تحقيق إخباري

عــــودة الاستنساخ

قبل عشر سنوات صعد نجم وو سوك هوانج إلى قمة مجاله، قبل أن يخرجه التزوير والمراوغة في الممارسات الأخلاقية الحيوية عن طريقه المهني. فهل يمكن لشخص منبوذ علميًّا أن يحرِّر نفسه؟

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:

<p>سنَبي، أول كلب مستنسخ (إلى اليمين)، كان أحد نجاحات وو سوك هوانج. وحاليًا، يقوم هوانج بتوليد حيوانات مستنسخة بانتظام (إلى اليسار) في معهد بالقرب من سول.</p>

سنَبي، أول كلب مستنسخ (إلى اليمين)، كان أحد نجاحات وو سوك هوانج. وحاليًا، يقوم هوانج بتوليد حيوانات مستنسخة بانتظام (إلى اليسار) في معهد بالقرب من سول.

Left: Ahn Young-joon/AP; Right: David Cyranoski


تقبع مؤسسة سوام لأبحاث التكنولوجيا الحيوية في حضن أحد التلال المشجرة في جورو، وهو حيّ يقع على مشارف جنوب غرب سول. مظهرها المتقشف الهادئ والبارد في هذا اليوم الشتوي، بلونها الخارجي الأبيض الرمادي يناقض ضجيج النشاط داخلها.

الباب المقابل للردهة يؤدي إلى ممر يزخر بفوضى الكلاب. في الأكشاك الموجودة إلى اليسار، تتواثب كلاب درواس التبت وجِرَاء الراعي (الشيبرد) الأسترالية. ويتراقص تيرييه يوركشاير ذهابًا وإيابًا على رجليه الخلفيتين. وتعوي هجينة بالغة بقلق، خوفًا من الإبعاد، ولا تهدأ قبل أن يُعاد جَرْوَا بيجل ـ اللذان أنجبتهما ـ إلى حظيرتها. إنها لا تعرف أنها مجرد أُمّ بديلة، ولا أن الجَرَاء هي كلاب مستنسخة شديدة الغرابة، هُندست لتُظهِر أعراض مرض الزهايمر.

الجانب الأيمن من الممر يضم نافذة بحجم الجدار، تطل على غرفة العمليات. في الداخل، وو سوك هوانج، في ثوب الجرّاح الأزرق، وقبعته وقناعه، يتعامل مع كلبة في طور المخاض. إنه يُحَيِّي زواره من خلال سماعة الميكروفون المثبت على رأسه، ثم يوضح أن هذه حالة طوارئ: فأحد الجِرَاء عالق في عنق الرحم. يُجْرِي شَقًّا، ويفحص رحم الكلبة بدقة، إلى أن يخرج الجرو الصغير، الذي يبدو كإصبع نقانق أبيض. بعد مسحه، يمسكه هوانج ويقربه من أذنه، ليصغي إلى أصوات تنفسه، ثم يدلِّك برفق الجرو المتمايل؛ ليتأكد من أنه واعٍ، ويعود لإخراج الجرو الأخير. وبعد دقائق يعلن: «لقد أنقذنا الكلاب الثلاثة المستنسخة». وتلمع عينا هوانج بفخر.

قبل ثماني سنوات، لم يكن بوسع الكثير أن يتصوروا أنهم سيرقبون هذا المشهد البهيج. وكان هوانج ـ وهو باحث الاستنساخ الشهير عالميًّا ـ قد هوى لِتَوِّه من قمة النجاح العلمي، عندما اتضح أنه زوّر مقالين1،2 يصفان خطوط الخلايا الجذعية المشتقة من أجنة بشرية مستنسَخة. كانت هناك هفوات أخلاقية عديدة في الطريقة التي اتبعها هوانج في جمع البويضات البشرية لتجاربه، ووُجد أن البحثين كانا يحتويان على بيانات ملفَّقة، ثم سُحِبَا في نهاية المطاف. كانت واحدة من أكثر حالات الاحتيال العلمي المُبَلَّغ عنها على نطاق واسع، والمخيِّبة للآمال على مستوى العالم في التاريخ. في يناير 2006، وصف أون تشان تشونج ـ الذي كان حينذاك رئيس جامعة سول الوطنية، حيث قام هوانج بهذا البحث ـ العملَ بأنه «وصمة عار على المجتمع العلمي كله ـ بالإضافة إلى بلدنا ـ لا يمكن محوها».

