أنباء وآراء

علم الأعصاب: أسرع من حركة «التقبيل والفرار»

تم الكشف عن نظام فائق السرعة لالتقام الحويصلات. وهي عملية حاسمة تحدث عند منطقة الالتقاء العصبي، يستند إليها عمل الدماغ. ولذا.. فإن نماذج الالتقام القديمة بحاجة إلى إعادة تقييم.

  • سويون تشو
  • هنريك فون جيرسدورف
  • Published online:

يعمل الانتشار والتبادل السريع للإشارات بين الخلايا العصبية في أدمغتنا على نقل المعلومات المتعلقة بالمحفّزات الحسية، وهو الذي تستند إليه أفكارنا وأحلامنا وذكرياتنا. هذا النظام الإشاري يتطلب تشكيلًا دائمًا للحويصلات التي تفرز جزيئات الناقل العصبي في نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية (المشابك)، وامتصاصها وإعادة تدويرها. في العدد الصادر في 12 ديسمبر 2013 من دوريّة Nature، الطبعة الإنجليزية، أورد وَتَنَبي وزملاؤه1 مجموعة مبتكرة من التقنيات؛ أتاحت لهم التعرف على شكل لم يكن معروفًا فيما مضى من عملية الالتقام (Endocytosis)، وهي عملية ذات أهمية أساسية، يتم من خلالها إعادة تدوير الأغشية الحويصلية. كانت النتائج مثيرة ومقنعة، ولم تكن متوقعة إطلاقًا. وإضافة إلى ذلك.. تبدو ابتكارات المؤلفين التقنية واعدة للكشف عن التحرّكات الداخلية لإعادة تدوير الحويصلات بدقة زمنية غير مسبوقة.

المشابك العصبية هي المواقع الأساسية للاتصال السريع بين نقطة ونقطة، الذي يحدث بين الخلايا العصبية المترابطة. تتألف معظم المشابك العصبية في دماغ الثدييات من نهايات عصبية قبل مشبكية صغيرة (قطرها أقل من ميكرومتر واحد) تتصل بأغشية الخلايا العصبية بعد المشبكية. هذه النهايات "الحُبَيْبِيّة" تحتوي على ما يقرب من مئتي حويصلة مشبكية (قطرها 30-40 نانومترًا)، تحتوي كل منها على حوالي ألفين من جزيئات الناقلات العصبية.

يصطف حوالي 5–10 حويصلات في منطقة مخصصة من الغشاء، تُدعى المنطقة النشطة (الشكل 1). ويُعتقد أن 1-3 من هذه الحويصلات المُصْطفّة تكون جاهزة لإطلاق الناقلات العصبية عبر عملية تُسمَّى اللفظ الخلوي (Exocytosis). يزيل وصول نبضة عصبية (جهد فعل) إلى النهاية قبل المشبكية استقطاب غشاء الخلية. ويسبب هذا فتح جهد بوابات voltage-gated قنوات الكالسيوم، ومن ثم يتبعه تدفق لأيونات الكالسيوم التي تثير بدورها الحويصلات المشبكية المُصْطفّة مع الغشاء. يمكن لهذه الحويصلات بعد ذلك أن تطلق حمولتها من الناقلات العصبية على غشاء الخلية العصبية بعد المشبكية. وبهذه الطريقة، يتم تمرير الإشارات بين الخلايا العصبية.


الشكل 1 | الالتقام فائق السرعة. فعّل وَتَنَبي وزملاؤه1 مخبريًّا القنوات المفعَّلة ضوئيًّا في أغشية خلايا النهايات العصبية. استجابت القنوات لوميض أزرق اللون مدته 10 ملِّي ثانية بالسماح بتدفق أيونات الصوديوم. هذا التدفق يزيل استقطاب الغشاء الخلوي، ليثير جهود الفعل عند نهاية الوميض الضوئي، لتفتح بدورها قنوات الكالسيوم في المنطقة النشطة من النهاية العصبية. التدفق الناتج لأيونات الكالسيوم يسبب اندماج الحويصلات المشبكية المُصْطفّة مع الغشاء الخلوي في المنطقة الفعالة من النهاية العصبية، مُطْلِقَة الناقلات العصبية على غشاء الخلية العصبية بعد المشبكية. وتحدث هذه السلسلة من الأحداث خلال 1–2 ملِّي ثانية. لاحظ المؤلفون أن النظام فائق السرعة للالتقام يحدث خلال 50–100 ملِّي ثانية بعد طلوع وميض الضوء، وهو الذي تتشكل خلاله حويصلات كبيرة من غشاء الخلية. تتطلب هذه العملية بروتينات الأكتين والداينامين. وليس من المعروف كيف يعاد تَشَكُّل الحويصلات المشبكية الصغيرة، انطلاقًا من هذه الحويصلات الأكبر.

