أنباء وآراء

علم البيئة: تَسَـرُّب مـن الحلقـة

إنّ تغيُّر طبيعة ردود الأفعال الإيجابية والسلبية في مناطق الغابات التي غزتها أعشاب غريبة يسلِّط الضوء على مدى تعقُّد إدارة النظم الطبيعية.

كاثرين ن. سَدِنج
  • Published online:

عادةً ما تمثّل ردود الأفعال الإيجابية أمرًا يسعى معظمنا إلى الحصول عليه.. فهو إشارة من الآخرين إلى أننا قمنا بعمل جيد. وفي نظرية النُّظُم، لا تحمل ردود الأفعال الإيجابية دلالات جيدة بالضرورة، فكلمات الإطراء قد لا تؤدي إلى الأفضل. إن ردود الأفعال الإيجابية بالنسبة إلى نظام ما ـ سواء أكان ميكانيكيًّا، أم اقتصاديًّا، أم اجتماعيًّا، أم بيئيًّا ـ تشير ببساطة إلى حالة الدعم الذاتي، محدثة لتغيير سريع متضخم1. وعلى سبيل المثال.. يتعاظم الصوت الصادر عن ميكروفون بسرعة، إذا ما وُضع بالقرب من مكبِّر صوت، كذلك بقرة مذعورة واحدة تؤدي إلى حالة اندفاع جماعي لدى قطيعها كله. في العدد الصادر في 28 نوفمبر الماضي من مجلة Nature، يصف يِلِينِك ودأنطونيو2 آلية ردود أفعال كهذه، حيث يغيّر أحد أنواع النباتات الغازية البيئة لمصلحته الخاصة؛ ليزيد من وفرته ويعزّز من توغله الذاتيّ.

أثبتت أنواع النباتات الغريبة أنها تغيّر العديد من مظاهر النظام البيئي الذي تغزوه، بما في ذلك الديناميكيات ذات الصلة بالاضطرابات، ودورة المياه، والمغذِّيات3. وعندما تعزّز تأثيرات كهذه هيمنة الغازي أو تحافظ عليها، تتشكل حلقة من ردود الأفعال الإيجابية. ويأتينا مثال من مواقع في هاواي، ففي ستينات القرن الماضي، تعرّضت الأراضي المشجّرة التي تهيمن عليها أشجار اللـهـوَع المحلّية Metrosideros polymorpha لغزو من عُشبة الدِبس الغريبة Melinis minutiflora. وكان العمل في هذه المواقع في التسعينات من أوائل الأعمال التي أظهرت تعزّز الغزو بسبب ردودالإيجابية أو - في هذه الحالة - بسبب رَدَّي فعلين متّصلَيْن.. الأول، هو أن أعشاب الدِبس غذّت اشتعال الحرائق التي قتلت أشجار اللهوَع؛ فأدى عدم وجود الأشجار إلى نمو المزيد من الأعشاب، مما غذّى مزيدًا من الحرائق4. الثاني، هو أن أعشاب الدِبس سرّعت معدلات دورات النيتروجين، فأدت زيادة النيتروجين في التربة إلى نمو المزيد من منها5. وبوجودهما معًا، ساعد رَدَّا الفعلين على تحويل غابات اللهوَع إلى مزارع لعشب الدِبس بامتداد هاواي6.

وإحدى خصائص ردود الأفعال الإيجابية، التي غالبًا ما يتم تجاهلها، هي حقيقة أنها لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. يعمل أي نظام محاصر في حلقة إيجابية على تدمير نفسه، بدون الالتفات إليه. وعلى سبيل المثال.. التفاعل الكيميائي الذي يعتمد على درجة الحرارة ينتج حرارة وينفجر. وهناك مثال أكثر شيوعًا: يمكن تحرّي ردود الفعل الإيجابية عن طريق تطوير ردود فعل سلبية؛ مما يؤدي إلى تصحيح ذاتي.. فعندما نشعر بالحرارة الشديدة مثلًا، فإننا نتعرّق؛ فنشعر بالبرودة.

في دراسة هي الأولى من نوعها، أعاد يِلِينِك ودأنطونيو النظر في المواقع التي تعرضت للغزو العشبي في هاواي ليتحققا مما إذا كانت ردود الأفعال الإيجابية السابقة الخاصة بالنيتروجين قد تغيرت مع مرور الوقت، أم لا. وبدراسة عدة مواقع في حديقة البراكين الوطنية بهاواي، وجدا أنها قد تغيرت بالأفعال.. فقد حدث تسرب للنيتروجين في مزارع عشب الدِبس، وتراجعت معدلات دورة النيتروجين التي كانت سريعة فيما مضى إلى المعدلات السابقة للغزو. (الشكل 1).


الشكل 1 | المسار الزمني لردود الفعل. أ. أدى غزو العشب الدِبس الغريب لغابات شجر اللهوَع في هاواي إلى تسريع دورات النيتروجين، مما خلق ردود فعل إيجابية؛ عزّزت نمو العشب. ب. يظهر يِلِينِك ودأنطونيو2 أن تسرُّب النيتروجين من المزارع التي تعرضت للغزو قد أحدث ردود فعل سلبية؛ سبَّبت إبطاء الغزو العشبي. ج. تشير التجارب التي يقوم بها الباحثان إلى أن ردود الفعل السلبية هذه تتيح فيما بعد غزو أنواع أخرى غريبة، مثل شجرة الحريق، والشجرة المثبتة للنيتروجين. وإضافة النيتروجين إلى التربة عن طريق التثبيت قد تفتح الباب لتكرار دورة الغزو العشبي، أو قد تشكّل فرصة لإحياء نوعٍ ما.