كبر الصورة


وإذا كان من المتعذّر محو الوصمة، فربما يمكن طمسها من الذاكرة بمئات من المخالب والحوافر. وبتمويل خاص من المشجعين الصامدين، افتتح هوانج مؤسسة سوام في يوليو 2006. ومنذ ذلك الوقت استنسخ مئات الحيوانات.. كلابًا وأبقارًا وخنازير وذئابًا. وتشمل أهدافه إنتاج العقاقير، وعلاج داء السكري ومرض الزهايمر، وتوفير أعضاء للزرع، وحماية الأنواع المهدَّدة بالانقراض، وتخفيف أحزان مالكي الحيوانات الأليفة. كانت لديه مجموعة من المنشورات في دوريّات محترمة، ووجد تعاونًا داخل كوريا الجنوبية وخارجها، ودعمًا مؤسسيًّا متزايدًا من الهيئات الحكومية. من الصعب مزْج هذه الصورة مع صور هوانج الصادرة عن وسائل الإعلام الكورية الجنوبية في عام 2005، التي أحيطت بكثيرٍ من الجدل، حيث تم تصويره طريح سرير في أحد المستشفيات، غير حليق، وقيل إنه يعاني من إرهاق.

واليوم، يقلِّل هوانج من أهمية تورطه في التزوير. فهو يحتفظ بقاعدة من المؤيدين المتحمسين، يوجد معظمهم في كوريا الجنوبية. ويصرّ ـ خلافًا للإجماع العلمي ـ على أنه قام بالفعل بتخليق الخط الأول من الخلايا الجذعية الجنينية البشرية المستنسخة. وقد لاقى نجاحًا في الحصول على بعض الاعتراف القانوني بهذا الادعاء.

في ديسمبر الماضي، رحب بصحفيين في سوام، للقيام بجولة في مرافق المؤسسة، ولكي يروه وهو يولّد بعض الجِرَاء المستنسخة، لكنه رفض التعليق على هذه القصة. وكَتَبَ عن طريق البريد الإلكتروني قائلًا: «ربما بعد بضعة عقود من الزمن».


الاستنساخ من أجل الوطن

تدرَّب هوانج كطبيب بيطري، وذاعت شهرته في كوريا الجنوبية في أواخر التسعينات من القرن العشرين، بسبب استنساخه للحيوانات، ولإحاطة نفسه بحلفاء مهمين (انظر: «صعود وسقوط وصعود وو سوك هوانج»). ثم طلب من الرئيس حينذاك (كيم داي جونج) تسمية أول ثور مستنسَخ، ووعد بتحقيق طفرة زراعية وطنية تركز على المواشي المستنسَخة.

اتسعت شعبيته في كوريا الجنوبية، وفي عام 2004 أطلق شهرة عالمية عندما نشرت دورية «ساينس» بحثًا1 ادعى فيه أنه تمكَّن من إنشاء خط خلوي جذعي جنيني من جنين بشري مستنسخ، وهو أمر كانت عدة مجموعات تحاول القيام به. وبدا أن نجاح هوانج كان سيوفر إمدادات لا نهاية لها من الخلايا المتنوعة والمطابقة وراثيًّا لخلايا المانح. ومن خلال هذه العملية ـ التي غالبًا ما كانت تسمى الاستنساخ العلاجي ـ كان من المأمول أن يتمكن الأطباء من إعادة الشباب إلى الأنسجة أو الأعضاء المصابة بقصور، أو إمكانية استخدام الخلايا المأخوذة من الناس، والمصابة بأي مرض تقريبًا، في أغراض البحث وكشف العقاقير. في العام الذي تلاه، نشرت مجموعته بحثًا ثانيًا2، يصف تطور أحد عشر خطًّا خلويًّا آخر، مما يجعل العملية روتينية جدًّا بحيث بدا أن تطبيقاتها الإكلينيكية باتت وشيكة.