كبر الصورة


إن عملية الالتقام مطلوبة من أجل إعادة تدوير الأغشية الحويصلية المندمجة، واستعادة المساحة الأصلية للنهاية العصبية، ومنع نضوب التجمعات الحويصلية. تتعايش نظم الالتقام السريعة والبطيئة في عدة أنواع مختلفة من النهايات العصبية، ويبدو أن حركة العملية تعتمد على عدد عمليات اللفظ الخلوي التي حصلت سابقًا. ويميل النظام البطيء إلى الهيمنة بعد تحفيز معتدل إلى قوي الشدة، ويحتاج ـ في المتوسط ـ إلى 10-20 ثانية. ويُعتقد أن هذا النظام يحدث بعد الاندماج الكامل للغشاء الحويصلي في غشاء النهاية العصبية، وأنه يحتاج إلى بروتينات عديدة، مثل الكلاترين والداينامين، لإعادة تدوير الغشاء في مواقع توجد خارج المنطقة النشطة2.

وعلى النقيض من ذلك.. يميل النظام السريع لعملية الالتقام إلى الهيمنة بعد تحفيز ضعيف إلى معتدل الشدة، ويحتاج ـ في المتوسط ـ إلى 0.3-1 ثانية فقط. إنّ الآليات التي تتوسط هذا النظام ليست مفهومة بشكل جيد، لكنها لوحظت في كل من النهايات العصبية الصغيرة والكبيرة3-6، ويبدو أنها الأبرز والأقوى في النهايات العصبية الناضجة7،8. وتشير إحدى الآليات المقترحة إلى أن الحويصلات تطلق الناقلات العصبية عبر مَسام الاندماج التي تفتح بشكل عابر؛ ثم يُعاد تشكيل الحويصلة خلال أقل من ثانية مع انغلاق المسامّ، وتنفصل عن الغشاء3،4. ولذا.. لا يندمج غشاء الحويصلة في غشاء النهاية العصبية. وقد أُطلق على هذه الآلية اسم غريب، هو "التقبيل والفرار" Kiss-and-Run.

يسود نمط ثالث من الالتقام أثناء فترات التحفيز القوي الممتد، الذي يؤدي إلى اندماج عديد من الحويصلات، والذي يحدث بعد حوالي 1- 2 ثانية من بدء التحفيز. في هذا النظام الأكبر من الالتقام، يندمج قسم كبير من غشاء الخلية المنغلف ضمن النهاية العصبية، لتتبرعم وتنفصل عنه العديد من الحويصلات المغلفة بالكلاترين2.

وعلى نقيض الالتقام، تكون عملية اللفظ سريعة جدًّا، إذ يُعتقد أن الحويصلات المشبكية المُصْطفّة تفتح مسام الاندماج وتضمحل تمامًا خلال 5-20 ملِّي ثانية بعد انفتاح قنوات الكالسيوم. لذا.. كان من الصعوبة بمكان التقاط صور للحويصلات المشبكية التي تأخذ شكل الأوميجا (Ω)، مع مسامّ الاندماج المفتوحة قبيل تمام الاضمحلال، باستخدام المجهر الإلكتروني التقليدي، غير أن المنهج التجريبي الذي اتّبعه وَتَنَبي وزملاؤه سمح بالتقاط مئات الصور بالمجهر الإلكتروني التقليدي لحويصلات أوميجا.

استزرع المؤلفون خلايا عصبية من حُصَين فأر، ثم استنشطوا بروتين قناة مفعّلة ضوئيًّا في أغشيتها عن طريق إصابتها بعدوى فيروسية غير سامة تحتوي على الحمض النووي للقناة. عندما جرى تشعيعها بومضة ضوء أزرق مدتها 10 ملِّي ثانية، سمحت هذه البروتينات لأيونات الصوديوم بالدخول إلى الخلايا العصبية (الشكل 1). هذا التدفق يزيل استقطاب النهايات العصبية، ويستهدف ـ عند انتهاء وَمْض الضوء ـ واحدًا أو اثنين من جهود العمل التي تفتح جهد بوابات قنوات الكالسيوم في المناطق النشطة. بعدئذ، يثير تدفق أيونات الكالسيوم الناتج اندماج الحويصلات المشبكية المُصْطفّة مع الغشاء وانطلاق الناقلات العصبية.

ونظرًا إلى حدوث هذه السلسلة من الأحداث في غضون بضعة أجزاء من الثانية، عمد وَتَنَبي ومساعدوه إلى تصميم جهاز لتبريد النهايات العصبية من 34 درجة مئوية تقريبًا إلى حوالي 0 درجة مئوية خلال فترة لا تتجاوز 10 ملِّي ثانية بعد بدء اندماج الحويصلة. سمحت عملية التجميد السريع هذه للباحثين بالتقاط صور بالمجهر الإلكتروني تؤكد بشكل مباشر الفرضية التي انتظرت طويلًا، والقائلة إن مجموعة فرعية من الحويصلات المُصْطفّة والجاهزة للانطلاق تلتحم بشكل تفضيلي في المناطق النشطة، بدلًا من خارجها. وبالإضافة إلى ذلك.. لاحظ الباحثون أن المناطق النشطة الخالية من الحويصلات يُعاد ملؤها بمجموعة مكمّلة من الحويصلات المُصْطفّة خلال 4 – 10 ثوانٍ تقريبًا. ويتزامن هذا مع الوقت المتوسط اللازم لزوال خمود التشابك (وهو خمول مؤقت للخلايا العصبية عن إفراز الناقلات العصبية، التي تعتمد على النشاط)، مما يوحي بأن نضوب مجموعة فرعية من الحويصلات المُصْطفّة والجاهزة للانطلاق هي إحدى الآليات الرئيسة لخمود التشابك قصير الأمد.