كبر الصورة


وكما هو حال الأعشاب التي تنمو بسرعة، تنتج أعشاب الدِبس كميات وفيرة (كثيرًا ما تزيد على ألفي جرام لكل متر مربع) من الأوراق الغنية نسبيًّا بالنيتروجين. ومع اقتراب فصل الشتاء، تموت هذه الأوراق وتتحلل في التربة. بعدئذ، يتحلل نيتروجين الأوراق ليظهر بالأشكال غير العضوية المتاحة للنبات، ليغذّي نمو المزيد من العشب. ربما حدث التسرّب بسبب أمطار فصل الشتاء التي يمكنها شطف النيتروجين خارج منطقة الجذور في التربة قبل أن تبدأ النباتات في النمو من جديد. إن غياب التوافق بين إطلاق النيتروجين واستهلاكه أدى إلى حدوث حلقة من ردود الأفعال السلبية.. فمع الازدياد التدريجي لتسرّب النيتروجين من النظام، أصبح نمو الأعشاب الغريبة أكثر محدودية بسبب النيتروجين؛ فتباطأت معدّلات الغزو.

ويمكن النظر إلى نشوء ردود الأفعال السلبية التي تسبِّب إبطاء الغزو كخبرٍ سارّ لحماية الأنواع، لكن تراجُع الغازي ليس سوى نصف المعركة.. فانتعاش الأنواع المحليّة أمر ضروري أيضًا. ولتقييم هذا، زرع يِلِينِك ودأنطونيو مزيجًا من الأنواع المحليّة والغريبة، وعَمَدَا بعدئذ إلى محاكاة مراحل مختلفة من الغزو، مُضِيفَيْن النيتروجين لمحاكاة التغذية العكسية الإيجابية الأوّلية للتربة، ومُزِيلَيْن الغازي لمحاكاة تراجعه. وبرز نوعان استفادا إلى أقصى حد من انخفاض مستوى النيتروجين، ومن خلوّ البيئة من الأعشاب الغازية: سنط هاواي المحلي Acacia koa، وشجرة الحريق العجيبة Morella faya. وتحتوي جذور الشجرتين على بكتيريا تتمكن من تثبيت النيتروجين من الغلاف الجوي.

ومن سوء حظ حماية الأنواع، أنه عندما ذهب المؤلفان لمعرفة أي الأنواع تمكّنت في الواقع من استعمار مواقع العشبة الغريبة بعد تراجُع عشب الدِبس، وجدا أشجار الحريق فقط ( الشكل 1). وهذا الأمر مثير للقلق، لأنه يشير إلى أن ردود الأفعال الإيجابية التي بدأها أحد الغزاة قد غيّرت تنظيم النظام، وربما تكون قد نقلته إلى حالة جديدة7، ومهّدت الطريق لقدوم غازٍ آخر.

ومع ذلك.. تبقى حلول الإحياء ممكنة. يفترض يِلِينِك ودأنطونيو أن أشجار السنط المحلية يجب أن تكون قادرة على تثبيت وجودها في الأراضي العشبية الغريبة الآخذة في الانحسار، إلا أن بذورها الثقيلة لا تتمكن من الوصول إلى هناك. وعلى النقيض، فإن بذور شجرة الحريق تنثرها الطيور، لذا.. يكسب هذا النوع بسهولة سباق الانتشار. ورُغم ذلك.. يمكن تعديل السباق بغرس بذور سنط هاواي في مزارع العشبة الغريبة، إذ يرجّح أن تنمو بشكل جيد. والسؤال الذي يبرز الآن هو عمّا إذا كانت إضافة النيتروجين إلى التربة عن طريق تثبيت الأشجار له ستعيد ترتيب النظام وتتيح تكرار دورة الغزو العشبي، أم لا. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تمثل دورة ردود الأفعال السلبية فرصة لاستمرار تراجع وفرة الأعشاب الغريبة إلى أن تنخفض كمية العشب المطلوبة لإحداث الحرائق في المناطق حديثة التشجير، وبالتالي تقلل عودة ردود الأفعال الإيجابية الأولى.

تؤمِّن ردود الأفعال الإيجابية مصادر النمو والانفجار والتآكل والانهيار8، ولذا.. ستستمر في تحدي أساليبنا؛ لحماية واستعادة الأنواع. تُسلِّط دراسة يِلِينِك ودأنطونيو الضوء على ضرورة فهم كيفية تغيّر آليات ردود الأفعال، وكيف تؤثر هذه التغيّرات على بقاء الأنواع. وعلى الرغم من أننا لن نتمكن أبدًا من تفادي المفاجآت، سيقول لنا هذا المنظور الجديد أين ومتى قد يكون تدخُّلنا في النظم أفضل للاستفادة من ديناميكيّاتها المتغيرة.


  1. Scheffer, M. Critical Transitions in Nature and Society (Princeton Univ. Press, 2009).

  2. Yelenik, S. G. & D'Antonio, C. M. Nature 503, 517520 (2013).

  3. Ehrenfeld, J. G. Annu. Rev. Ecol. Evol. Syst. 41, 5980 (2010).

  4. D'Antonio, C. M. & Vitousek, P. M. Annu. Rev. Ecol. Syst. 23, 6387 (1992).

  5. Mack, M. C. & D'Antonio, C. M. Ecol. Appl. 13, 154166 (2003).

  6. D'Antonio, C. M., Hughes, R. F. & Tunison, J. T. Ecol. Appl. 21, 16171628 (2011).

  7. Suding, K. N. & Hobbs, R. J. Trends Ecol. Evol. 24, 271279 (2009).

  8. Meadows, D. H. Thinking in Systems: A Primer (Chelsea Green, 2008).