وحتى عندما كانت نجوميته في تصاعد، بدأت العيوب في الظهور. ففي مايو 2004، أخبرت إحدى طالبات هوانج في الدراسات العليا «نيتشر» أنها كانت قد تبرعت ببويضات من أجل تجارب البحث الأول (انظر: Nature 429, 3; 2004). كان زعمًا مثيرًا للجدل، حيث يخشى عديد من المتخصصين في الأخلاقيات البيولوجية ـ في حالة كهذه ـ من شعور الطلاب بالضغط لتحمُّل إجراء محفوف بالمخاطر، وغير مريح.

نفى هوانج التهمة؛ وتراجعت الطالبة عن بيانها، ولكن في نوفمبر 2005 ـ وبسبب أدلة متزايدة ـ اعترف هوانج بأنه كذب (انظر: Nature 438, 536–537; 2005). فقد تبرعت طالبتان بالبويضات؛ وكان هوانج قد أوصل إحداهما بنفسه إلى العيادة، حيث تبرعت ببويضاتها قبل أن تعود إلى المختبر؛ لمحاولة إنشاء خط خلوي مستنسخ عنها. كان هوانج قد دفع أيضًا للمتبرعات؛ من أجل الحصول على البويضات المستخدَمة في بحث عام 2004، مناقِضًا لما جاء في البحث. كما تابع تعويض المتبرعات، حتى بعد دخول قانون الأخلاقيات البيولوجية في كوريا الجنوبية ـ الذي يحظر هذه الممارسة ـ حيز التنفيذ في يناير 2005.

وسرعان ما تكشَّفت انتصارات هوانج عن المزيد.. ففي يناير 2006، أعلنت لجنة تحقيق جامعة سول الوطنية أن بحثيه عن الاستنساخ البشري كانا مزوَّرَيْن. ووجدت اللجنة أن الخط الخلوي الذي أشير إليه في عام 2004، والذي أطلق عليه اسم NT- 1، لم يتشكل نتيجة للاستنساخ، وربما كان نتاج التوالد العذري، أي «ولادة العذراء» العملية التي تبدأ البويضة من خلالها بالتطور الجنيني، دون تدخُّل الحيوانات المنوية. وقد اتضح أن الخطوط الخلوية الجذعية الأحد عشر ـ المدَّعى أنها مستنسَخة من مريض معين في بحث عام 2005 ـ إنما هي خطوط خلايا جذعية جنينية عادية، أُخذت من مستشفى للإخصاب، وتمت إعادة تسميتها. وقد تم تلفيق الصور والرسوم البيانية في كلا البحثين؛ لإعطائها مظهر المستنسخات. وخلص التقرير إلى أنه «لا توجد خطوط خلايا جذعية مستنسخة من مريض محدَّد بحوزة فريق البحث الخاص بالبروفيسور هوانج، كما لا توجد أسس علمية للإدعاء بأنه تمكَّن من تخليق أحدها».

تهاوت إمبراطورية هوانج، وطُرِد من جامعة سول الوطنية في مارس 2006. وداهم مكتب المدعي العام في سول مختبره، وفتحَ تحقيقًا شاملًا.

اعترف هوانج بالمسؤولية عن سوء الإشراف على مختبره، لكنه استمر في إصراره على أنه قد خُدع من قِبَل مؤلف مشارك. وأثناء التحقيق، اعترف أحد المؤلفين المشاركين أنه بدّل الخلايا الجذعية، دون معرفة هوانج، ولكن هوانج اعترف أيضًا أنه أمر مرؤوسيه بتلفيق البيانات. ونمت شبكة معقدة من اللوم، واعترف هوانج بتورطه في الاحتيال فيها، ولكنه استمر في الإصرار على أن الإنجاز كان حقيقيًّا.

