تأبين

أدريــان آش (2013–1946)

عالِمة الأخلاق الحيوية التي ناضلت من أجل حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في مجال تكنولوجيا التناسل

دوروثي روبرتس
  • Published online:

كانت أدريان آش عالِمة الأخلاقيات الحيوية إحدى النسوة النابهات والشجاعات اللائي تعاملن مع آثار تكنولوجيا الإنجاب على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وقضايا عدم المساواة الاجتماعية. أثارت آش ـ كعالمة، ومعلِّمة، وناشطة رائدة ـ عديدًا من التساؤلات حول ممارسات الوالدين المتعلقة باستخدام اختبارات ما قبل الولادة والإجهاض الانتقائي؛ لاختيار سمات الأطفال، والتخلص من أولئك الذين يُتوقع لهم أن يكونوا من ذوي الاحتياجات الخاصة.

NATIONAL FEDERATION OF THE BLIND

وُلدت آش، التي تُوفيت بسبب مرض السرطان في 19 نوفمبر 2013، بمدينة نيويورك في عام 1946، حيث أُصيبت ـ نتيجة ولادتها قبل الموعد الطبيعي ـ باعتلال الشبكية، وذلك جرّاء الزيادة المفرطة في كمية الأكسجين بالحَضَّانَة؛ ما أدَّى إلى إصابتها بالعمى في الحال. التحقت آش في طفولتها بالمدارس الحكومية، وجلست في فصول الأطفال المبصرين بمدينة رامسي، بنيوجيرسي. وفي عام 1969، وبعد تخرُّجها في كلية سوارثمور بولاية بنسيلفانيا، وحصولها على درجة البكالوريوس في الفلسفة، واجهت آش عديدًا من المشكلات في الحصول على وظيفة، وذلك بسبب إعاقتها البصرية؛ الأمر الذي ألهمها الاهتمام بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. حصلت آش على درجة الماجستير في العمل الاجتماعي في عام 1973 من جامعة كولومبيا بنيويورك. وفي عام 1981، حصلت على شهادة من معهد العلاج النفسي المعاصر، حيث تلقَّت تدريباتٍ كمُعَالِجَة عائليّة.

بدأت آش مسيرتها العملية كمتخصصة في علم الأخلاقيات الحيوية في بداية ثمانينات القرن الماضي، حيث اضطلعت آنذاك ببحث حالات التمييز الوظيفي بقسم حقوق الإنسان بولاية نيويورك، وإجراء جلسات المعالجة النفسية الخاصة. وفي أحد اللقاءات حول علم الأخلاقيات الحيوية بنقابة المحامين بمدينة نيويورك، أبدت آش اعتراضها على عدم وجود متحدثين مع ذوي الاحتياجات الخاصة المشاركين في النقاش حول منع العلاج المنقِذ للحياة عن الأطفال المولودين بمرض «النخاع الشوكي المشقوق» spina bifida، أو متلازمة (داون).

أدَّت التعليقات والملاحظات التي أبدتها آش إلى توجيه دعوات لعقد مؤتمر، وإشراكها في مشروع لرعاية الأطفال حديثي الولادة المعرَّضين للخطر، وذلك بمركز هاستنجس، وهو أحد المراكز البحثية المتخصصة في علم الأخلاقيات الحيوية بمدينة جاريسون، نيويورك. وبعد عقدين من الزمان، شاركت آش مع مجموعة العمل التي قامت بصياغة المبادئ التوجيهية لمركز هاستنجس؛ لرعاية مَنْ هم في أواخر العمر. ويعود الفضل في صياغة هذه المبادئ التوجيهية إلى إصرار آش في الإعلان عن هذه المبادئ من خلال التشاور مع ممثلين من روابط ذوي الاحتياجات الخاصة. كذلك يعود الفضل إليها ـ إلى حد كبير ـ في شروع المتخصصين في علم الأخلاقيات الحيوية والباحثين في إشراك ذوي الاحتياجات الخاصة كنظراء مشاركين يتمتعون بكل معاني التقدير والاحترام.

في عام 1988، قامت آش ـ كباحثة دكتوراة في علم النفس الاجتماعي بجامعة كولومبيا ـ بنشر كتاب «نساء ذوات احتياجات خاصة: مقالات في علم النفس، والثقافة، والسياسة»، الذي شاركت في تحريره ميشيل فاين، عالمة النفس الاجتماعي بجامعة مدينة نيويورك. ويعرض هذا الكتاب الملامح الأساسية لعمل آش، المتمثل في السعي من أجل حقوق النسوة وذوي الاحتياجات الخاصة، ولفت الانتباه إلى خبرات بعض هؤلاء النساء، ومقاومة الصور النمطيّة المهينة.

