أنباء وآراء

بيولوجيا النبات: السِّحـر وتكسيـر البـروتينات

اكتشاف بروتين يتم استهدافه لتكسيره عن طريق هرمونات "مسحورة" تسمى بالستريجولاكتونات يُظْهِر آلية ما، من شأنها التحكم في البناء التركيبي لفسائل نبات الأرز.

  • Published online:

في الأساطير القديمة، كانت مصاصة الدماء العجوز "ستريجا" تتغذى عن طريق مصّ قوى الحياة من ضحاياها من الشباب. واليوم، تقرض تلك الساحرة اسمها إلى نباتات "الحشيشة الساحرة" (witchweed) من الجنس ستريجا Striga ، وإلى مركبات الستريجولاكتون التي تدفع تلك النباتات للتطفل على عوائلها من النباتات المضيفة الأخرى. تلك المركبات تلعب عادة دورًا أكثر إيجابية في بيولوجيّة النبات - كهرمونات تتحكم في نمو الجذور والفسائل، وتنسق بالتالي بين امتصاص المواد الغذائية والمعادن من التربة، وامتصاص الكربون من الجو. ويُعَدّ مستقبِل الستريجولاكتون من البروتينات المثيرة للفضول، حيث يقوم بالتعرُّف على الهرمون وتدميره في الوقت ذاته. في ورقتين علميتين منشورتين1،2 في العدد الصادر في 19-26 ديسمبر 2013 من دورية Nature، الطبعة الإنجليزية، ورد أن أحد البروتينات التي يستهدفها هذا المستقبل في الأرز هو البروتين الجديد "دوارف 53" (DWARF 53)، الذي يمنع تدميره، المعتمد على الستريجولاكتون، نمو فسائل ثانوية.

تم اكتشاف بروتينات الستريجولاكتون للمرة الأولى في إفرازات الجذور، عن طريق قدرتها على تحفيز إنبات بذور نبات الحشيشة الساحرة البنفسجية3 Striga Hermonthica، الذي يتطفل على الجذور. وُجِد لاحقًا أن تلك المركبات تشجع على تأسيس علاقات تكافلية مفيدة للطرفين بين جذور النباتات والفطريات4. ومؤخرًا، تم اكتشاف دورٍ مهم لمركبات الستريجولاكتون في التحكم في عملية نمو النبات5،6. يتم إنتاج الستريجولاكتون في الجذور7 كاستجابة لندرة المواد الغذائية، حيث تعزز من نمو جذور جانبية وشعيرات جذرية، ثم تنتقل إلى الفسيلة، حيث تثبط من نمو براعم جانبية أو فسائل ثانوية8. والنتيجة النهائية لذلك هي أن يزداد معدل امتصاص العناصر الغذائية المعدنية عن طريق الجذور، في حين تقل ـ في الوقت نفسه ـ حاجة الفسائل إلى تلك المواد.

وللنباتات الطافرة التي تفتقر للستريجولاكتون، أو لا تستجيب له، فسائل ثانوية عديدة، وعادة ما تكون لها ساق أولية قصيرة. في الأرز، تتصف مثل تلك النباتات بأنها نباتات طافرة قزمة. وقد أدى التحليل الوراثي لتلك النباتات إلى التعرف على إنزيمات لها دور في عملية التصنيع الحيوي9 للستريجولاكتون ومستقبِلها في الأرز دوارف 14 D14)10). والمستقبِل هو إنزيم هيدروليز ذي طية ألفا/بيتا، ويستخدم ثالوثًا تحفيزيًّا من الأحماض الأمينية ليتعرف على الستريجولاكتون ويحلله مائيًّا في الوقت ذاته، وذلك بالاشتراك مع "بروتين حيّز إف"11 (F-box protein) الذي يُعرف في الأرز باسم دوارف 3 3(D3). ولأن وظيفة بروتينات حيز إف هي انتقاء بروتينات معينة وتكسيرها، فإن هذا التفاعل بين البروتينين يشير إلى أن دوارف 14 ودوراف 3 قد يكوِّنان معًا مركبًا يستهدف بروتينات أخرى، ويتخلص منها. وحاليًا، تم تحديد ذلك البروتين المستهدف على وجه الدقة.