هذا.. ولا يُعتبر تلفيق البيانات أمرًا غير قانوني في كوريا الجنوبية، على عكس استخدام مواد زائفة ـ عن علم مسبق ـ بغرض الحصول على التمويل. اتهم مكتب المدعي العام هوانج بالاحتيال، والاختلاس، وانتهاك الأخلاقيات البيولوجية، وتَلَتْ ذلك دعوى قضائية استمرت ثلاث سنوات. وفي عام 2009، ألغت المحكمة تهمة الاحتيال، وقالت إن الشركات المساهمة منحت المال وهي تعلم أن التبرع لن يعود عليها بفائدة، لكن هوانج أدين بانتهاك قانون الأخلاقيات البيولوجية في البلاد واختلاس الأموال الحكومية. وحُكم عليه بالسجن لمدة عامين. وخُفّف هذا الحكم فيما بعد إلى 18 شهرًا، وهو لا يزال قيد الاستئناف في المحكمة.. ولكنْ، حتى لو خسر هوانج الاستئناف، فلن يقضي أي وقت في السجن، طالما أنه لم يخالف القانون خلال فترة المراقبة، استنادًا إلى شون هايز، وهو شريك في شركة IPG القانونية في سول.


متابعة عنيدة

على الرغم من مشاكله القانونية، والاعتقاد السائد بأن حياته المهنية قد انتهت، واصل هوانج العمل، بفضل داعميه الذين جمعوا 3.5 مليون دولار لإطلاق سوام. ولَحِقَ حوالي 15 عالمًا من جامعة سول الوطنية بهوانج، واليوم بقي حوالي نصفهم بين 45 موظفًا في سوام. ويقوم فريقه الآن بتخليق نحو 300 جنين بقر وخنازير في اليوم الواحد، ويولّد حوالي 15 جروًا مستنسخًا في الشهر.

لطالما كان هوانج مهتمًا باستنساخ الكلاب. وفي عام 2005 أبلغ3 عن ولادة أول جرو مستنسَخ في العالم، وهو ادعاء جمّده التحقيق الذي تجريه جامعة سول الوطنية. ومنذ عام 2006، استنسخت مختبرات سوام أكثر من 400 كلب، معظمهما من الكلاب الأليفة. ويدفع الزبائن، ومعظمهم من الولايات المتحدة، حوالي 100,000 دولار أمريكي مقابل هذه الخدمة. وبدأت مختبرات سوام بتوريد الكلاب لوكالة الشرطة الوطنية الكورية في سول، على أمل أن مستنسخات الحيوانات التي تقدم خدمات مؤكدة ستتعلم بسرعة عملها ككلاب بوليسية. وفي العام الماضي، أطلقت مسابقة لصاحب كلب في المملكة المتحدة للحصول على كلب مستنسَخ مجانًا- مما سيجعله أول كلب مستنسخ في البلاد.

وعلى الرغم من أنّ بإمكان مختبرات سوام أن تكسب المزيد من المال من استنساخ الحيوانات الأليفة، إذا خفضت أسعارها وزادت من إنتاجها، إلا أن المنظمة غير الربحية تريد أن تكون أكثر من مصنع لاستنساخ الكلاب. «إنه مجرد مشروع ثانوي لتمويل بحوث مشروعاتنا الأخرى»، استنادًا لقول إنسنج هوانج، وهو عالِم في المعهد، أبدى موافقته على الحديث عن الأبحاث التي تُجرَى في سوام. وهو غير مرتبط بصلة قرابة مع وو سوك.

باستخدام تكنولوجيا الاستنساخ، تُنتج مختبرات سوام الأبقار التي تنتج بروتين الانترفيرون البشري في حليبها4، الذي يمكن استخدامه لعلاج عدد من الأمراض التي تصيب الإنسان، والخنازير التي يتم تحويرها وراثيًّا، بحيث تصبح أعضاؤها مناسبة لزرعها في البشر5. كما تمكَّن باحثو سوام أيضًا من إنتاج نماذج جديدة لمرض السكري عن طريق وضع الجينات المسبِّبة لأعراض المرض لدى الفئران في الخنازير6 والكلاب7 المستنسخة. وبالمثل، يتابع إنسنج هوانج، فكلب الصيد (بيجل) المعدل وراثيًّا في سوام، الذي يحمل الجينات المرتبطة بمرض الزهايمر، يُظهِر السمات المميِّزة للمرض. وقد استنسخ الباحثون في المعهد هذا الكلب (بيجل) 18 مرة أخرى، و ينتظرون ليروا ما إذا كانت هذه الكلاب ستُظهِر أيضًا أعراض المرض، أم لا.

