تأبين

جانيت راولي (1925-2013)

اختصاصية علوم الوراثة، التي اكتشفت أن الصِّبغِيّات «الكروموسومات» المختلة تسبِّب السرطان.

برايان جيه دروكر
  • Published online:

جانيت راولي هي (رائدة علم الوراثة الحديث لأمراض السرطان)، التي غيَّرت فهمنا لمرض السرطان. ففي ستينات القرن الماضي، اعتادت على قَصّ عرائس من الورق على المائدة في حجرة الطعام، إلا أنها لم تكن تصنعها لكي يلعب بها أطفالها. وقد نتجت عن هذه الصور الفوتوغرافية للكروموسومات البشرية في النهاية اكتشافاتٌ أسَّست مبادئ علوم الوراثة لمرض السرطان؛ وأدت إلى الوصول إلى علاجات موجَّهة له.

UNIV. CHICAGO MEDICINE

وُلدت جانيت ديفيدسون في مدينة نيويورك في الخامس من شهر إبريل، عام 1925، وعاشت معظم فترات حياتها في شيكاغو بولاية إيلينوي. حصلت جانيت على درجة البكالوريوس من جامعة شيكاغو وهي في التاسعة عشرة من عمرها، بتشجيع من والدتها التي كانت ـ وقتئذٍ ـ تشغل وظيفة مدرِّسة بمدرسة ثانوية، وأمينة مكتبة. وتم قبولها ـ بالتالي ـ في مدرسة الطب بالجامعة، إلا أنها اضطرت إلى الانتظار تسعة أشهر للالتحاق بالدراسة، لأن المَدرسة كانت قد أتمت الجزء المخصَّص للنساء في الفصل، وهو ثلاث طالبات في فصل مكوَّن من خمسة وستين طالبًا. وفي اليوم التالي لتخرجها في عام 1948، تزوجت جانيت من زميلها في الفصل، دونالد راولي، الذي أصبح بعد ذلك أخصائيًّا معروفًا في علم الأمراض.

في عام 1955، شرعت جانيت في العمل ـ بشكل غير متفرِّغ ـ في عيادة محلية، حيث عالجت أطفالًا مصابين بمتلازمة داون. وفي عام 1959، تَبيَّن أن سبب هذا الاعتلال في النمو هو نسخة إضافية من الكروموسوم 21؛ وانبهرت راولي بالأمراض الناتجة عن الجينات الوراثية. وعندما أخذ زوجها إجازة التفرغ العلمي عام 1961 في انجلترا، قامت بالتنسيق مع لاسزلو لاجثا ـ أخصائي أمراض الدم في مستشفى تشيرشل في أكسفورد ـ للدراسة معه. وفي هذه المستشفى تحديدًا بدأت راولي في اختبار الكروموسومات معمليًّا.

بعد عودتها إلى الولايات المتحدة في عام 1962، استطاعت أن تؤمِّن وظيفة مع ليون جيكوبسون، أخصائي أمراض الدم بجامعة شيكاغو، حيث طلبت راولي توفير غرفة تحميض أفلام، وجهاز ميكروسكوب، وراتب يكفيها لاستئجار جليسة أطفال. وعلى مدار العقد التالي، أخذت تجمع خلايا من أشخاص مصابين باللوكيميا؛ للبحث عن اضطرابات كروموسومية.

خلال الإجازة الثانية للتفرغ العلمي بجامعة أكسفورد، استطاعت راولي أن تطوِّر تقنية لصبغ الكروموسومات؛ لتسهيل عملية التعرف عليهم. وكانت أول مَنْ لاحظ أن قِطَعًا صغيرة من الكروموسومات في بعض الخلايا السرطانية البشرية انفصلت وبدّلت أماكنها، في ظاهرة تُعرَف بالإزفاء (translocation). ويُعرف الإزفاء الذي اكتشفته بين الكروموسومين 8 و21 حاليًا بأنه السبب في إصابة قرابة %12 من حالات اللوكيميا النخاعيّة الحادة. ونشرت عملها في ورقة بحثية باسمها وحدها في شهر يونيو من عام 1973 (J. D Rowley Ann. Genet. 16, 109-112; 1973). وفي الشهر نفسه، نشرت ورقة بحثية بدوريّة «نيتشر» (J. D. Rowely Nature 243, 290-293; 1973)، وَصَفَتْ من خلالها الاضطراب الجيني الذي يعاني منه الأشخاص المصابون بمرض اللوكيميا النخاعية المزمنة.