قامت كلٌّ من المجموعتين البحثيتين لجيانج1 وشو2 بدراسة طافر قزم بالأرز، يُعرف باسم دوارف 53 (d53)، الذي تم اكتشافه منذ 36 عامًا12. وأظهرت المجموعتان البحثيتان أن تلك النباتات لا تستطيع التعرَّف على الستريجولاكتون، كما نجحتا في مهمة تحديد الجين الطافر، وهي مهمة صعبة. يظهر باحثو المجموعتين أن تتابع الأحماض الأمينية لبروتين دوارف 53 مُشابه لكلٍّ من إنزيم أتباز سي إل بي (Clp ATPase) وبروتين الصدمة الحرارية 101، مما يشير إلى أنه يلعب دورًا في عملية تفاعل البروتينات مع بعضها البعض. وقد كشفوا أيضًا أن طفرة د53 (d53) تتضمن مسحًا لخمسة أحماض أمينية واستبدالًا لآخر في بروتين دوارف 53، مما قد ينتج عنه تعطيل البروتين عن القيام بوظيفته.

<br><p><b>الشكل 1 | تثبيط نمو الفسائل الثانوية عن طريق الستريجولاكتونات</b>. <b>أ</b>، لهرمونات الستريجولاكتون القدرة على تثبيط نمو الفسائل الثانوية، حين لا تتوافر المغذيات بصورة كافية. وقد وجد كلٌّ من جيانج ومجموعته<sup><a href="#ref1">1</a></sup>، وشو ومجموعته<sup><a href="#ref2">2</a></sup>، أن ذلك يتم في الأرز بتكسير بروتين دوارف 53، الذي من شأنه أن يعزز من نمو الفسائل الثانوية. <b>ب</b>، يورد الباحثون أن ارتباط بروتين الستريجولاكتون بمستقبله دوارف 14، ومن ثم تحلله، يؤدي إلى توجه دوارف 53 ناحية مركب مكوَّن من دوارف 14 وبروتين آخر، دوارف 3. ينتج عن تلك التفاعلات بين البروتينات وبعضها البعض إدراج البروتين أوبيكويتين (يرمز له في الرسم بالرمز Ub) بدوارف 53، ومن ثم تكسيره.</p>


الشكل 1 | تثبيط نمو الفسائل الثانوية عن طريق الستريجولاكتونات. أ، لهرمونات الستريجولاكتون القدرة على تثبيط نمو الفسائل الثانوية، حين لا تتوافر المغذيات بصورة كافية. وقد وجد كلٌّ من جيانج ومجموعته1، وشو ومجموعته2، أن ذلك يتم في الأرز بتكسير بروتين دوارف 53، الذي من شأنه أن يعزز من نمو الفسائل الثانوية. ب، يورد الباحثون أن ارتباط بروتين الستريجولاكتون بمستقبله دوارف 14، ومن ثم تحلله، يؤدي إلى توجه دوارف 53 ناحية مركب مكوَّن من دوارف 14 وبروتين آخر، دوارف 3. ينتج عن تلك التفاعلات بين البروتينات وبعضها البعض إدراج البروتين أوبيكويتين (يرمز له في الرسم بالرمز Ub) بدوارف 53، ومن ثم تكسيره.

