أنباء وآراء

علم الكونيات: بداية باردة لتَأَيُّن الهيدروجين

عمليات محاكاة للكون تثير الشك حول الإفتراضات عن درجة حرارة غاز الهيدروجين الأوليّ، عندما تأيَّن بواسطة النجوم والمجرّات الأولى، ليزيد تفسير المشاهدات الجارية تعقيدًا.

  • Published online:

بَرَدَ الكونُ ـ بقدر كافٍ ـ بعد الانفجار العظيم بزمنٍ ليس طويلًا، لتصبح الإلكترونات والبروتونات مقيَّدة ضمن ذرات هيدروجين. وخلال بضع مئات ملايين السنين اللاحقة، استمر غاز الهيدروجين الأوليّ بالبرودة مع توسُّع الكون. وبالنسبة إلى علماء الفيزياء الفلكية، تبدأ الإثارة عند هذه النقطة، حيث يُعتقَد أن النجوم والمجرات والثقوب السوداء الأولى أصدرت أشعة سينية وضوءًا فوق بنفسجي سَخَّنا من الهيدروجين الأولي، ثم "أعادا تأيينه" فيما بعد. انتهت حقبة إعادة التأيين هذه بعد الانفجار العظيم بنحو مليار سنة. في العدد الصادر في منتصف شهر فبراير الماضي من دوريّة Nature، الطبعة الإنجليزية، عرض فيالكوف وزملاؤه1 نماذج محاكاة تتحدَّى التوقعات النظرية القائمة بشأن المراحل الأخيرة في هذه السلسلة.

استعمل المؤلفون في عمليات المحاكاة تلك نماذجَ محسَّنة لانبعاثات أشعة سينية مدفوعة بتنامي الكتلة في منظومات النجوم الثنائية من حقب كونية مبكرة، ووجدوا أن تسخين الهيدروجين الأولي بين المجرات الناشئة قد استغرق مدة أطول مما كان متوقَّعًا سابقًا. وقد أتت النماذج المحسَّنة من دراساتٍ2،3 لتطوُّر المنظومات الثنائية عبر الزمن الكوني، وهي تتنبَّأ بأشعة سينية أعلى طاقةً من تلك التي تتنبَّأ بها النماذج السابقة التي فضَّلت الانبعاث منخفض الطاقة. تلك الأشعة السينية عالية الطاقة قادرة على الوصول إلى مسافة أبعد، قبل أن يمتصها الغاز الأولي، وهذا يؤدي إلى تسخين أكثر تجانسًا للغاز، إلا أنه يعني أيضًا ـ خلافًا للحدس ـ تخزين طاقة أقل في الغاز إجمالًا، نتيجةً لتأثيرات مرتبطة بالتوسُّع الكوني.

في حين تكون الأشعة السينية مسؤولة في المقام الأول عن تسخين الغاز الأولي، فإن الضوء فوق البنفسجي الوارد من النجوم المبكرة يثير تأينها. لذا.. وبرغم أن التسخين يستمر طويلًا في نموذج محاكاة المؤلفين، فإن التأيُّن يحصل بالسرعة نفسها الموجودة في أعمال المحاكاة السابقة، وذلك لأن نموذج انبعاث الضوء فوق البنفسجي لم يتغير. والنتيجة هي أن التأيُّن يبدأ قبل أن يسخن الغاز، وتلك نتيجة مخالِفة للتوقُّعات السابقة، وتنطوي على عواقب مهمة لفرع جديد من فيزياء الرصد الفلكية.