ولا تتوقف طموحات سوام عند هذا الحد. ففي مارس 2012، بدأ المركز بالتعاون مع معهد العلوم البيئة التطبيقية في الشمال، وهو جزء من جامعة الشمال الشرقي الاتحادية في ياكوتسك، روسيا. وقد وحّدوا جهودهم في محاولة لاستنساخ الماموث من الأنسجة القديمة المحفورة في الأرض الدائمة التجلّد. وقد تلقّى هذا المشروع ضجة كبيرة، ولكن إنسنج هوانج يعترف بأنه هدف بعيد. «الاحتمالات ضئيلة جدًّا»، كما يقول.

كما تعمل سوام على توسيع قائمتها من الأنواع. وقد استنسخت بالفعل الذئاب Canis latrans)8) باستخدام بويضات الكلاب وأرحام كلاب بديلة، وتأمل الآن أن تبني على هذا العمل لاستنساخ الكلب البري الأفريقي (Lycaon pictus)، الذي يُعتبر واحدًا من أكثر الكائنات آكلات اللحوم المهدَّدة بالانقراض في أفريقيا.

وبتوجيه من وو سوك هوانج، نشر المعهد أكثر من 40 بحثًا يوثّق نجاحات الاستنساخ والتقدم التقني في عملية الاستنساخ. «تحقق مجموعته تقدمًا مهمًّا، وإنْ كان تدريجيًّا نحو تحقيق أهداف طويلة الأجل»، حسبما تقول سيندي تيان، الباحثة في بيولوجيا الاستنساخ والإنجاب في جامعة كونيتيكت في ستورز.

لقد جذبت الحادثة انتباه واهتمام الحكومة والناس العاديين.

إن حقيقة نشر أبحاث هوانج في الدوريّات المحكَّمة علميًّا علامة تشير إلى تقبّله مرة أخرى. يقول إنسنج هوانج إن الباحثين الذين يلتقي بهم غالبًا ما يطرحون موضوع الاحتيال، و«بعض المراجعين مترددون بعض الشيء» في أخذ مخطوطات سوام على محمل الجد، ولكن بشكل عام، يتم التعامل معها بعدل. تقول تيان ـ التي قامت بتحرير اثنين من أبحاث وو سوك هوانج لنشرها في بلوس وان ـ إن «تصميماته سليمة، واستنتاجاته تستند إلى بيانات جيدة». وتُتابع بقولها: «إنه احتمال بعيد جدًّا أن يستعمل «المحتال التائب» الخدعة نفسها مرة أخرى»، وذلك لأن عمل سوام غالبًا ما سيخضع للمراقبة الدقيقة، والباحثون هناك ملتزمون بأفضل ما لديهم من سلوك.

إن أكبر خطوة خطاها وو سوك هوانج لاستعادة الشرعية كانت إقامة مشارَكَة في شهر مارس 2013 مع معهد بيجين لدراسات الجينوم (BGI) فى شنتشن، الصين، وهو أكبر منشأة لدراسة التسلسل الجيني في العالم، إلى جانب كونه مصدر قوة في مجال النشر العلمي (انظر: Nature 464, 22-24; 2010). وهما يخططان معًا للنظر في التحولات الكروموسومية التي تحدِّد كيف يتم التعبير عن الجينات، وهو المجال الذي يُعرف باسم علم الوراثة غير الجينية. وتحليل التباين بين الحيوانات المستنسخة وكيف يمكن أن يتسبب في ظهور أنماط مختلفة من جلد الكلاب الخارجي على سبيل المثال، يمكن أن يكون وسيلة قوية لعمل كهذا.

يقول يانج هوانمينج، المؤسِّس المشارك لمؤسسة BGI، إنه أُعجب بمستوى مشاركة وو سوك هوانج بعد مراقبته ينظف مخلفات الجراء المستنسخة»، حيث يقول يانج «على المستوى الشخصي.. أحبه، وأحب طريقة عمله الجادة، ومدى شغفه العلمي».

