الخدمات الصحية الوطنية على توظيف البيانات في تحسين إدارة الرعاية الصحية، مع إتاحة الفرصة للباحثين وغيرهم للاطلاع على تلك البيانات.

بيد أن هذا البرنامج قد وقع في دائرة الجدل، لإثارته موضوعات خطيرة سلَّطت دوريّة «نيتشر» الضوءَ عليها في يناير الماضي (انظر: Nature 505, 261; 2014)، حيث ادعت السلطات بأن قاعدة البيانات تعتمد على مبدأ الموافقة عن علم، لكنها لم توضح للناس كيف سيتم تأمين بياناتهم الشخصية واستخدامها، كما لم تذكر بوضوح حقهم في الخروج وإلغاء المشاركة في ذلك البرنامج. وقد تحولت اعتراضات المرضى والأطباء والحملات الإعلامة إلى رفض صريح في فبراير الماضي، حيث انضمت هيئات ومنظمات كبرى ـ مثل اتحاد الأطباء البريطانيين والكلية الملكية للأطباء الممارسين ـ إلى صفّ المنتقدين؛ بسبب التعجُّل والسرعة في تنفيذ البرنامج.

في التاسع عشر من فبراير الماضي، اعترفت هيئة الخدمات الصحية ـ على مضض ـ بأن رأْي المنتقدين لا يخلو من وجاهة، رغم أنها أصرَّت على رفض هذه الانتقادات بعِنَاد في بادئ الأمر، وأرجأت موعد إطلاق البرنامج حتى الخريف المقبل، لكن يبدو أن الهيئة لا تزال في حالة إنكار، وتؤكد أن المعارضة ترجع إلى القصور في التواصل وتوصيل الصورة الصحيحة للعامة، إلا أن هذا غير صحيح، إذ إن برنامج «كير داتا» ليس جاهزًا للإطلاق بأي حال من الأحوال.


ثقة العامة

يصعب تصديق أن هيئة الخدمات الطبية الوطنية لم تفصح حتى عن تفاصيل الفئات التي يحق لها استخدام هذه البيانات والاطلاع عليها، والشروط التي تحكم هذا الاستخدام، رغم أنه لم يتبق على موعد الإطلاق سوى أسابيع قليلة. ولهذا.. لم يعرف الناس بالضبط طبيعة البرنامج الذي يُفترض مِن جانبهم الاشتراك فيه، مما يثير المخاوف من وصول البيانات الشخصية في نهاية الأمر إلى شركات التأمين، أو الشركات التجارية الأخرى. وإذا كان النمو الاقتصادي هو الهدف الجوهري لأي حكومة بريطانية، لا بد أن يكون هناك ضمان بألّا يطغى ذلك على حقوق المواطنين.

ليس هذا فحسب، فقد اتضح في مارس الماضي أن مركز معلومات الرعاية الصحية والاجتماعية في ليدز قد سلَّم سجلات من قاعدة البيانات الضخمة ـ التي تضم بيانات المستشفيات الشخصية ـ إلى جهات خارجية بصورة تخالف قوانين المركز ذاته. كل هذه الأحداث ستثير ـ على أقل تقدير ـ عديدًا من التساؤلات حول دور مركز معلومات الرعاية الصحية والاجتماعية، ومدى فعاليته، كما تهدِّد بمَحْو ما تَبَقَّى من ثقة في برنامج «كير داتا».

ما يزيد الطين بلة أنه بالرغم من حاجة القائمين على مشروع «كير داتا» الماسة إلى كسب ثقة الناس، إذ بمركز معلومات الرعاية الصحية والاجتماعية يتصلب في مواقفه إزاء شرح شروط وأحكام عمليات نقل البيانات التي تمت. ويجدر بالقائمين على المشروع أن يعلنوا التفاصيل الكاملة لعملية النقل، وأي انتهاكات أخرى سابقة.

«برنامج (care.data) في حاجة إلى دراسة، وتمحيص عميق، وإعادة تصميمه من جديد، مع إتاحة الوقت الكافي ليشمل جميع الأطراف والجهات المعنية».

