رؤية كونية

لم تكن نزهة إلى القارة القطبية الجنوبية

بعد أن حوصرت سفينته القطبية وسط الجليد البحري المتحرك، يدافع كريس ترني عن الأساس العلمي للبعثة.

كريس تِرني
  • Published online:

Andrew Peacock/Reuters/Corbis

وأنا جالس الآن في قاعة السفينة الملحقة بكاسحة الجليد الأسترالية، أورورا أستراليس Aurora Australis، في أمان بصحبة الأصدقاء والزملاء، وعائدًا أدراجي إلى الحضارة، يمكنني القول إنها كانت رحلة استثنائية.

على مدار الأسابيع الستة الأخيرة، وعلى متن كاسحة الجليد الروسية شوكالسكي (MV Akademik Shokalskiy)، قُدت أنا وزميلي كريس فوجويل فريقًا من العلماء، وناشري العلوم وبعض المتطوعين في رحلة من الجزر النيوزيلندية القريبة من القارة القطبية الجنوبية إلى الغطاء الجليدي الشرقي للقارة. كان الهدف من الرحلة دراسة عدة جوانب متعلقة بهذه المنطقة الشاسعة النائية؛ لفهم دورها في المنظومة الأرضية، وإيصال هذه النتائج مباشرة إلى العامة. مع ذلك.. لم يطَّلِع أغلب الناس على أعمالنا إلا عندما تَعَثَّرنا في الجليد؛ ودَعَت الحاجة إلى إنقاذنا.

هذه هي حقيقة عِلْم المناطق القطبية. إنه علمٌ صعب.. فكل موسم تقريبًا، تَعْلَق السفن في الجليد البحري، وتفقد فِرَق العمل اتصالاتها، وأحيانًا تُفقَد الطائرات بطريقة مفجعة. ويُدرك الموقِّعون على اتفاقية القطب الجليدي الجنوبي أن كل برنامج علمي يدعم الآخر، ولذا.. فإن السفن الحكومية وغير الحكومية تساعد بعضها بعضًا بشكل روتيني.

ماذا أصاب السفينة شوكالسكي؟ على النقيض من بعض التقارير، لم تتجمد السفينة، بل عَلِقَتْ بفعل ثلوج بَحرِيّة مُعادة التجمُّع، أطاحت بها العواصف العاتية. الأهم من ذلك.. أن الفريق بات في أمان الآن، وأننا مُمْتَنُّون للجهود الدولية التي بُذلت لإنقاذنا.

هل كان بالإمكان تفادي هذا الموقف؟ إنّ بيانات القمر الصناعي التي قادتنا إلى الوصول إلى خليج الكومنولث بالقطب الجنوبي أشارت إلى أن المنطقة خالية من الثلوج، وبدت المنطقة كذلك حقًا لفترة من الزمن، إلا أننا، وبينما كانت شوكالسكي تهمّ بالرحيل، وجدنا أنفسنا محاطين بكمية مهولة من الثلوج المنهمرة المتشكِّلة منذ عدة سنين. كان هذا حدثًا خطيرًا، حيث أحاطت بالسفينة كُتَلٌ من الجليد البحري، يتجاوز ارتفاعها الأمتار الثلاثة، ومن الواضح أنها وصلت من الجانب الآخر من نهر ميرتس الجليدي. ورغم الجهود المُثلى التي بذلها قائدنا، لم نستطع العثور على مهرب من هذا الفخ. كان الموقف محبِطًا بشدة. فقد حوصرنا على مسافة تقرب من ميلين إلى أربعة أميال بحرية (3.7-7.4 كم) من حافة الجليد البحري. وفي ظل رياح جنوبية شرقية تضرب موقعنا، ازدادت هذه المسافة إلى 20 ميلًا بحريًّا في غضون 48 ساعة.

يشهد على الطبيعة القاسية للظروف التي كنا نعيشها المصيرُ الذي حاق بكاسحة الجليد الصينية التي جاءت لإنقاذنا.. فبينما كنت أخطّ هذا المقال (وذلك في أوائل يناير 2014)، كانت تلك السفينة محاصرة أيضًا، وفي انتظار وصول السفينة الأمريكية الضخمة "بولار ستار"؛ كي تفسح لها طريقًا؛ لتخرج من أزمتها إلى البحار المفتوحة.

لم تصل أي بعثةٍ علمية إلى هذا العدد الهائل من الناس على الهواء، ومن موقعٍ بعيدٍ كهذا

منذ أن ذاعت أنباء مصيبتنا في شتى أرجاء العالم، ذُهلتُ من مستوى النقد الذي تعرّضت له بعثتنا العلمية. لم تكن هذه نزهة بحرية.. فالمهمة العلمية استغرقت عامين لتطويرها، وصادقت عليها إدارة نيوزيلندا للحفاظ على البيئة، وهيئة منتزهات تسمانيا، وشُعبة القطب الجنوبي الأسترالية.

