أنباء وآراء

ملاريا: الإمساك بالمقاومة

تمكنت سلسلة من الدراسات المخبرية والجينومية والبيئية والوبائية من تحديد الطفرات الجينية في طفيل "المتصوّرة المنجليّة" المسبب للملاريا، الذي يلعب دورًا أساسيًّا في مقاومة الأدوية المضادة للملاريا المستندة إلى الأرتِميسينين.

  • Published online:

هناك إجماع هشّ على أن القضاء على الملاريا عالميًّا أمر ممكن، واحتمالات تحقيق هذا الهدف الجريء مهدّدة بظهور مقاومة طفيلية لعقار الأرتِميسينين ومشتقاته في جنوب شرق آسيا. في العدد الصادر في الأسبوع الأول من شهر يناير الماضي من دوريّة Nature، الطبعة الإنجليزية، ذكر آريي وزملاؤه1 خبرًا لاقى ترحيبًا: لقد تعرّفوا على الواسم الجزيئي للملاريا المقاومة للأرتِميسينين الذي يمكن استخدامه لرسم خريطة المقاومة، وتوجيه الجهود للقضاء عليها.

لقد أسهمت التوليفات العلاجية المستندة إلى الأرتِميسينين في تقليص عبء الملاريا العالمي، مما دفع مؤسسة بيل ومليندا جيتس ومنظمة الصحة العالمية إلى إصدار نداء في عام 2007 لدفع العالم نحو القضاء على الملاريا2. يتمكّن الأرتِميسينين عادة من تنقية دم المريض من طفيليات الملاريا خلال يومين من بدء العلاج، ولكن الآن، مع الإصابات المتزايدة بعدوى المتصورة المنجلية Plasmodium falciparum في غرب كمبوديا وجنوب فيتنام وشرق ميانمار وغرب تايلاند، تستغرق تنقية الدم فترة تصل إلى خمسة أيام. في بعض المناطق، بدأت التوليفات العلاجية المستندة إلى الأرتِميسينين تفشل تمامًا، ليستمر كلٌّ من العدوى والمرض الإكلينيكي بعد تلقي ما يفترض أن يكون علاجًا شافيًا.

سيكون تحديد الواسم الجزيئي لهذه المقاومة الدوائية مساعدًا كبيرًا للجهود الرامية لاحتواء مقاومة الأرتِميسينين في جنوب شرق آسيا وللقضاء على الملاريا. تتوفر واسمات كهذه للمقاومة تجاه العقاقير الأخرى المضادة للملاريا، والتي تبديها طفيليات ذات محدّدات جينية معروفة لمقاومة تلك العقاقير. ومع ذلك، تبقى آلية عمل الأرتِميسينين وآليات المقاومة غير مفهومتين. والاختبارات التي أجريت على جينوم المتصورة المنجلية بحثًا عن مناطق الاختيار التطوري القوي الأخير – بالإضافة للدراسات المستهدفة ودراسات الارتباط الجينومية- وجدت منطقتين متجاورتين على الصبغيّ 13، باعتبارهما مواقع محتملة للجين أو الجينات المحددة للمقاومة3،4. وبإصرار لا ينثني واتباع مجموعة مميزة من الأساليب، يبدو أن أريي وزملاؤه كسبوا سباق تحديد جين رئيس مسؤول عن مقاومة الأرتِميسينين، إن لم يكونوا قد حددوا الجين نفسه.

وفيما بدا وكأنه لقطة طويلة، بذل الباحثون جهدًا مضنيًا لإنماء طفيل حساس للأرتِميسينين في مستنبت لمدة خمس سنوات، مع تعريضه للأرتِميسينين بشكل متقطع، وذلك بعد عزله من مريض تنزاني. أزيل الدواء عندما تعثّر نمو الطفيليات، وأعيد ثانية بعد أن عاودت النمو. وبعد 60 دورة من تعريضها للعقار، ارتفعت نسبة الطفيليات التي بقيت على قيد الحياة بعد دفعة من الأرتِميسينين من أقل من %0.01 إلى أكثر من %10. وكشف تسلسل الجينوم لهذه المجموعة من الطفيليات عن ثمانية طفرات في قاعدة nucleotide مفردة (الاختلافات في قاعدة مفردة SNPs) في سبعة جينات كانت موجودة في الطفيليات المقاومة، ولكن ليس في شقيقاتها المستنبتة في مزارع موازية، دون تعريضها للعقار.