وقد حصل وو سوك هوانج على دعم من الحكومة الكورية أيضًا. ويأتي حاليًا ما يقرب من %50 من تمويل سوام من المِنَح الحكومية، التي تتضمن 3 مليار وون (2.8 مليون دولار) على مدى ثلاث سنوات من مقاطعة جيونجي، المجاورة لسول، من أجل مشروعين لاستنساخ البقر، حسب قول إنسنج هوانج. وفي عامي 2012 و2013، أسهمت إدارة التنمية الريفية بحوالي 190 مليون وون لمشروع الأنترفيرون، و140 مليون وون للنماذج الحيوانية المعدّلة وراثيًّا من أجل أمراض التمثيل الغذائي.

ويبقى بعض العلماء حذرين. «إذا كنت قد لفَّقت البيانات مرة، فكيف يتسنى للمرء أن يعرف أنك لن تفعلها مجددًا؟» هكذا يتساءل هانز شولر، العالِم المتخصص في بيولوجيا الخلايا الجذعية في معهد ماكس بلانك للطب الحيوي الجزيئي في مونستر، ألمانيا. وعند النظر في المحاولة المستبعَدة لاستنساخ الماموث، يشعر جونج سن سيو ـ مدير معهد الطب الجينومي في جامعة سول الوطنية ـ وكأنه يستعيد رؤية قديمة، إذ يقول: «أخشى أن يكون الأمر لمجرد الاستعراض». ويتابع بقوله إنه لا يعارض حصول وو سوك هوانج على منح لاستنساخ الحيوانات، لكنه يرسم خطًّا أمام أبحاث الاستنساخ البشري. ويضيف سيو قائلًا: «هوانج لا يعرف ميول الخلايا الجذعية. ويجب عليه الالتزام بالتكنولوجيا القوية التي طورها لاستنساخ الحيوان».


خط من الاستفسارات

يعتزم وو سوك هوانج ـ مع ذلك ـ العودة إلى الاستنساخ البشري العلاجي، لكنه ربما كان يحاول ركوب موجة قد مرّت بالفعل. فهناك تقنية منافسة (وهي تعدد القدرات المحفّزة، التي اكتُشفت في عام 2006) تتمكن من تخليق الخلايا الجذعية من خلايا بالغة، متفاديةً بذلك صعوبة إيجاد مصادر البويضات البشرية، مقابل الجدل بتدمير الجنين. وقد لقي الإعلان9 الذي صدر في العام الماضي بخصوص التمكن أخيرًا من إنشاء خط خلوي من الخلايا الجذعية البشرية من جنين مستنسخ قبولًا أكثر تحفظًا من المهرجان الذي استُقبل به إعلان هوانج عن بحثه الذي فقد مصداقيته الآن.

وفي عام 2007، منحت وزارة الصحة الكورية مؤسسة سوام موافقتها على إجراء البحوث باستخدام الأجنة البشرية. لكن الموافقة على بدء مشاريع محددة للاستنساخ العلاجي البشري رُفضت مرتين حتى الآن. يقول إنسنج هوانج إنهم لم يحصلوا على أي تبرير، ولكنه يعتقد أن الجهود الجارية لإثبات أن خط الخلايا NT- 1 كان في الواقع مستمدًّا من نسيلة أصيلة قد تمهِّد الطريق لموافقات مستقبلية.

حقق وو سوك هوانج بعض التقدم في إقناع الجهات الرسمية بأصالة NT-1. وفي عام 2012، أمرت محكمة سيول المركز الكوري للتحكم في الأمراض والوقاية منها بتسجيل الخط الخلوي، على الرغم من أن هذا لا يشير إلى أصولها. وكانت الوكالة قد رفضت الأمر في البداية على أساس أن البويضات المستخدَمة في التجارب قد تم الحصول عليها بشكل غير أخلاقي، لأن مانحيها كانوا يتلقون أموالًا مقابلها، لكنها اضطرت إلى إبداء مرونة، لأن البويضات المستخدَمة لتخليق الخط الخلوي NT -1 كان قد تم الحصول عليها قبل أن يدخل قانون الأخلاقيات البيولوجية ـ الذي يحظر هذه الممارسة ـ حيّز التنفيذ.

