رؤية كونية

ضرورة إبقاء البيانات الفسيولوجيّة سِرِّيَّة

«يجب تنظيم عمل الأجهزة الإلكترونيّة، الّتي تُتابِع المشاعر، أو نبض القلب، أو الموجات الدماغيّة الخاصّة بنا، بما يسمح بحماية الخصوصيّة» ستيفِن فيركلو.

ستيفن فيركلو
  • Published online:

تُرَى، ما عدد الأشخاص الذين يمتلكون جهاز "إكس بوكس 1" برّاقًا أسفل أجهزة التلفاز الخاصّة بهم؟ يُعدّ هذا الجهاز الجديد مهمًّا؛ ليس فقط لما به من ألعاب ورسوم.. فهو يتميّز بكاميرا يُمكنها متابعة نبض القلب لمن يجلسون في الغرفة نفسها. وقد صُمّم المستشعر  ـ في الأساس ـ للتمرينات بما يسمح للّاعبين بمتابعة تغيّرات القلب أثناء النشاط البدني. وجدير  بالذكر أنّ النوع نفسه من الأجهزة يستطيع أن يقوم بالمتابعة والمرور على تفاصيل الاستجابات الفسيولوجيّة لإعلانات التلفاز، أو أفلام الرعب، أو حتّى نشرات الأخبار السياسيّة.

يُعَدّ "إكس بوكس 1" الجهاز الأوّل المُتاح للمُستهلك الّذي يُمكنه الدمج الدائم لتقنية يُطلق عليها اسم الحوسبة الفسيولوجيّة. يهدف مَنْ يعمل منا في هذا المجال إلى تحويل الطريقة الّتي يقوم بها الناس باستخدام الأجهزة الإلكترونيّة في الحياة اليوميّة، والتحكّم فيها، والتفاعل معها، لكنْ كغيرها من التقنيات.. هناك جانب مُظلم لها، فمن ضمن المخاوف الرئيسة ما قد يحدث من انتهاك مُحتمَل للخصوصيّة. يقترح النداء الجمعي لجهاز "إكس بوكس 1" الانتشار الواسع المحتمَل لمثل هذه الأدوات، ويُعدّ الوقت الحالي مناسبًا لأخذ منافع التكنولوجيا ومخاطرها في الحسبان، بخاصّة في أعقاب المؤتمر الدولي الأوّل المخصّص لهذا الموضوع، الذي انعقد في يناير الماضي في لشبونة (www.physcs.org).

ولا يَعتبِر أغلبُ الناس الجسمَ البشري جهازًا للإرسال، لكنّ الجهاز العصبي في أجسادنا يقوم بتوليد بيانات بصفة مستمرّة، بدءًا من النبضة الأولى لقلب الجنين، حتّى النَّفَس الأخير. وتقوم الحوسبة الفسيولوجيّة بتحويل هذه البيانات إلى مُدخلات محكمة لجهاز حوسبة باستخدام الإشارات كوسيط مناظر للوحة المفاتيح والفأرة التقليديَّيْن. وعلى سبيل المثال.. فإنّ الوصلات البينِيّة بين الدماغ والحاسوب يُمكنها تحريك المؤشِّر فعليًّا على شاشة، استجابةً للتذبذب الكهربي في الدماغ.

يمكن للتقنية نفسها متابعة النشاط التلقائي لكلٍّ من الدماغ والجسد؛ للاستدلال على الحالة العاطفية والذهنية لمستخدِم الحاسوب. وعلى سبيل المثال.. يُمكن استشعار التغيّر المزاجي ـ كالغضب، أو الإحباط ـ من تغيّرات بسيطة في نشاط الجهاز الدوري أو أنماط التنفّس، كما يُحدث التركيز الزائد في مهمّات ذهنية صعبة تغيّرات متميّزة في تنشيط الدماغ، وهو ما يُمكن التقاطه بواسطة جهاز  رسم المخ الكهربي (EEG).

يُريد العلماء استخدام هذه التغيّرات الفسيولوجيّة لخلق تقنية يُمكنها الاستجابة للأوضاع وتعديل الظروف بما يُحسِّن التفاعل بين الإنسان والحاسوب. فهناك جهاز حاسوب شخصي يُمكنه التعرّف على الإحباط من بيانات يجمعها من القلب، ويُمكن برمجته لعرض المساعدة، أو حتّى تشغيل موسيقى هادئة، وكذلك يُمكن لمستشعرات الهواتف أن تقوم بالتركيز على الضغط العصبي أثناء الحركة في مرور مكتظّ، أو طقس سيِّئ، وتحويل جميع المكالمات تلقائيًّا إلى البريد الصوتي. هذا السيناريو ـ الذي تقوم فيه البرامج بالتأقلم بطريقة فاعلة وخفيّة مع الإشارات الديناميكيّة الصادرة من المستخدم ـ يمثِّل نقلة جذريّة في كيفيّة تفاعلنا حاليًا مع أجهزة الحاسوب.

