أخبار

إطلاق مشروع حَفْر بحري

تأمل البعثة الدولية في كشف أسرار بحر الصين الجنوبي، أحد أهم بحار العالم جيولوجيًّا.

جين تشيو
  • Published online:


<br><p>أدَّى تَفَكُّك قارة أوراسيا منذ عشرات الملايين من السنين إلى تكوين جُزُر، مثل بالاوان.</p>


أدَّى تَفَكُّك قارة أوراسيا منذ عشرات الملايين من السنين إلى تكوين جُزُر، مثل بالاوان.

Per-Andre Hoffmann/Picture Press/Alamy


يُعرف بحر الصين الجنوبي على نحو جيد بتوتراته الجيوسياسية، لكن المعروف عن ضغوطه وتوتراته الجيولوجية يعتبر قليلًا. وهذا بصدد التغير.

في يوم28 يناير الماضي، أبحر فريق دولي من العلماء - من دول تشمل الصين والفلبين والهند والولايات المتحدة – من هونج كونج على متن سفينة الأبحاث «JOIDES Resolution»، ما يمثل علامة لأول بعثة من «البرنامج الدولي لاستكشاف المحيط» (IODP )، وسابقًا باسم «البرنامج المتكامل لحفر المحيط». وهو يرمي إلى تحديد عمر بحر الصين الجنوبي، وإنهاء الجدل المستمر حول كيفية تكوينه.

يحتل البحر ـ بمساحته البالغة أكثر من 3 ملايين كم مربع، وآلاف الجزر والشعاب ـ موقعًا علميًّا مثيرًا للاهتمام بين أعلى جبال العالم، الهيمالايا، والنقطة الأعمق على سطح الأرض، خندق ماريانا في غرب المحيط الهادئ.

 إنه «مختبر طبيعي لدراسة تفكك قارة وتكوين حوض رسوبي»، كما يقول دايتر فرانك، الجيولوجي بالمعهد الاتحادي لعلوم الأرض والموارد الطبيعية في هانوفر، بألمانيا، الذي لم يشارك في البعثة. والبحر، نسبيًّا، له حجم صغير وعمر حديث (يتراوح بين 25 مليون، و42 مليون سنة) حين يقارن بأحواض المحيط الكبرى (فصفيحة المحيط الهادئ يمكن عزو عمرها إلى مئتي مليون سنة على الأقل)، ما يعني أنه من الممكن التحقق من تاريخه كله من خلال بعثتي «البرنامج الدولي لاستكشاف المحيط»، كما يقول فرانك.

كبر الصورة


هناك القليل المعروف عن تكوين بحر الصين الجنوبي. فالقشرة الأرضية تحته تكونت بعد أن بدأ جزء من قارة أوراسيا ـ التي كانت ذات مرة مكانه ـ في التمدد باتجاه شمال–جنوب. وبينما كان التمدد آخذًا في الاستمرار، أصبحت القارة تدريجيًّا أرق سمكًا. وعند نقطةٍ ما تفككت، وانبعثت صهارة تجمدت وتحركت بعيدًا عن مواقع التدفق، وهي العملية التي تُسمى (انتشار قاع البحر). انجرفت كتلة اليابسة إلى الجنوب، وتفككت إلى أجزاء، ونشأت جزر، مثل بالاوان في الفليبين وبورينيو.

على مدى عقود، يجادل الجيولوجيون بعضهم بعضًا حول سبب تمدد القارة وتفككها في المقام الأول. ومن بين الأفكار المطروحة أن السبب كان اصطدام بين قارة أوراسيا وشبه القارة الهندية؛ أي أن القارة القديمة انبعجت، بينما الصفيحة المحيطية القديمة انزلقت أسفل الصين الحالية؛ أو أن صفيحة الهادئ انسحبت مبتعدةً عن الساحل الأوراسي.