وفي عام 2011 ، أصدرت كندا براءة اختراع لمؤسسة سوام، تشير إلى NT -1 كخط خلوي مستنسخ. ويقول إنسنج هوانج إن براءات الاختراع الأخرى ما تزال معلّقة من حوالي ستة بلدان يعتبرها «الأكثر رمزية».

في مرحلة ما، كان من الواضح أن مخاطر فشل الدكتور هوانج كانت مرتفعة جدًّا.

سيكون الحصول على اعتراف بالخط الخلوي المستنسخ NT -1 من المجتمع العلمي أمرًا صعبًا، ولكن البحث الذي أشير فيه1 إلى أن الخط الخلوي المستنسخ NT -1 كان ملفقًا بوضوح وتمّ سحبه. كانت النتيجة التي توصلت إليها جامعة سول الوطنية أن هذا الخط كان نتيجة للتوالد العذري، وقد تلقى تحليلًا داعمًا10 كتبه جورج دالي، وهو عالِم متخصص في بيولوجيا الخلايا الجذعية في جامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس. وقال إنه نظر إلى الآلاف من مواقع الحمض النووي في الخط الخلوي؛ ووجد أن الكروموسومات احتوت على نماذج لإعادة التركيب مماثلة ـ بشكل لافت للنظر ـ لتلك الموجودة في خلايا الفأر المستولد عذريًّا. وهو دليل يصفه دالي بأنه «لا لبس فيه».

وفي عام 2011 جادلت دراسة11 ـ أجراها إيوي باي جيونج من جامعة تشونجباك الوطنية في تشونج جو، كوريا الجنوبية ـ بأن الخط الخلوي المستنسخ NT -1 أتى بالفعل من نسيلة حقيقية. ويستند هذا التحليل إلى التشابه بين الطريقة التي تتم بها مَثْيَلة الجينات والتعبير عنها في الخط الخلوي، وبين الخلايا الآتية من المتبرع.

يقول ماهندرا راو ـ مدير المركز الأمريكي للطب التجديدي في بيثيسدا بولاية ميريلاند ـ إن التحليلين يكتنفهما الغموض. ويضيف قائلًا إنه يعتقد أن البيانات التي أوردها دالي أقوى، ولكن «المطلوب مزيد من التقييم».

قد يكون الدليل الأكثر إقناعًا ضد كون الخط الخلوي المستنسخ NT -1 نسيلة حقيقية موجودًا في مختبر وو سوك هوانج نفسه. ففي عام 2003، عندما كان الباحثون يعدّون بحثهم، أشارت عدة اختبارات إلى أن الخط الخلوي المستنسخ NT -1 قد يكون نتاج توالد عذري، وفقًا لقائد الفريق يونج جون ريو. ويلاحظ تقرير المدعي العام في سول أن باحثًا آخر، سونج كيون كانج، الأستاذ السابق في جامعة سول الوطنية وساعد هوانج الأيمن، كان قد عاد، وغَيَّر نتائج الاختبار.

ويرى عديد من علماء الخلايا الجذعية فشل وو سوك هوانج في نشر أن الخط الخلوي المستنسخ NT -1 هو نتاج توالد عذري كفرصة ضائعة12. يقول شولر إنه «كان بوسعه أن يحقق نجاحًا مهنيًّا من دراسة تفعيل التوالد العذري».


فرص ثانية

هناك خلط لآراء وو سوك هوانج بين الناس. فقد خلّفت تصرفاته شعورًا لدى عديد من المرضى بتعرضهم للخيانة، على الرغم من أن بعضهم واصل دعمه بحماس. واصلت سوزان فايت ـ التي أصيبت بالشلل إثر حادث سيارة، والتي تعهد هوانج بجعلها تمشي مرة أخرى ـ تصديقه بعد كشف الاحتيال. وقالت في عام 2006: «تحدثت معه لمدة أربع ساعات. لقد رأيت الدموع في عينيه. ولا أعتقد أنه كان يضلِّل أي شخص». توفيت فايت في عام 2010.