وفي عام 1994، وبعد مرور عامين من حصولها على درجة الدكتوراة، عملت آش كأستاذة للدراسات النسائية، والبيولوجيا، وعلم الأخلاق، وسياسات الإنجاب بكلية ويلسلي، ماساتشوستس. وفي عام 2005، تم تعيينها من قِبَل جامعة يشيفا بنيويورك للعمل كمديرة لمركز علم الأخلاقيات، التابع للجامعة. كما قامت آش بالتدريس في دورات متخصصة في علم الأوبئة، والصحة السكانية، والطب العائلي والاجتماعي بكلية ألبرت أينشتاين للطب بنيويورك.

وإضافة إلى كتابة عديد من المقالات العلمية وفصول الكتب، شاركت آش في تحرير كتابين مهمّين، هما: «اختبارات ما قبل الولادة، وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة» في عام 2000، و«طرفي اللولب المزدوج: الآثار الاجتماعية لعلم الوراثة في مجتمع متنوع» في عام 2002. والحقيقة أن قناعة آش الراسخة بأن قيمة ذوي الاحتياجات الخاصة وحياتهم وحقوقهم لا تقل بحال عن تلك الاحتياجات الخاصة بالأصحاء من كافة الوجوه، كانت بمثابة الوقود الذي أزكى علمها الواسع، ودفاعها ـ الذي لم يَلِنْ ـ عن قضيتها.

إنّ من أوجب واجبات المجتمع العادل ـ حسب قول آش ـ أنْ يقضي على التمييز، لا أنْ يمارس الإقصاء ضد الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. وعلى الرغم من تأييدها القوي لحق المرأة في الإجهاض، إلا أنها كانت تميِّز بين الإجهاض الذي يهدف إلى عدم الإنجاب على الإطلاق، وذلك الذي يهدف إلى عدم إنجاب أطفال يحملون سمات بعينها. وقد سعت آش بجدية بالغة لإقامة حوارات عديدة بشأن قرارت الوالدين، والسياسات الاجتماعية، وعلم الأخلاقيات الحيوية، التي ترتكز جميعها على خبرات وتجارب واقعية، لا على أساطير مأساوية، ومخاوف لا أساس لها. وقد لعبت آش دورًا فعالًا في تحويل الاستشارة الوراثية من نموذج قائم على الوقاية ـ الذي يوجّه الوالدين المحتمَلَين إلى الاختيار السليم؛ لمجابهة إنجاب طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة ـ إلى نموذج اجتماعي يقدِّم معلومات عن التعايش مع تلك الحالات.

كانت آش تتمتع بقدرة خارقة على الجمع بين الرأفة والود من جانب، والصِّدام والمواجهة من جانب آخر. وعلى الرغم من انفتاحها الدائم على كافة الآراء، إلا أنها لم تعرف يومًا المداهنة وسياسات الحل الوسط، من خلال احترامها المطلق لحياة وآراء ذوي الاحتياجات الخاصة. وقد اشتهرت آش بإثارة أسئلة تحليلية عميقة؛ لتحديد القيم المشتركة، والكشف عن نقاط الخلاف التي ينبغي العمل على إذابتها.

وكسائر الباحثات اللاتي تناولت كتاباتهن الأخلاقيات الحيوية للإنجاب، وقضايا عدم المساواة، اجْتَزْتُ مع أدريان دروبًا عديدة على فترات قصيرة، بدأت في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، حيث كانت حُجَجها الدامغة عونًا لي على تضمين دراسات ذوي الاحتياجات الخاصة في كتاباتي عن الانتقاء الجيني، والتقليل من قيمة الإنجاب لدى النساء السوداوات. وفي عام 2008، شاركْتُ معها في ورشة عمل عن أحد أعداد دورية «سايِنْز» Signs، «مجلة المرأة في الثقافة والمجتمع»، عن تكنولوجيا التناسل والوراثة. وقد تساءلت أدريان في هذه الورشة عن سبب فشل العلماء الذين يكتبون عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في الاستشهاد بالعلماء المتميزين بحالات مماثلة؛ ودفعتني أسئلتها إلى التفكير ـ بمزيد من الجدية ـ بشأن الخبراء الذين عوّلت عليهم، وبمزيد من العمق في دور احتياجاتي الخاصة في عملي وحياتي على السواء.

في العديد من اللقاءات عن علم الأخلاقيات الحيوية، كانت أدريان هي الإنسانة الوحيدة التي تعاني من احتياج بصري خاص؛ إلا أن صوتها ـ الذي لا تخطئه الآذان ـ كان يجبرنا جميعًا على مجابهة كيفية تأثير الجدل الخاص بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة على التزامنا بالعدالة الاجتماعية والمساواة الإنسانية. وكانت أدريان تسعى ـ في الأساس ـ لأن تجعلنا ننظر إليها وإلى غيرها من ذوي الاحتياجات الخاصة باعتبارهم أشخاصًا عاديين، أو كما عبّرت بنفسها في إحدى المقابلات التي أُجريت معها في عام 2006: «لست بائسة، ولا فخورة، وإنما أعيش حياتي متقبِّلةً ما أنا عليه».