وخلال العقد السابق، بَنَى علماء الفيزياء الفلكية تليسكوبات راديوية في شتى أنحاء العالم لكشف انبعاثات راديوية بأطوال 21 سنتيمترًا، لهيدروجين ذري محايد من حقبة إعادة التأيين. تتضمن تلك الأجهزة مصفوفة التردد المنخفض "لوفار"4(Low frequency array - LOFAR) ، والمصفوفة الدقيقة لسبر حقبة إعادة التأيين "بَيبر"5 (Precision Array for Probing the Epoch of Reionization - PAPER)، ومصفوفة مورشيسون عريضة المجال "موا"6 (Murchison Widefield Array - MWA). لا ترصد هذه التليسكوبات أطوال موجات عند 21 سنتيمترًا، بل أطوال موجات مترية. فنتيجة لتوسُّع الكون، يتمدد إشعاع الـ21 سنتيمترًا من الكون المبكِّر كثيرًا (انزياح أحمر) في طريقه إلى الأرض. يمكن استعمال كثافة وتوزُّع انبعاثات الـ21 سنتيمترًا المنزاحة للأحمر في السماء لرسم خريطة لدرجة حرارة وكثافة وتأيُّن الغاز الأوَّلي7. والأكثر من ذلك أنه يمكن تعقُّب تطوُّر الغاز بالتوليف مع أطوال موجات أطول لدراسة الغاز في حقب أقدم (بانزياح أحمر أكبر) في الكون.

المشاهدات الأولى من تلك التليسكوبات الراديوية بدأت تظهر، إلا أنها ممتزجة بمستويات عالية من الضجيج الحراري والتلوُّث بإشارات فيزيائية فلكية بجانب تلك الواردة من الغاز الأوَّلي. لذا.. يخطِّط الراصدون للاعتماد على سمات طيفية بسيطة سهلة التحديد، تتنبَّأ بها عمليات محاكاة نظرية، لكشف إشارة الهيدروجين المحايد. وإحدى السمات الُمتنبَّأ بها هي زيادة ونقصان8 مدى التغيُّرات في إشارة الـ21 سنتيمترًا مع طول الموجة. فقمة المدى متوقعة عندما يكون نصف الهيدروجين تقريبًا متأيِّنًا. وتحديد تلك القمة يمكن أن يشير إلى نقطة المنتصف في عملية إعادة التأيين، وتلك مرحلة محورية في فهم الخصائص الأساسية للنجوم والمجرات الأولى.

وجدت دراسة1 فيالكوف وزملائه تغيرات أكثر في سلوك الزيادة والنقصان مما كان متوقَّعًا سابقًا، إضافة إلى قيمة صغرى للمدى محددة بدقة يجب أن توجد في المشاهدات. ويتنبَّأ المؤلفون أيضًا بإشارة أضعف بشكل عام، مما يزيد من صعوبة المشاهدات، لأن التسخين الأكثر تجانسًا يؤدي إلى تأرجحات أقل تطرُّفا في إشارة الـ21 سنتيمترًا. وباستعمال التشبيه بالتضاريس الجبلية، وجد الباحثون أن التأرجحات أشبه بالمنحنيات الناعمة لسفوح جبال الهمالايا من السمات المتعرجة للجبال نفسها (الشكل 1).

<p><b>الشكل 1 | تشبيه تضاريسي.</b> توقَّع علماء الفيزياء الفلكية سابقًا أن التسخين الموضعي نسبيًا بواسطة الأشعة السينية منخفضة الطاقة، يمكن أن يُنتِج قممًا ووديانًا كبيرة في درجة حرارة غاز الهيدروجين قبل تأيُّنه، على غرار جبال الهمالايا المتعرِّجة (خلفية الصورة). استعمل فيالكوف وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> نماذج محسَّنة لانبعاث الأشعة السينية تعطي أشعة سينية ذات طاقة أعلى مما في النماذج السابقة، وتبيِّن أن الغاز سيكون أبرد، وأن التأرجحات ستكون أقل ظهورًا، على نحو شبيه بالمنحنيات الناعمة لسفوح التلال (مقدمة الصورة). </p>

الشكل 1 | تشبيه تضاريسي. توقَّع علماء الفيزياء الفلكية سابقًا أن التسخين الموضعي نسبيًا بواسطة الأشعة السينية منخفضة الطاقة، يمكن أن يُنتِج قممًا ووديانًا كبيرة في درجة حرارة غاز الهيدروجين قبل تأيُّنه، على غرار جبال الهمالايا المتعرِّجة (خلفية الصورة). استعمل فيالكوف وزملاؤه1 نماذج محسَّنة لانبعاث الأشعة السينية تعطي أشعة سينية ذات طاقة أعلى مما في النماذج السابقة، وتبيِّن أن الغاز سيكون أبرد، وأن التأرجحات ستكون أقل ظهورًا، على نحو شبيه بالمنحنيات الناعمة لسفوح التلال (مقدمة الصورة).