أثبتت راولي أن كروموسوم فيلاديلفيا ـ الذي هو نسخة مشوَّهة من كروموسوم 22 (سُمِّيَ كروموسوم فيلاديلفيا بهذا الاسم تيمُّنًا باسم المدينة التي اكتشف فيها الباحثون ذلك الخلل)- يعتبر تبدّلًا جينيًّا؛ فالكروموسوم 22 المقطوع كان مصحوبًا بجزء متمدِّد من كروموسوم 9. وكان الاعتقاد السائد قبل ذلك، أن السبب هو عملية محو جيني كبيرة. وفي عام 1977، اكتشفت راولي إزفاءً ثالثًا في المرضى المصابين باللوكيميا الحادّة بالخلايا النخاعية الخديج.

قوبل عملها بعاصفة من التشكيك والتعجب من وجود شخص مهتم بدراسة التشوهات الكروموسومية، فقد كان يُعتقد آنذاك أن ذلك الخلل ناتج عن المرض، وليس سببًا له. وبحلول الثمانينات، تم تصنيف جميع التشوهات الكروموسومية من خلال الجزيئات، مما كشف عن أن عمليات الإزفاء تخلق بروتينات «الاندماج» ـ وهي بروتينات غير طبيعية ناتجة عن جينات مندمجة ـ التي تحفز نمو الخلايا. ومنذ ذلك الوقت، تم اكتشاف العشرات من الإزفاءات في أنواع أخرى من السرطانات.

وبخصوص مرض اللوكيميا الحادّة بخلايا النخاع الخديج، فقد أسهَم اكتشاف راولي في كشف النقاب عن الآلية التي يعمل بها عقار حمض الريتينويك الفعّال، حيث يقوم العقار ـ الذي يُعَد أحد مشتقات فيتامين أ ـ بإعادة الوظيفة الطبيعية لمستقبِلاته البروتينية المختلة.

أما مرض اللوكيميا النخاعية المزمن، الذي كان يُعَد سابقًا بمثابة حكم إعدام، فقد أفسح اكتشاف راولي مجالًا لعمل علاجات جديدة وفعّالة، تشمل عقار الإيماتينب، وتم اعتماد تلك العلاجات في الولايات المتحدة في عام 2001. كما نالت جانيت عديدًا من الجوائز المتميزة على أبحاثها.

قابلتُ جانيت لأول مرة في عام 2000، وكانت فعّالية عقار الإيماتينب وقتها ذائعة الصيت. وبدلًا من أن تتناول جانيت ـ ذات الخمسة وسبعين عامًا ـ بإسهاب عملها الإبداعي فيما يتعلق بمرض اللوكيميا النخاعية المزمنة، أخذتْ تحدثني عن آليات جديدة مسبِّبة لمرض اللوكيميا النخاعية الحادة، كانت تدرسها في ذلك الوقت، وأنها تمارس السباحة بانتظام في بحيرة ميتشيجان، وأنها تستقل الدراجة من بيتها إلى العمل، والعكس.

كانت جانيت أيضًا صريحة بشأن معتقداتها.. فبالرغم من أنها خدمت بمجلس أخلاقيات الطب، الذي عيّن أعضاءه الرئيسُ السابق جورج دبليو بوش، إلا أنها كانت شديدة الانتقاد لسياسات حكومته التي حظرت التمويل الفيدرالي لأبحاث الخلايا الجذعية الجنينية. وفي عام 2009، وقفت بجانب الرئيس باراك أوباما، عندما قام برفع الحظر المذكور.

في عام 2012، تَمّ مَنْحي أنا وجانيت ونيكولاس لايدون جائزة اليابان على الجهود التي قمنا بها؛ والتي أدَّت إلى اكتشاف الإيماتينب. وبنهاية ذلك الأسبوع المليء بالمناسبات التي واكبت استلام الجائزة، كانت قُوايَ قد استُنفِدت تمامًا، بينما كانت جانيت ـ التي تكبرني بثلاثين عامًا، وبدأت تستجيب للعلاج الكيميائي لسرطان المبيض ـ ما زالت قوية. سألتُها كيف فعلَتْ كل هذا. أجابت ـ والبريق يملأ عينيها ـ بأنها فضّلت الاعتناء بأطفالها الثلاثة، وقتَ أنْ كان من الممكن أن تخلد إلى الراحة.

هذه هي جانيت.. كانت لديها طاقة وفضول كبيران، كما كانت كريمة ومتواضعة، وكانت لديها القدرة على أن تجعل المحيطين بها يشعرون بالرضا عن أنفسهم.