تابَعَ وَتَنَبي وزملاؤه التقاط التغيرات الشكلية في الغشاء الخلوي للنهاية العصبية في عدة نقاط زمنية بعد التحفيز الضوئي للنهاية العصبية. ولاحظوا أن الغشاء الحويصلي يضمحل بالكامل ويتسطح على غشاء البلازما بعد عملية اللفظ. وبعد حوالي 50 ملِّي ثانية من الوميض الضوئي، تظهر البوادر الأولى لانغلاف الغشاء (بدايات عملية الالتقام) في مواقع خارج المنطقة النشطة. وفي وقت مبكر، في حدود 50-100 ملِّي ثانية من بدء الوميض الضوئي، لاحظ المؤلفون ظهور انغلافات كبيرة، بدا أنها تشكّل حويصلات كبيرة بشكل غير عادي (الشكل 1). هذه الحويصلات لها مساحة سطح تعادل أربعة أضعاف مساحة حويصلات المشابك العادية، ولا يبدو أنها مغلفة بالكلاترين كما هي العادة. لذا.. يتم تدخُّل هذا النظام من الالتقام فائق السرعة من قبل مجموعة من الجزيئات غير المعروفة، ولكنه يختلف بوضوح عن حركة التقبيل والفرار، نظرًا لأنه يحدث خارج المنطقة النشطة.

ما هي الإشارة التي تؤدي إلى التشكيل السريع لهذه الحويصلات الكبيرة؟ أحد الاحتمالات هو الانخفاض المفاجئ في توتُّر الغشاء، الذي يتلو الاندماج الكامل واضمحلال الحويصلات المُصْطفّة. يمكن أن يؤدي هذا الانخفاض إلى الانغلاف السريع للحويصلات المشبكية التي اندمجت مسبقًا. في الواقع، يتعطل الالتقام السريع بسبب زيادة في كل من الضغط الهيدروستاتيكي للخلايا العصبية وتوتر الغشاء في بعض النهايات العصبية9.

تشكِّل النتائج التي توصل إليها وَتَنَبي وزملاؤه تقدمًا تقنيًّا كبيرًا على العمل السابق، لأنها تكشف عن صور واضحة بالمجهر الإلكتروني لحويصلات أوميجا بعد جهد فعل واحد أو اثنين فقط. ففي السابق كان اقتناص أشكال حويصلات أوميجا بالمجهر الإلكتروني ممكنًا بشكل روتيني فقط ضمن ظروف غير فيسيولوجية، عولجت فيها المشابك العصبية بالأدوية؛ لإطالة مدة جهد الفعل، ومن ثم تحفيزها. ومع ذلك.. فقد كانت التجارب الرائدة السابقة10 باستخدام تقنية التجميد السريع هي الأولى التي أثبتت أن إطلاق الناقلات العصبية يحدث في إطار عملية اللفظ من الخلية للحويصلات المشبكية. والآن يَعِدُ الجمع بين التحفيز البصري والمجهر الإلكتروني سريع التجميد بالكشف عن تفاصيل أول عدة مئات من المِلِّي ثوانٍ التالية لعملية اللفظ الخلوي في النهايات العصبية الصغيرة الحُبَيْبيّة في الجهاز العصبي المركزي للثدييات. ومع تكبير الصورة باستعمال الأدوات النانوية المعقدة التي تقرِن اللفظ الخلوي والالتقام بإطار من الدقة الزمنية أعلى من أي وقت مضى، نتذكر أن الصور الأصلية عادةً ما تكون أفضل من ألف كلمة.

  1. Vollum Institute, Oregon Health & Science University, Portland Oregon 97239, USA

    • سويون تشو,
    • هنريك فون جيرسدورف
  1. Watanabe, S. et al. Nature 504, 242–247 (2013).
  2. Saheki, Y. & De Camilli, P. Cold Spring Harb. Perspect. Biol. 4, a005645 (2012).
  3. Alabi, A. A. & Tsien, R. W. Annu. Rev. Physiol. 75, 393–422 (2013).
  4. Gandhi, S. P. & Stevens, C. F. Nature 423, 607–613 (2003).
  5. von Gersdorff, H. & Matthews, G. Nature 367, 735–739 (1994).
  6. He, L., Wu, X.-S., Mohan, R. & Wu, L.-G. Nature 444, 102–105 (2006).
  7. Renden, R. & von Gersdorff, H. J. Neurophysiol. 98, 3349–3359 (2007).
  8. Rose, T., Schoenenberger, P., Jezek, K. & Oertner, T. G. Neuron 77, 1109–1121 (2013).
  9. Heidelberger, R., Zhou, Z.-Y. & Matthews, G. J. Neurophysiol. 88, 2509–2517 (2002).
  10. Heuser, J. E. Q. J. Exp. Physiol. 74, 1051–1069 (1989).