المعلومات التي يتم جمعها حول فسيولوجيّة شخصٍ ما يجب اعتبارها مملوكة لذلك الشخص

لنذكر مثالًا جيدًا، وهو الصحّة الرقميّة الّتي تقوم فيها أجهزة ومستشعرات لاسلكيّة بتسجيل النشاط الفسيولوجي بما يطرح ثروة من المعلومات الكميّة حول نوعية الحياة والرفاهية. يُمكن لهذه البيانات أن تكشف عن تأثير التغيّر في التمرينات أو الغذاء على المؤشرات الفسيولوجيّة كنشاط المنظومة الدموية. فعلى سبيل المثال.. تمكَّن زميل ارتدى شريطًا صدريًّا بصفة مستمرّة طوال عام كامل أن يتعرّف على كيفية تأثير ضغظ العمل على نمط النوم الخاص به. بهذا.. يُمكن القول إنّ هذا النوع من القياسات المتحرّكة ـ والتجميع التراكمي للبيانات ـ يُمكنه توصيل بيانات كبيرة على مستوى الفرد.

يظلّ إلى الآن العائقُ الأساسي أمام تطوير هذه التقنية هو ندرة المستشعرات الّتي تمتاز بكونها مستترة وبأنها توصِّل البيانات عالية الجودة في آن واحد. ومجال المستشعرات القابلة للارتداء في تطوّر متسارع بصورة غير طبيعيّة. فالصورة التقليديّة للمتطوّع المُحاط بالأسلاك في المعمل تتراجع في مقابل صورة أخرى، تقوم فيها المستقبِلات المتنقِّلة بنقل البيانات إلى أجهزة متحرّكة. ووجود الكاميرات في جميع أجهزة التليفونات الذكيّة يعني أنّه مع وجود التطبيق الصحيح يُمكن استشعار نبض القلب من الإصبع، أو حتّى من الوجه عن بُعْد. ومع تحسُّن قدرات المستشعرات.. يزداد قبولهم الشعبي، وبالتالي فإنّ انتشارها سيؤدّي بدوره إلى الارتقاء بجودة البيانات الّتي يمكنها توليدها، وعدد مرّات الاستخدام الّتي يمكن تطبيقها. على سبيل المثال.. يمكن للمتابعة المستمرّة لرسم المخ باستخدام معدّات متنقّلة أن تكشف عن أنماط من النشاط الدماغي تُميّز الصرع. وتُعدّ هذه معلومات مفيدة، ليس فقط على مستوى الأفراد، وإنما لصناعة التأمين الصحي بوجه عام. تطرح هذه التطورات أسئلة مُلِحَّة، منها: مَنْ يملك البيانات؟ ومَنْ سيُسمح له بجمع وتخزين هذه المعلومات؟.

لن أقوم أبدًا كباحث بمتابعة فسيولوجيّة لشخص ما في المعمل أو المجال، بدون إقرار منه، ولكنْ تبقى المخاوف المحيطة بالخصوصيّة أمرًا حقيقيًّا. وأعتقد أنّ معظم الناس سيكونون أكثر ارتياحًا بهذا النوع من التقنية، إذا تمكَّنّا من توفير التنظيم أو حماية الخصوصيّة بشكل عاجل، غير آجِل. لقد أثار التقدّم في علم الجينات والتسلسل الجيني مخاوف مشروعة حول قدرة أطراف أخرى على الحصول على الحمض النووي الخاص بشخص ما، وإخضاعه للمسح.. ربّما أُخذ من كوب قهوة مستخدم لاختبار الأبوّة عند وجود خلاف حولها، على سبيل المثال. (يتطلب قانون المملكة المتّحدة الحصول على إقرار لمثل هذه الاختبارات). وبالمثل، يحتاج مجال الحوسبة الفسيولوجيّة إلى تحديد القواعد والإرشادات للباحثين وغيرهم.

ما زلنا في بداية هذا النقاش، ولكن هناك نقطة محورية يجب أن تؤسّس لجميع النقاشات المستقبليّة. يجب أن يتم الحفاظ على المعلومات التي يتمّ تجميعها حول فسيولوجيّة شخص ما، وكأنّها مملوكة لذلك الشخص. فالوضع الافتراضي الذي يجب أن يكون هو أن هذه البيانات سريّة بالدرجة نفسها للسجلّات الطبيّة، لأنها كذلك بالفعل.