ظلت أسئلة علمية رئيسة حيال المنطقة التي أبحرنا فيها مُعَلَّقَة. إذ ثمة تحرُّك جنوبي للرياح الغربية يؤثر على التيار القطبي الجنوبي المحيطي، مما يزيد من التقلُّب الموجي العابر للمياه القطبية العميقة على الجرف القاري القطبي الجنوبي. في الوقت نفسه، فقد تشكَّل الجليد البحري الموسَّع في خليج كومنولث بعد اصطدام الجبل الجليدي المهول المعروف باسم B09B بلسان نهر ميرتس الجليدي؛ ليدمِّره في عام 2010. ويجاور هذا النهر ممرّ ميرتس البحري بين الكتل الجليدية، وهو بمثابة مساحة شاسعة من المياه المفتوحة المحاطة بالجليد، ومصدر أساسي لتَكَوُّن مياه أعماق القارة القطبية الجنوبية. أردنا أن نجمع بيانات عن آثار كلٍّ من هذه الأحداث على الدوران، وخصائص المحيط والتنوع الحيوي، واستقرار الغطاء الجليدي الشرقي للقطب الجنوبي.

لم تصل أيّ بعثة علمية إلى هذا العدد الهائل من الناس على الهواء ومن موقع بعيد كهذا. فقد كان إشراك الجمهور فكرة جوهرية. وقبل أن نقع في المشكلة بفترة طويلة، نشرنا تقارير يومية على شبكة الإنترنت عن أبحاثنا وجوانب الحياة على السفينة، وفي ميدان العمل. وخلال الأسابيع الأخيرة، امتدت تقاريرنا إلى طمأنة أهلنا في البيوت بأننا جميعًا في خير حال. وعندما ازداد عدد المقابلات الشخصية على شاشات التلفزيون وعلى موجات الراديو، ازداد ذِكْرنا للعلم؛ مما حثَّ الناس على تتبُّع أعمالنا، الأمر الذي تَجَلَّى في عدد الزيارات التي تلقَّيناها على موقع البعثة على شبكة الإنترنت. وفي الأسابيع الستة الأخيرة، استقبل موقع www.spiritofmawson.com ستين ألف زائر، مما وجَّه الزوار إلى مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بنا.

تتضمن اكتشافاتنا نتائج جديدة كليًّا للمنطقة: دراسات بحرية وبرية بيئية مفصَّلة، وإعادة تصور للأنهار الجليدية، وتحليلًا مناخيًّا عالي الدقة لحلقات الأشجار، وفحم المستنقعات، وقلب المحيطات من الجزء القريب من القطب الجنوبي. وباعتمادنا على معلومات من الأقمار الصناعية في التوقيت المناسب، اضطلع الفريق بتجربة عبر نقطة التقاء القطب الجنوبي، وهي بمثابة حدّ طبيعي بين مياه القطب الجنوبي الباردة والبحار القريبة من القطب الأكثر دفئًا. وبالمزج ما بين الطّافِيَات السطحية وعوّامة "أرجو" لمراقبة محيطات العالم (لقياس درجة ملوحة المياه وحرارتها)؛ حصلنا على صورة فريدة لهذا الحدّ المهم.

لَدَى وصولنا إلى خليج كومنولث، قطعنا 65 كيلومترًا من البحار الجليدية؛ لتوصيل العلماء والمهتمين بحماية البيئة إلى القاعدة التاريخية التي أنشأها العالِم والمستكشِف دوجلاس موسون منذ قرن من الزمان. وتفقَّدنا مهبطًا للطيران للزيارات المستقبلية، وقمنا بصيانة محطة الأرصاد الأوتوماتيكيّة؛ وجمعنا بيانات منها، وحصلنا على بيانات قَيِّمَة من نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)؛ لمراقبة ظهور الكتل الأرضية عند انحسار الأغطية الجليدية عنها.

أدَّت عملية إنقاذنا إلى تعطيل عملنا، لكنْ من حسن الحظ أننا سمعنا أنه من المرجَّح أن تغادر الرحلة التالية للسفينة أرورا أستراليس مدينة هوبارت، حسب الجدول المخطَّط لها. وسوف تستمر الأبحاث العلمية في الجنوب، وهذا يبعث على الراحة في الوقت الراهن. ويتعيّن الحُكْم على قيمة بعثتنا العلمية، استنادًا إلى جودة البحث الذي اعتزمنا إنتاجه، وجذب انتباه العامّة الاستثنائي للعلوم وحب الاستكشاف، اللذين صاحبا ذلك البحث.