NIGEL HICKS/STILL PICTURES/ROBERT HARDING PICTURE LIBRARY


إن التليسكوبات المخطَّط بناؤها، التي تبحث حاليًا عن تمويل، ومنها مصفوفة الكيلومتر المربع "سكا"9 (Square Kilometre Array – SKA)، ومصفوفة حقبة إعادة تأيين الهيدروجين "هيرا"10 (Hydrogen Epoch of Reionization Array - HERA)، لن تجد صعوبة في التمييز بين نماذج التسخين بالأشعة السينية عالية ومنخفضة الطاقة، إذا ما صُمِّمت وفقًا لما تقدَّم. ومن حسن الحظ أن محاكاة المؤلفين تأتي أثناء مرحلة حاسمة من التصميم التفصيلي لكلا التليسكوبيَن. لذا.. يجب أن تشجِّع النتائج علماء الفيزياء الفلكية على إعادة النظر في مجال أطوال الموجات التي سيبحث عنها التليسكوبان، وتقدير المزايا النسبية لتحسينهما من أجل القياسات الإحصائية (على غرار "بَيبر| وغيره من الأجهزة)، مقارنةً بالتصوير المباشر الأكثر عمومية لإشارة الـ21 سنتيمترًا.

على غرار معظم عمليات المحاكاة، يعتمد العمل الحالي على عدة تقريبات؛ لجعل الحسابات ممكنة، وخاصة في نمذجة العمليات الإشعاعية. والطرق شبه التحليلية المستعملة فيه قد تفتقر إلى بعض التفاصيل الدقيقة، لكنها سوف تعيد بناء الصورة الكبيرة بدقة. وبالقدر نفسه من الأهمية التي تتصف بها النتائج الدقيقة لهذه المحاكاة، فإن الدراسة الحالية تلقي الضوء على الارتياب المتأصِّل في مجال سريع التطور، وعلى العملية المعقدة غالبًا لتحديث الرؤى المعتمَدة. بعد عقد من التطورات النظرية الهائلة في نمذجة حقبة إعادة التأيُّن، ونظرًا إلى قلة المشاهدات اللازمة للتدقيق، فإنه من السهل السهو عن الافتراضات الكامنة. علينا أن نتذكَّر أن أفكارنا الحالية تقوم على نماذج يمكن أن تتغير بسهولة، وأن التغيُّرات في مُدخَل واحد يمكن أن تغيِّر النتائج كليًّا. وتحليل فيالكوف وزملائه يجب أن يذكِّرنا بأن نُبْقِي عقولنا ومحاولاتنا التجريبية مفتوحةً على مجال واسع من الاحتمالات.

  1. School of Earth and Space Exploration, Arizona State University, Tempe Arizona 85287, USA

    • جاد دي. بومان
  1. Fialkov, A., Barkana, R. & Visbal, E. Nature 506, 197–199 (2014).
  2. Fragos, T. et al. Astrophys. J. 764, 41 (2013).
  3. Fragos, T., Lehmer, B. D., Naoz, S., Zezas, A. & Basu-Zych, A. Astrophys. J. 776, L31 (2013).
  4. Van Haarlem, M. P. et al. Astron. Astrophys. 556, A2 (2013).
  5. Parsons, A. R. et al. Preprint at http://arxiv.org/abs/1304.4991 (2013).
  6. Tingay, S. J. et al. P. Astron. Soc. Aust. 30, e007 (2013).
  7. Furlanetto, S. R., Oh, S. P. & Briggs, F. H. Phys. Rep. 433, 181–301 (2006).
  8. Lidz, A., Zahn, O., McQuinn, M., Zaldarriaga, M. & Hernquist, L. Astrophys. J. 680, 962–974 (2008).
  9. http://skatelescope.org
  10. http://reionization.org