كُشِفَت الجينات المشتبه فيها إذن، وتم التعرف على الجين المسؤول حين شرع المؤلفون في البحث عن هذه الطفرات المرشحة ضمن خطوط الطفيليات التي عزلت من كمبوديا والتي كانت تتميز مخبريًّا بحساسيات مختلفة لعقار الأرتِميسينين5. وبعد استبعاد الجينات المرشحة من الطفيليات التنزانية المعزولة التي لم تظهر الاختلافات الموجودة في تسلسل الطفيليات المعزولة من كمبوديا، والجينات التي تضم اختلافات في قاعدة مفردة غير مرتبطة بالمقاومة المِخبرية، بقي جين واحد يضم اختلافات في قاعدة مفردة مرتبط بالمقاومة. يقع هذا الجين على الصبغيّ 13، داخل منطقة مرشحة كُشِفَت مؤخرًا في دراسة ارتباط جينومية للمقاومة الإكلينيكية للأرتِميسينين4.

يقوم الجين موضع البحث بالتشفير لبروتين مروحي الشكل (Kelch) يسمى ك 13 (K 13). وتشارك البروتينات المروحية في مجموعة متنوعة من التفاعلات بين البروتينات، وتحتوي على عدة مناطق من تكرر تسلسل الأحماض الأمينية، التي تشكل كل منها إحدى "شفرات المروحة" (الشكل 1). وقد قدم أريي وزملاؤه، عبر المسح البيئي لطفيليات الملاريا في عدة مقاطعات كمبودية، دليلًا إضافيًّا على الدور المركزي الذي يلعبه الاختلاف في القواعد المفردة المشفرة لمروحيات ك 13. كانت الطفرات في الجينات المشفرة لمروحيات ك 13 نادرة أو غائبة في عيّنات أخذت من المحافظات التي لم يتم فيها عمليًّا أي توثيق لوجود المقاومة، ولكنها كانت واسعة الانتشار في المحافظات التي تم فيها الإبلاغ عن المقاومة. وإضافة إلى ذلك.. ازداد معدل انتشارها في هذه المحافظات خلال العقد الماضي، تزامنًا مع زيادة انتشار المقاومة.

<p><b>الشكل 1 | الطفرات المروحية.</b> أظهر أريي وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> أن الطفرات في جين المتصورة المنجلية، التي تُشفر لبروتين كِلش المروحي ك 13، تقترن بظهور ملاريا المتصورة المنجلية المقاومة للأرتمِسينين في كل من المقاييس المختبرية والإكلينيكية في كمبوديا. الطفرات (الكرات البرتقالية) ترمّز إلى تغييرات الأحماض الأمينية في "شفرات المروحة"من هذا البروتين، ئءالذي يشبه لعبة دولاب الهواء الخاصة بالأطفال، ويعتقد أنها تشارك في مختلف التفاعلات بين البروتينات.</p>

الشكل 1 | الطفرات المروحية. أظهر أريي وزملاؤه1 أن الطفرات في جين المتصورة المنجلية، التي تُشفر لبروتين كِلش المروحي ك 13، تقترن بظهور ملاريا المتصورة المنجلية المقاومة للأرتمِسينين في كل من المقاييس المختبرية والإكلينيكية في كمبوديا. الطفرات (الكرات البرتقالية) ترمّز إلى تغييرات الأحماض الأمينية في "شفرات المروحة"من هذا البروتين، ئءالذي يشبه لعبة دولاب الهواء الخاصة بالأطفال، ويعتقد أنها تشارك في مختلف التفاعلات بين البروتينات.


تابع المؤلفون إظهار أن الاختلاف في القواعد المفردة المشفرة لبروتين ك 13 يرتبط أيضا ارتباطًا وثيقًا مع تأخر تنقية الدم من الطفيليات بعد العلاج بالأرتِميسينين في التجارب الإكلينيكية. وجاء الجزء الأخير من الأدلة من المجموعات الفرعية من الطفيليات الكمبودية التي يمكن تقسيمها إلى مجموعات حساسة وأخرى مقاومة6. لم يرتبط انتشار الاختلاف في القواعد المفردية المشفرة لبروتين ك 13 بالمقاومة بين هذه المجموعات الفرعية فحسب، بل إنها أدت في الواقع عملًا أفضل في شرح المقاومة مما قام به تقسيم المجموعات: فالطفيليات التي صنفت استنادًا إلى تركيبها الجينومي باعتبارها مجموعة فرعية "مقاومة" احتوت على نوع بري من ك 13، والطفيليات المقاومة المنتمية إلى المجموعة الفرعية "الحساسة" كانت تحمل اختلافًا في القواعد المفردة.

