أنباء وآراء

أنظمة حيوية: كيف تختار البكتيريا أسلوب حياتها

في مجتمعات البكتيريا، بعض الخلايا يظل وحيدًا ومتحركًا، في حين يستقر البعض الآخر ويُشكِّل سلاسل. ولذلك.. تبحث إحدى الدراسات حاليًا في الآليّات التي تحدد هذه النتائج.

جيمس سي. دَبليو. لوك
  • Published online:

تستطيع الخلايا تغيير هويتها عدة مرات خلال مراحل النمو. لكن كيف تُقرِّر مثل هذا التحول؟ يدور الكثير من النقاش حول تغيير الهوية وإلى أي مدى يكون قرارًا مستقلًّا صادرًا من الخلية، أو قرارًا مدفوعًا بالإشارات البيئية. في العدد الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 2013 من الطبعة الإنجليزية لدورية "نيتشر"، يسلك نورمان وزملاؤه1 نهجًا غير عادي لمعالجة هذه المسألة. إذ يرصدون بكتيريا التربة "العصوية الرقيقة" Bacillus subtilis التي تنمو في بيئة ثابتة، والتي لا يمكن أن يكون التغيّر فيها مدفوعًا بإشارات من خارج الخلية. ويركّزون على تحوّل بسيط، وهو التحول من حالة خلية منفردة متحركة إلى حالة ساكنة تسمح للبكتيريا بتشكيل سلسلة. وتقدم النتائج التي توصلوا إليها فهمًا ثمينًا للكيفية التي تتخذ بها خلية منفردة قرارها.

زرع المؤلفون بكتيريا العصوية الرقيقة في جهاز موائع دقيق (device microfluidic) يتألف من عدة قنوات، كل منها مصمم لدعم نمو البكتيريا لأيام في وسطٍ متجدد باستمرار يتخلص من أي إشارات صادرة من خارج الخلايا2. تنتج السلالات البكتيرية موضع الدراسة بروتينًا مستشعًّا كـ"مراسل" لكلٍ من الحالتين المتحركة والساكنة، مما يمكِّن الباحثين من تحديد مدى تكرار الأحداث ومدة التحول في مصير الخلية في ظل ظروف بيئية ثابتة.

يكشف عمل نورمان وزملائه في تحديد مئات التحولات وتوصيفها بدقة عن الفرق الحاسم في التحول من الحالة المتحركة إلى الحالة الساكنة والعكس. ويبدو أن التحول من الحالة المتحركة إلى الحالة الساكنة هو تحولٌ عشوائيٌّ ومستقلٌّ تمامًا عن مدة بقاء البكتيريا في الحالة المتحركة، أي أن هذه الحالة المتحركة هي حالة بلا ذاكرة.

أما التحول من الحالة الساكنة إلى الحالة المتحركة، فلا يتم بشكلٍ عشوائي، بل يخضع لتوقيتٍ مُحْكَم.. إذ تبقى الخلايا في حالة ساكنة لثمانية أجيال تقريبًا. كما يشير المؤلفون أيضًا إلى أن هذه الذاكرة تؤدي وظيفة خلوية تضمن ألّا يحدث التحول إلى الحالة المتحركة ـ التي تتكسر فيها سلسلة الخلايا بشكل فوري تقريبًا ـ في وقت مبكّر أو متأخر عن موعده، مما قد يؤدي ببعض السلاسل إلى أن تفيض بالملايين من الخلايا. ربما يمثل الانتقال إلى الحالة الساكنة فترة تجريبية للصورة متعددة الخلايا multicellularity، التي يمكن أن تُعزَّز بواسطة إشارات بيئية تدفع بالخلايا إلى الالتزام وتشكيل رقائق حيوية biofilm.

استكشف نورمان وزملاؤه أيضًا الآلية الجزيئية التي تتحكم في مصير التحول الخلوي. ويبدو أن الآلية تنطوي على دائرة بسيطة تتكون من ثلاثة بروتينات فقط3 ( الشكل 1). على وجه التحديد، يُثبِّط البروتين "سين آر" (SinR) الجين الذي يُرمِّز إفراز بروتين آخر هو البروتين "سلر آر" (SlrR)، وبدوره يرتبط البروتين "سلر آر" بالبروتين "سين آر" ويتحكم فيه. وهكذا فإن هذين البروتينين يشكلان دورة من التغذية المرتدة المزدوجة السلبية. فعندما يسود البروتين "سين آر"؛ تتحول الخلية إلى الحالة المتحركة، وعندما يخسر البروتين "سين آر" تصبح الخلية ساكنة. أما البروتين الثالث "سين آي" (SinI)، فيُحدِّد أي النتيجتين تتمكن من الفوز، وذلك بارتباطه بالبروتين "سين آر"، وتعطيله عن العمل.

الشكل 1 | أن تكون ساكنًا أو سابحًا. درس نورمان وزملاؤه1 كيفية اختيار الخلايا المنفردة من البكتيريا العصوية الدقيقة بين الحالة المتحركة (السابحة) والحالة الساكنة. يتم التحكّم في هذا الاختيار باستخدام دورة بسيطة من التغذية المرتدة المزدوجة السلبية تتضمن ثلاثة بروتينات: يُثبِّط البروتينُ "سين آر" البروتين "سلر آر"، الذي يُثبِّط بدوره البروتينُ "سين آر". ويحدث التحول إلى الحالة المتحركة عندما يسود البروتين "سين آر" ، في حين تصبح الخلايا ساكنة، وترتبط في سلاسل عندما يُهيمِن البروتين "سلر آر". أما البروتين الثالث "سين آي"، فبإمكانه تحفيز الشروع في التحول إلى الحالة الساكنة عن طريق الارتباط بالبروتين "سين آر"، وتعطيله عن العمل.