كبر الصورة


تقدِّم الورقتان أدلة على وجود تفاعلات معتمدة على الستريجولاكتون بين البروتينَين دوارف 14 و53، وبين دوارف 14، و3، وتظهران أن الثالوث المحفز لبروتين دوارف 14 هو عنصر أساسي لتلك الوظيفة للستريجولاكتون. يؤدي التفاعل بين البروتينات الثلاثة في النهاية إلى إلحاق بروتين "أوبيكويتين" بدوارف 53- وهو بروتين منظِّم يعتبر ارتباطه ببروتين ما إشارة للتخلص من هذا البروتين- ومن ثم تكسيره (شكل 1). وفي غياب دوارف 14 أو الستريجولاكتون، يظل البروتينان دوارف 53 و3 قادرين على التفاعل، ولكن لا يؤدى هذا إلى تدمير دوارف 53. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن دوارف 53 الطافر لا يمكن إلحاق الأوبيكويتين به، ولا يمكن تكسيره حتى مع وجود الستريجولاكتون ودوارف 14، ويبدو هذا تفسيرًا لسبب إنتاج نباتات د53 الطافرة للعديد من الفسائل الثانوية (السوق الثانوية). تُظهر أيضًا المجموعتان أن دوارف 53 يوجد بنواة الخلية وأنه يحوي تتابعات إير (EAR) الافتراضية، التي يُعتقد أنها تتفاعل مع بروتينات من عائلة طوبلس (TOPLESS)، التي تشترك في تثبيط نسخ الجينات في عديد من المسارات الإشارية لهرمونات للنبات. وبالفعل، تشير مجموعة جيانج البحثية إلى تفاعل دوارف 53 مع اثنين من بروتينات طوبلس في الأرز، مما يشير إلى احتمال أن يشترك دوارف 53 مع بروتينات طوبلس في تنظيم التعبير الجيني للجينات التي تتحكم في البناء التركيبي للفسيلة. يبدي نبات d53 الطافر أيضًا تعبيرًا منخفضًا من الجين إف سي 1 (FC1)، وهو المعادل لكلٍ من جين تي بي 1 (TB1) في الذرة، وجين بي آر سي 1 (BRC1) في نبات ثيل الرشاد Arabidopsis، اللذان يعرفان بوظيفتهما المثبطة لنمو الفسائل الثانوية. وبالتالي، فإنه يبدو من المحتمل أن دوارف 53 يعمل في النواة على تنظيم التعبير الجيني للجينات الضالعة في عملية نمو تلك الفسائل.

تتحكم بروتينات الستريجولاكتون في العديد من مظاهر نمو النبات، فهل يمكن إذن أن يكون لدوارف 53 دور أكبر؟ ينتمي دوارف 53 إلى عائلة صغيرة من الجينات يمتلك أعضاؤها القدرة على التحكم بجوانب مختلفة من النمو. يأتي الدليل الذي يدعم تلك الفكرة من دراسة حديثة على نبات ثيل الرشاد13. ويعتبر الجين ماكس 2 (MAX2) في نبات ثيل الرشاد المعادل لدوارف 3، وهو ضروري، ليس فقط للتحكم في نمو الفسائل بالاشتراك مع دوارف 14 الخاص بثيل الرشاد، ولكن أيضًا لنمو البادرات بالاشتراك مع بروتين مشابه لدوارف 14 يُسمَّى كاي2 (KAI2). وقد تم تعريف14 جين سماكس 1 (SMAX1)، وهو مشفّر لبروتين يعمل بالاشتراك مع البروتين ماكس 2، وهو ضروري لنمو البادرات، لكن ليس لنمو الفسائل الثانوية. وسماكس 1 نسخة قريبة الشبه بدوارف 53، مما يشير إلى أن تلك الجينات هي أمثلة للتخصص الوظيفي بداخل العائلة الجينية الواحدة.