ستأتي الأدلة القاطعة على أن الطفرات في الجين المشفر لبروتين ك 13 المروحي تمنح المقاومة تجاه الأرتِميسينين من التحول الجيني للطفيليات الحساسة للأدوية إلى طفيليات مقاومة عن طريق استبدال النوع البري من الجين ك 13 بجينٍ طافر. ومن الممكن بالطبع - بل من المحتمل - أن تكون هناك جينات أخرى تسهم في مقاومة الأرتِميسينين، لكن هذه الدراسة تترك مجالًا صغيرًا للشك في أن الجين المشفر لبروتين ك 13 هو أحد المحددات الرئيسة لمقاومة ملاريا المتصورة المنجلية لهذه العقاقير. والاستفاضة في دراسة التنوعات الجينية في الجوار الصبغيّي للجين المشفر لبروتين ك 13 سيؤكد ما إذا كانت المقاومة قد ظهرت مرة واحدة في غرب كمبوديا، وانتشرت بعد ذلك - وهي الحالة التي ستُظهِر فيها المناطق الجينومية التي تضم الجين المشفر لبروتين ك 13 ذات الاختلافات في القواعد المفردة محيطًا ممتدًا من التسلسلات المتشابهة، مشيرةً إلى أصل مشترك - أم ظهرت بشكل مستقل في أماكن جغرافية مختلفة. وإذا ظهرت المقاومة بشكل مستقل في عديد من المناطق، فستكون جهود احتوائها محليًّا غير مجدية، وستكون فقط جهود القضاء عليها إقليميًّا هي القادرة على منح أي أمل في منع انتشارها إلى أفريقيا، حيث أدى وصول الطفيليات الآسيوية المقاومة للأدوية في فترات سابقة إلى زيادات ملحوظة في استقبال حالات، ووفيات، الإصابة بالملاريا7.

سيكون التحقّق من جدوى هذا الواسم الجزيئي لمقاومة الأرتِميسينين خارج كمبوديا أمرًا سهلًا، ويجري حاليًا رسم الخرائط لهذا الواسم في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، وذلك بفضل المشاركة المبكرة لنتائج هذه الدراسة مع العاملين والباحثين المحليين في مكافحة الملاريا. مع وجود ما لا يقل عن 17 قاعدة فردية متعددة الإختلافات قابعة في المناطق المروحية من ك 13، والتي توجد واحدة منها فقط في أي طفيلي واحد، فإن تحديد تسلسل الجين المشفر لبروتين ك 13 سيكون ضروريًا بشكل أساسي لوضع خريطة المقاومة، ولكن إذا كان ظهور عدد معيّن من القواعد الفردية متعددة الاختلافات يُعَد مؤشرًا على توقع وجود المقاومة في ظروف مختلفة، فإن التحول إلى المقايسات الجزيئية السريعة باستخدام الحمض النووي المستخرج من بقع الدم الجافة سيسهم في تسريع ترجمة هذه النتيجة البحثية إلى أداة عملية لمراقبة الصحة العامة.

  1. Howard Hughes Medical Institute and the Center for Vaccine Development, University of Maryland School of Medicine, Baltimore Maryland 21201, USA

    • كريستوفر ڤي. بلاو
  1. Ariey, F. et al. Nature 505, 50–55 (2013).10.1038/nature12876
  2. Roberts, L. & Enserink, M. Science 318, 1544–1545 (2007).
  3. Cheeseman, I. H. et al. Science 336, 79–82 (2012).
  4. Takala-Harrison, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 110, 240–245 (2013).
  5. Witkowski, B. et al. Lancet Infect. Dis. 13, 1043–1049 (2013).
  6. Miotto, O. et al. Nature Genet. 45, 648–655 (2013).
  7. Trape, J.-F. et al. C.R. Acad. Sci. III 321, 689–697 (1998).