كبر الصورة


ويبدو أن هذه الدائرة مقسَّمَة إلى وحدات، فقد وجد المؤلفون أن البروتين "سين آي" هو المسؤول عن الدخول في الحالة الساكنة التي لا ذاكرة لها. وبمجرد أن تدخل البكتيريا في الحالة الساكنة، لا يعود للبروتين "سين آي" أي دور، وتُحدد الذاكرة عن طريق دورة التغذية المرتدة لنوعي البروتين "سين آر"-"سلر آر". كما لوحظ مثل هذا النمط المُقسَّم إلى وحدات في دائرة أخرى من دوائر بكتيريا العصوية الرقيقة، وهي دائرة تسيطر على التحول في عمليات النمو. وتحت ظروف الإجهاد، يمكن للبكتيريا العصوية الرقيقة الدخول في حالة جدارة (Competent state)، تسمح فيها بإدراج كمية من حمض نووي خارجي4. وليس لدى الدوائر الأساسية التي تتحكم في الدخول إلى حالة الجدارة سوى عدد قليل من المكونات، على غرار شبكة البروتينين "سين آر"-"سلر آر". كما أن دائرة الجدارة هي أيضًا دائرة مقسمة إلى وحدات، إذ إن أحد عناصرها ينظم وتيرة التحولات لحالة الجدارة، في حين يحدد مكون آخر طول مدة بقاء الخلية في هذه الحالة4.

وليس جَلِيًّا ما هي ميزة ـ إن كانت هناك ميزة ـ هذا التقسيم إلى وحدات بالنسبة إلى الخلية. فهل يؤدي وجود آليات تحكُّم مستقلة لتحفيز البدء وتحديد طول الفترة الزمنية لإحداث التمايز الخلوي، إلى مساعدة الخلية على التكيف مع الضغوط الانتقائية المستقلة خلال التطور؟ يبقى أن نرى ما إذا كانت مثل هذه النمطية من التقسيم إلى وحدات هي سمة عامة للدوائر التي تتحكم في تحول هوية الخلايا، أم لا.

يثير المؤلفون كذلك تساؤلات حول كيفية تحكم دائرة "سين آي"-"سين آر"-"سلر آر" بالتحول الذاتي لمصير الخلية في البكتريا العصوية الرقيقة. فلا يزال غامضًا كيف يمكن للضوضاء، أو التباين، في واحدة من مكونات الدائرة أن تحفِّز الشروع في التحول إلى الحالة الساكنة. فعلى الرغم من أن الشروع في التحول يتطلب بروتين "سين آي"، ليس من المعروف بعد ما إذا كان لدى أيٍّ من مكونات الدائرة تقلبات عشوائية تدفع للتحوّل العشوائي نحو الحالة الساكنة، أو كيفية نشوء هذه التقلبات في الأساس. سيكون من المثير للاهتمام اختبار الفرضية القائلة إن الذاكرة المستخدَمة في تحوّل الحالة تسمح بإجراء تجربة حالة متعددة الخلايا مُعزّزة من قبل الإشارات البيئية. وأحد الحلول قد يكون اختبار أثر إطالة أو تقليص ذاكرة الحالة الساكنة على تشكيل الرقائق الحيوية.

تنضم دائرة "سين آي"-"سين آر"-"سلر آر" التي اقترحها نورمان وزملاؤه إلى قائمة متزايدة من الدوائر الوراثية البسيطة في البكتيريا، التي أُثْبِتَت سيطرتها على ديناميكيات خلوية معقدة بشكل مدهش. وغالبًا ما تتألف هذه الدوائر من ثلاثة أو أربعة بروتينات، لكنها تكون قادرة على توليد نبضات5، وديناميكيات قابلة للتحفيز4 وتذبذات قوية6. فهل من الممكن أن تولِّد دوائر وراثية بسيطة ثروة مماثلة من الديناميكيات التنظيمية في النباتات والحيوانات؟ تشير نتائج أبحاث على الأبقار7 إلى أن مفهوم الذاكرة في تحوّل الحالة يمكن أن يكون ظاهرة عامة. فقد أظهر بحث في مجال الاحتمالات الإحصائية، حاز على جائزة إيج نوبل عام 2013، أن حالة الوقوف (المتحركة) في الأبقار تكون حالة بلا ذاكرة، في حين أن حالة الاستلقاء (الساكنة) هي مرحلة مؤقتة، كما هو الحال في البكتيريا العصوية الرقيقة.

  1. Norman, T. M., Lord, N. D., Paulsson, J. & Losick, R. Nature 503, 481486 (2013).

  2. Wang, P. et al. Curr. Biol. 20, 10991103 (2010).

  3. Chai, Y., Norman, T., Kolter, R. & Losick, R. Genes Dev. 24, 754765 (2010).

  4. Süel, G. M., Kulkarni, R. P., Dworkin, J., Garcia-Ojalvo, J. & Elowitz, M. B. Science 315, 17161719 (2007).

  5. Locke, J. C. W., Young, J. W., Fontes, M., Hernández Jiménez, M. J. & Elowitz, M. B. Science 334, 366369 (2011).

  6. Mackey, S. R., Golden, S. S. & Ditty, J. L. Adv. Genet. 74, 1353 (2011).

  7. Tolkamp, B. J., Haskell, M. J., Langford, F. M., Roberts, D. J. & Morgan, C. A. Appl. Anim. Behav. Sci. 124, 110 (2010).