على الرغم من أن دراسة مجموعة جيانج البحثية تظهر أن دوارف 53 يعمل كمثبط لعمل الستريجولاكتون، إلا أنه من الأسهل من حيث المبدأ اعتبار بروتينات الستريجولاكتون مثبطة لعمل دوارف 53. واللافت للنظر هو أن ندرة المغذيات في الجذور لا تؤدي ببساطة إلى توقف نمو الفسيلة، ولكن بدلًا من ذلك.. ترسل الجذور بالستريجولاكتون كإشارة لكبح نمو الفسيلة عن طريق تكسير بروتين دوارف 53. تكشف تلك النتائج عن تشابه مذهل بين بروتينات الستريجولاكتون ومستقبلاتها من ناحية، وبين آليات الاستقبال والإشارة لعديد من أصناف الهرمونات النباتية الأخرى، مثل الأوكسينات (Auxins)، والياسمونات (Jasmonates)، والجيبرِلينات (Gibberellins). وعلى سبيل المثال.. فإن مستقبِل الجيبرلين في الأرز جيد 1 (GID1) ينتمي هو الآخر إلى عائلة إنزيمات الهيدروليز ذات الطية ألفا/بيتا، وحين يرتبط ببروتين سلر 1 (SLR1)؛ فإنه يوجهه ناحية مركب سلي 1 (SLY1) ذي حيّز إف، ليتم إدراج أوبيكويتين به، تمهيدًا للتخلص منه. وهناك نقلة أخرى غير متوقعة في الأحداث تأتي من دراسة حديثة14، تؤكد على أن دوارف 14 في الأرز يظهر تفاعلًا معتمدًا على الستريجولاكتون مع البروتين سلر1، مما يشير إلى وجود آليةٍ ما، من شأنها تنسيق إشارات كل من الستريجولاكتون والجيبرلين خلال عملية التحكم في نمو الفسائل. وسوف يكون هذا مجالًا مثيرًا للمزيد من الأبحاث في المستقبل.

إن اكتشاف الدور الرئيس الذي تلعبه بروتينات الستريجولاكتون في تنظيم توزُّع الموارد والنمو في النباتات له عواقب بعيدة الأثر. ويحتاج الزراعيون إلى زيادة المحاصيل، من دون الاعتماد على المصادر المحدودة كالفوسفات، وعلى الوقود الحفري للحصول على أسمدة نيتروجينية. وقد تم بالفعل تطوير كثير من المحاصيل ذات الإنتاجية العالية، والمعتمدة على النيتروجين، عن طريق تعديل آلية عمل الجيبرلينات. ومن الجَلِيّ الآن أن بروتينات الستريجولاكتون يمكن استغلالها لإنتاج محاصيل متعددة، تستهلك وتوزع الموارد بشكل أفضل تحت ظروف ندرة المغذيات.

  1. Australian Research Council Centre of Excellence in Plant Energy Biology, and the School of Chemistry and Biochemistry, University of Western Australia, Perth Western Australia 6009, Australia

    • ستيفن م. سميث
  1. Jiang, L. et al. Nature 504, 401–405 (2013).
  2. Zhou, F. et al. Nature 504, 406–410 (2013).
  3. Xie, X., Yoneyama, K. & Yoneyama, K. Annu. Rev. Phytopathol. 48, 93–117 (2010).
  4. Akiyama, K., Matsuzaki, K. & Hayashi, H. Nature 435, 824–827 (2005).
  5. Umehara, M. et al. Nature 455, 195–200 (2008).
  6. Gomez-Roldan, V. et al. Nature 455, 189–194 (2008).
  7. Umehara, M., Hanada, A., Magome, H., Takeda-Kamiya, N. & Yamaguchi, S. Plant Cell Physiol. 51, 1118–1126 (2010).
  8. Brewer, P. B., Koltai, H. & Beveridge, C. A. Mol. Plant 6, 18–28 (2013).
  9. Alder, A. et al. Science 335, 1348–1351 (2012).
  10. Arite, T. et al. Plant Cell Physiol. 50, 1416–1424 (2009).
  11. Hamiaux, C. et al. Curr. Biol. 22, 2032–2036 (2012).
  12. Iwata, N., Satoh, H. & Omura, T. Japan. J. Breed. 27 (suppl. 1), 250–251 (1977).
  13. Stanga, J. P., Smith, S. M., Briggs, W. R. & Nelson, D. C. Plant Physiol. 163, 318–330 (2013).
  14. Nakamura, H. et al. Nature Commun. 4, 261310.1038/ncomms3613 (2013).