«تستند الفرضيات على أدلة ظرفية فحسب. وينبع الكثير من الجدل من تقديرات مختلفة بشأن عمر البحر»، كما يقول جيان لين، وهو جيوفيزيائي بحري بمعهد وودز هول لعلوم المحيطات في ماساتشوستس، والرئيس المشارك بمشروع الحفر. وحتى وقت قريب، قام العلماء بعمل تقديرات حول عمره عن طريق قطر جهاز يُسمى مقياس المغناطيسية بطول سطح البحر. فالصخور المحيطية التقطت اتجاه المجال المغناطيسي للأرض في الوقت الذي تكونت فيه، ويمكن استخدام هذه المعلومات في تأريخها.

و«هناك طرق مختلفة لتفسير البيانات، وقد تتباين النتائج بشدة»، كما يقول بول تابونير، الجيولوجي بجامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة، الذي لم يشارك في هذه الرحلة. وعلى سبيل المثال.. ثمة اعتقاد بأن انتشار قاع البحر بالحوض الثانوي الجنوب غربي قد بدأ منذ 25 مليون إلى 42 مليون سنة، وانتهى منذ 16 مليون إلى 35 مليون سنة. و«الطريقة الوحيدة لحسم الجدل هي قياس عمر قشرة المحيط مباشرة» كما يقول تابونير.

وخلال شهري فبراير ومارس 2014، يقوم الفريق بحفر حوالي كيلومترين في قاع البحر؛ لجمع عينات من الصخور (انظر: «تغير البحر»). وسوف تمكِّن التحاليل الجيوكيميائية والجيوفيزيائية الباحثين من تحديد أعمار الصخور وخصائصها. وهذا يمكن أن يوصل إلى معلومات عن نشأتها. وبالحفر في مواقع مختلفة، سيكون العلماء قادرين على تحديد متى بدأ قاع البحر في الانتشار بدقة، ومتى انتهت العملية.

«هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه، قبل أن نبدأ معًا في تجميع أجزاء اللغز»، كما يقول تشون فنج لى، الجيوفيزيائي البحري بجامعة تونجي في شنجهاي بالصين، والباحث الرئيس المشارك الآخر في المشروع. وبمجرد أن يُعرف عمر قاع البحر بدقة، سيكون الباحثون قادرين على عمل ارتباطات مع توقيت الأحداث الأخرى المصاحبة لنشوء بحر الصين الجنوبي، مثل تراجع صفيحة الهادئ القديمة. إن تحديد نشأة الصخور سوف يساعد أيضًا على تعيين أي فرضيات التفكك القاري هي الأكثر احتمالًا.

يقول فنج لي: «إن البعثة لن تكون سوى خطوة أولى نحو فهم شامل لكيفية فتح بحر الصين الجنوبي وغيره من البحار الثانوية». وقد تم بالفعل تقديم خطة إلى برنامج «البرنامج الدولي لاستكشاف المحيط»؛ لمتابعة المشروع؛ من أجل التحقيق في عملية التصدع بمزيد من التفصيل.

إن أهمية كشف التاريخ الجيولوجي لبحر الصين الجنوبي «تتجاوز الفضول الأكاديمي» كما يقول فرانك. فالنفط والغاز يتراكمان بصورة طبيعية عند الحواف القارية، حيث يحدث التصدع، وإن فهمًا أفضل لوقت تكوين الأحواض وكيفيته سوف يُعِين على تحديد أماكن احتياطيات جديدة، على حد قوله. ويمكن أيضًا تيسير بحوث الزلازل الخاصة بخندق مانيلا في المحيط الهادئ، كما تقول أليسا بليو-ألامباي، المتخصصة في الجيولوجيا البحرية بجامعة فلبين ديليمان في كويزون سيتي، والعضو بالمشروع. فالخندق نشأ والقشرة المحيطية لبحر الصين الجنوبي بدأت في الغوص تحت صفيحة بحر الفلبين، وهي العملية التي استمرت إلى يومنا هذا؛ وتسبِّب زلازل متكررة. تقول أليسا: «إن الفهم السليم لبحر الصين الجنوبي طال انتظاره».