وقد أدرك جِرِمي هانت ـ وزير الصحة البريطاني ـ أن التذمر الشعبي من برنامج «كير داتا» ليس بسبب سوء أداء العلاقات العامة، وأن التخطيط العشوائي قد وضع المشروع في مهب الريح، بعد أن فقد كثيرًا من مزاياه. ولهذا.. أعلن في مطلع مارس الماضي عن نيته إصدار تشريع يمنع مركز معلومات الرعاية الصحية والاجتماعية مِن نشْر أي بيانات للمرضى بأسماء مستعارة، بدلًا من أرقامهم الحقيقية في نظام الصحة الوطنية، حيث تظل إمكانية التعرف على هوية الأشخاص قائمة، ما لم تكن هناك مزايا صحية واضحة لذلك، وحظر نشر البيانات لأغراض تجارية. وأضاف هانت قائلًا إن المركز سيخضع لإشراف ومراقبة قوانين خارجية جديدة.

تمثل قرارات الوزير البريطاني خطوة على المسار الصحيح، لكن برنامج «كير داتا» في حاجة إلى دراسة، وتمحيص عميق، وإعادة تصميم من جديد، مع إتاحة الوقت الكافي ليشمل جميع الأطراف والجهات المعنية، ومن بينهم الباحثون والمعارضون للمشروع.

وأيًّا كانت القوانين التي تصدرها إنجلترا، فإنها ستخضع لقانون حماية البيانات العامة، الذي أصدره الاتحاد الأوروبي، الذي سيلزم الدول الأعضاء قانونًا، وستكون له السيادة على القوانين الوطنية. يُذكَر أن قانون الاتحاد الأوروبي ـ الذي أعيدت صياغته في تشريع عام 1995 ـ ينظم أيضًا استخدام السجلات الطبية. وفي أكتوبر 2013، صوّتت لجنة "الحريات والعدالة المدنية والشؤون الداخلية" بالبرلمان الأوروبي على تعديلات ستزيل عديدًا من العوائق أمام الأبحاث الطبية.

ورغم إمكانية استخدام البيانات المجهولة دون أي قيد، يتيح أحد التعديلات استعمال البيانات المستعارة، دون موافقة، إذا كان البحث يحقِّق «مصلحة عامة كبيرة» ولا يمكن تحقيقها بغير ذلك، بشرط مراجعة الطلبات من قِبَل هيئة مستقلة. وفي يناير الماضي، حذّرت عشرات من الجمعيات والمنظمات الطبية الأوروبية ـ في تصريح مشترك ـ مِن أن ذلك الأمر يشكل خطرًا هائلًا على البحث الطبي، وقالت إن استخدام هذه البيانات يخضع بالفعل لإشراف ومراقبة أخلاقية من قِبَل مؤسسة قوية.

لعل استخدام البيانات الشخصية في البحوث مع وجود معايير أخلاقية عالية هو أقل ما يبعث على القلق، لكنْ على العلماء والباحثين أن يضعوا في حسبانهم مخاوف العامة في الاتحاد الأوروبي حيال جمع البيانات الصحية، والاستفادة منها على نطاق واسع. وكالعادة.. فإن الرقابة الديمقراطية، وتحقيق التوازن بين المتطلبات القانونية والمخاوف الحقيقية من أساسيات المشروع. ونؤكِّد مجددًا أنه لا بد من توافر الوقت الكافي لتحقيق التوازن المطلوب.

في النهاية، فإن تحديد كيفية وسبل استخدام سجلات العامة الطبية الشخصية لهُوَ حق أساسي من حقوق الإنسان، ولا يمكن ضمان إمكانية الحصول على استثناءات لموافقة أخرى، حتى لو كانت عن علمٍ وإطلاع، فالموافقة عن عِلْمٍ ليست عقبة ينبغي تجاوزها أو تخطِّيها، بل مبدأ ينبغي احترامه، والالتزام به.