افتتاحيات

ليس الحيـاد إلى هذا الحـد

يتعرض المناخ العلمي في سويسرا للتهديد بعد تصويت أغلبية ضئيلة من مواطنيها لصالح قوانين هجرة أكثر تشددًا، من شأنها تقليص عدد العلماء الأجانب العاملين في سويسرا.

  • Published online:

على الرغم من رغبة سويسرا الجامحة في الاستقلال، فإنها مندمجة ـ لأبعد حد ـ في المسعى العالمي تجاه البحث العلمي، إذ يضم البلد الصغير الواقع في جبال الألب بعضًا من أقوى الجامعات البحثية في أوروبا، ولديه إحدى أهم المنشآت البحثية في العالم «سِرن» CERN، وهو مختبر أوروبا لفيزياء الجسيمات، الذي يقع بالقرب من جنيف. لقد تولّت سويسرا دورًا قياديًّا أيضًا من الناحية المالية ـ ومن ناحية الإمدادات أيضًا ـ في مشروع المخ البشري Human Brian Project، حيث أسهمت بمقدار مليار يورو (1.4 مليار دولار أمريكي)؛ لمحاكاة المخ البشري في حاسب آلي فائق.

تهدِّد نتيجة استفتاء ضد «الهجرات الكبيرة» ـ أُسيء إعداده في التاسع من فبراير الماضي ـ بإفساد المناخ العلمي البديع في سويسرا. فقد وافقت أغلبية ضئيلة على الفكرة، رغم المعارضة من قِبَل الحكومة والبرلمان وجماعات الضغط السويسرية، ومن بينهم العاملون بالعلوم والصناعة.

أمام الحكومة الآن مهلة ثلاث سنوات لتطبيق قوانين هجرة أكثر تشددًا، من شأنها تقليص عدد العلماء الأجانب الذين يمكن توظيفهم في جامعات سويسرا ومعاهدها البحثية. وقد صرح الاتحاد الأوروبي بأنه لن يتغاضى عن مبادئه الأساسية احترامًا لخشية سويسرا من الأجانب. وجدير بالذكر أن سويسرا ـ العضو المنتسب إلى الاتحاد الأوروبي ـ رفضت التوقيع على اتفاقية تمدّ حق حرية التنقل ضمن الاتحاد الأوروبي؛ لتشمل كرواتيا؛ أحدث الأعضاء بالاتحاد. وتباعًا، أَجَّلَتْ المفوضية الأوروبية المحادثات فورًا حول اشتراك سويسرا في البرنامج البحثي «أفق 2020»، الذي يكلِّف الاتحاد 80 مليار يورو. ومن الواضح أن التغييرات التي ستجريها سويسرا لن تَمُرّ دون عواقب.

تفتخر سويسرا بتقليدٍ تتبعه، ألا وهو مَنْح مواطنيها حقوق واسعة بخصوص اتخاذ القرارات، أكثر من أي دولة ديمقراطية أخرى. ويبدو أن أسباب تفضيل سويسرا لهذا النوع الخاص من الإدارة الحكومية تتمثل في مساحتها الجغرافية الصغيرة نسبيًّا، وتعدادها السكاني القليل، ومستوى التعليم المرتفع فيها، وتطور البراجماتية.

وقد تصبح الديمقراطية المباشرة زاخرة بالمشكلات، إذا تمثلت دوافعها في رصد حياة الشعب بواقعية، وكذلك رصد المخاوف غير المنطقية، مثل المخاوف المتعلقة بالبطالة والجريمة (حيث إن سويسرا ـ على وجه خاص ـ أكثر الدول أمانًا في العالم، وتبلغ نسبة البطالة فيها بالكاد %3.5). ومن المؤكد أن الهجرة زادت هناك خلال العشر سنوات الماضية، ولكن هذا يرجع ـ بشكل كبير ـ إلى الاعتماد الكبير على خدمات العمال الأجانب في النظام الاقتصادي والصحي. والمفارقة هنا، هي أن المبادرة «لإيقاف الهجرات الكبيرة» اجتذبت التأييد الأكبر من المناطق الريفية، حيث لا يوجد سوى القليل نسبيًّا من الأجانب. أما في المدن ذات الطابع التعددي، مثل زيورخ وبازل وجنيف، فقد رفضت أغلبية المصوتين هذه المبادرة.

ليست هذه المرة الأولى التي تتصادم فيها مبادرة من الشعب السويسري مع المصالح العلمية. ففي عام 1992، صوّت الشعب السويسري على تضمين حماية كرامة الحيوانات في الدستور، مما زاد من صعوبة شرح العلماء لوجاهة إجراء تجارب على الحيوانات. وفي عام 1998، وبشق النفس، أخفقت مبادرة تهدف إلى منع استخدام الحيوانات المعدَّلة وراثيًّا، بعد وقوف العلماء ضدها بكل قوة.

«لا يمكن لسويسرا التلاعب بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحرية التنقل بين الدول».

لحسن الحظ، تتيح نصوص المبادرة الأخيرة وقتًا كافيًا للحكومة السويسرية؛ حتى تتجنب أي ضرر غير مقصود محتمَل وقوعه على العلوم. وعلى سبيل المثال.. تتمتع الحكومة بحرية التصرف في تضمين أحكام، من شأنها تحقيق إعفاء كامل للعلماء الأجانب ـ ومجموعات أخرى من المهنيين، مثل الممرضات ـ من قيود هذه المبادرة، إذ إن الحكومة بحاجة إلى ذلك. وبدلاً من الإعفاء، قد تحدد الحكومة حصصًا للهجرة المستقبلية، حسب المنطقة، حتى تستطيع المناطق الريفية تقييد الهجرة أكثر من المناطق الحضرية، التي تستضيف الجامعات والمعاهد البحثية، والتي صوّتت ضد هذا الإجراء.

يجب أن تصرّ المفوضية الأوروبية ـ بحزم ـ على قرارها بتعليق محادثات «أفق 2020». ومما يدعو للأسف أن العلوم ستكون ضحية خلاف سياسي أوسع، ولكن في هذه الحالة سيكون من الضروري الإصرار على المبادئ. إنّ سويسرا لا يمكنها التلاعب بالاتفاقيات الدولية، مثل الاتفاقيات الخاصة بحرية تنقل المواطنين الأوروبيين.

وإذا كان على سويسرا أن تظل في مقدمة المشروعات البحثية التعاونية العالمية رفيعة الطراز مثل «مشروع المخ البشري»، فيجب عليها أن تقدم تأكيدات على أن العلماء يمكنهم الاستمرار في المشاركة على الأراضي السويسرية، ولإيجاد السبيل لجَعْل ذلك ممكنًا.

يُعَدّ نهج سويسرا المؤسف نكسة لرؤية بروكسل الخاصة لمنطقة بحثية أوروبية شاملة، يستطيع فيها العلماء والمعرفة والأفكار التحرك بحرية عبر الحدود. في الواقع، إنها نكسة لأية محاولة لمكافحة المنطق الشعبي الذي يعتبر الهجرة تهديدًا.

ومع تصاعد حدة المواقف بين بِرن وبروكسل، يجب أن يسعى العلماء الأوروبيون والمؤسسات العلمية للحفاظ على التعاون المتبادَل ـ وتعزيزه كلما أمكن ـ مع هذا البلد المهتم بالعلوم اهتمامًا فائقًا. ويجب تذكير سويسرا في الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى ـ خطيئة أوروبا الحديثة الأولى ـ بأن القومية والإقصاء هما من المفارقات الأسوأ على الإطلاق.