يبدو أن نتائج الفضيحة لم تكن كارثية على دعم أبحاث الخلايا الجذعية في جميع أنحاء العالم كما كان يُخشى. والأكثر من ذلك أن البعض في كوريا الجنوبية يشيد بالحادثة، ويعتبرها مسؤولة جزئيًّا عن الطفرة الأخيرة في تمويل الخلايا الجذعية في البلاد (انظر Nature http://doi.org/qv5; 2012). يقول هيو سو كيم، عالِم الخلايا الجذعية في مستشفى جامعة سول الوطنية: «لقد كانت مفيدة، وجذبت انتباه واهتمام الحكومة والناس العاديين».

لقد وافقت كوريا الجنوبية الآن على علاجات بالخلايا الجذعية أكثر من أي بلدٍ آخر. وأحد هذه العلاجات التي تستخدم الخلايا الجذعية المأخوذة من الحبل السري لمعالجة الفصال العظمي حصل على الموافقة في عام 2012، وتجريه شركة التكنولوجيا الحيوية «ميديبوست» Medipost في سول. يلاحظ أنطونيو لي ـ الرئيس التنفيذي لفرع الشركة في الولايات المتحدة ـ أن الشركة واجهت صعوبات في إدراج المرضى بعد الفضيحة مباشرة، «ولكنها في الوقت نفسه رفعت مستوى الوعي عن إمكانات الخلايا الجذعية بين الناس».

وعمومًا، لم تؤدّ القضية إلى اهتزاز كبير في ثقة الناس، وفقًا لقول بيرند بولفيرير، رئيس المنشورات العلمية في المنظمة الأوروبية للبيولوجيا الجزيئية في هايدلبرج، ألمانيا، على الرغم من أنها لم تطرح تساؤلات مهمة حول كيفية مرور المشاكل، دون أن تُكشف لفترة طويلة. «أحد الأمور الواضحة التي ظهرت هو خطورة تركيز مثل هذه التوقعات المكثفة على أداء شخص واحد، وتوجيه الكثير من التمويل نحوه»، حسب قوله. «في مرحلة ما، كان من الواضح أن مخاطر فشل الدكتور هوانج كانت ـ ببساطة ـ مرتفعة جدًّا». وبالنسبة إلى المؤسسة البحثية ككل، يضيف قائلًا: «لستُ واثقًا من تغير أي شيء بشكل جذري».

أما بالنسبة إلى وو سوك هوانج ـ الذي كان في مركز اهتمام مكثف من وسائل الإعلام ـ فلا شك أن الأمور قد تغيّرت. إنه يتناول طعامه في الكافتيريا الباردة في مؤسسة سوام، مرتديًا سترة سميكة، ويتجاذب أطراف الحديث بهدوء مع عدد من الموظفين. سيلقي التحية على صحفي ويصافحه، لكنه لا يرغب في الحديث عما حدث. ويزداد عدد الناس الذين يحيطون بهوانج، وهم يبالغون في هذا؛ مما يزيد من مساحة طموحاته في التوسع، دون تذكيره المستمر باخفاقاته. وعندما ينتهي من تناول طعام الغداء، يتسلل بعيدًا، عائدًا إلى كلابه متزايدة العدد باستمرار، وآماله غير المحقَّقة.

  1. Hwang, W. S. et al. Science 303, 16691674 (2004).

  2. Hwang, W. S. et al. Science 308, 17771783 (2005).

  3. Lee, B. C. et al. Nature 436, 641 (2005).

  4. Jung, E.-M. et al. Mol. Med. Rep. 7, 406412 (2013).

  5. Jeong, Y.-H. et al. PLoS ONE 8, e63241 (2013).

  6. Jung, E.-M. et al. Mol. Med. Rep. 6, 239245 (2012).

  7. Jeong, Y. W. et al. Int. J. Mol. Med. 30, 321329 (2012).

  8. Hwang, I. et al. Reprod. Fertil. Dev. 25, 11421148 (2012).

  9. Tachibana, M. et al. Cell 153, 12281238 (2013).

  10. Kim, K. et al. Cell Stem Cell 1, 346352 (2007).

  11. Jung, E.-M. et al. Int. J. Mol. Med. 28, 697704 (2011).

  12. De Sousa, P. A. & Wilmut, I. Cell Stem Cell 1, 243244 (2007).