أنباء وآراء

فيروس العوز المناعى البشري: الأجسام المضادة تدفعنا إلى البحث عن علاج

أسفرت جهود لإنتاج لقاح وقائى لفيروس العوز المناعى البشري عن تحديد أجسام مضادة وحيدة النسيلة، بإمكانها تثبيط عملية تضاعف/ تكاثر الفيروسات بصورة فعالة. وتُظهِر الأبحاث المجراة على القردة أن تلك الأجسام المضادة بإمكانها معالجة عدوى فيروس العوز المناعى البشري.

  • لويس ج. بيكر
  • ستيفن ج. ديكس
  • Published online:

يُعَدّ النجاح فى عزل وتوصيف أجسام مضادة جديدة من مرضى فيروس العوز المناعي البشري واحدًا من أهم الاكتشافات التى قام بها المجتمع البحثى القائم على تطوير لقاح لفيروس العوز المناعي، لما له من قدرة استثنائية على معادلة أغلب أنواع/ سلالات الفيروس1،2 المنتشرة. وتتضمن آلية عمل تلك الأجسام المضادة التعرف على تراكيب محفوظة تطوريًّا ومحددة وظيفيًّا بغلاف فيروس العوز المناعي، والارتباط بها. تلك الأجسام المضادة غير العادية قد أعادت تنشيط الجهود الرامية إلى تطوير لقاح وقائى لهذا الفيروس، قائم على أساس استخدامها، وذلك عن طريق تحديد استجابات بشرية فعالة للأجسام المضادة، وتوفير "خريطة" للهندسة العكسية للقاحات التي تسير على الآلية ذاتها لتلك الاستجابات.

ولأن تلك الأجسام المضادة تنتج نادرًا، حيث لا تظهر إلا بعد مرور سنوات من الإصابة بفيروس العوز المناعي البشري، وتتميز بدرجة عالية من الطفرات1،2، فإنه لا يبدو أن تلك المهمة سيتم إنجازها فى القريب العاجل. وهذا لا يعنى بالضرورة أن تحال الفائدة العلاجية لتلك الأجسام المضادة إلى المستقبل البعيد. وعلى العكس من ذلك.. يوضح اثنان من الأبحاث المنشورة حول هذا الموضوع (Barouch et al3, Shingai et al.4) أن خليط تلك الأجسام المضادة يمكن أن يقلِّل من مستويات الفيروس بشكل كبير فى قردة ريسس (rhesus macaque) ذات الإصابة المزمنة، مما يعطى بعض الأمل فى أن تكون تلك السياسة العلاجية فعّالة فى البشر.

قامت تلك المجموعتان البحثيتان بدراسة قدرة العديد من "الأجسام البشرية المضادة وحيدة النسيلة" mAbs، المعادلة لفيروس العوز المناعي، على تثبيط الفيريميا Viraemia ـ وهو مصطلح يصف نسبة وجود فيروس ما فى تيار الدم ـ فى قردة الريسس المصابة إصابة مزمنة بفيروس SHIV، وهو فيروس مهجَّن شبيه بالفيروس البشري؛ ويسبب متلازمة نقص المناعة، ويستخدم غلاف فيروس العوز المناعي البشري للنفاذ إلى داخل الخلايا. كانت نتائج المجموعتين متسقة بشكل ملحوظ، فقد أدى إعطاء خليط من اثنين أو أكثر من الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (موجهين ناحية منطقتين تركيبتين مختلفتين، وهما مكانا ارتباط البروتين CD4، والجلايكانات V3-loop/N332) إلى تثبيط انتشار الفيروس في الدم بشدة، إلى الحد الذي يصعب معه اكتشاف الفيروس. استمر هذا التأثير المثبط لأسابيع، مع المحافظة على مستويات الأجسام المضادة وحيدة النسيلة ثابتة. وبالإضافة إلى ذلك.. لم يتم العثور على طفرات مرتبطة بمقاومة هذا التأثير المعادل للأجسام المضادة وحيدة النسيلة في الفيروس، التى انتعشت بعد انخفاض مستويات الأجسام المضادة وحيدة النسيلة. ومن الجدير بالملاحظة أن واحدًا من تلك الأجسام، كما أوضح باروخ وزملاؤه، وهو الجسم المضاد وحيد النسيلة5 "PGT121 المعتمد على الجلايكان N332" كان قادرًا على توفير تأثير مثبِط طويل المفعول عند استخدامه بمفرده.

وبالنظر إلى أن "العلاجات الحالية المضادة للفيروسات (ART)، التي تعتمد على جزيئات صغيرة فعالة تستهدف مراحل مختلفة من دورة حياة فيروس العوز المناعي البشري، ويمكن إعطاؤها عن طريق الفم، فى حين أن الأجسام المضادة يجب أن تحقن، فلماذا إذًا الاهتمام بتلك الطريقة؟ تكمن الإجابة فى آليّات التثبيط الفيروسي المختلفة للعلاجات المضادة للفيروسات المعتادة فى مقابل تلك الأجسام المضادة وحيدة النسيلة ذات التأثير المعادل. والعلاجات الحالية المضادة للفيروسات تمنع الفيروس من الانتشار من خلية مصابة إلى الدورة التالية من الخلايا المستهدفة، لكنها لا تقوم مباشرة بالقضاء على الخلايا المصابة نفسها، ولا تثبط من قدرتها على إنتاج فيروسات جديدة6 (الشكل 1أ). وفي غياب انتشار الفيروس، فإن إنتاج الفيروس يقل نتيجةً لموت الخلية المصابة، إما بمهاجمة الجهاز المناعي لها، أو عن طريق موت الخلايا المبرمج، لكن بعض الخلايا المصابة تظل حية، وتنتج فيروسات جديدة إلى ما لا نهاية. ذلك المخزون من الخلايا المنتجة للفيروسات ـ على ندرته وثباته ـ هو مصدر الفيروسات التى تظهر وتنتعش مرة أخرى حين يتوقف الناس عن تناول العلاج المضاد للفيروسات، ومن المحتمل أن يكون له دور فى حالات الالتهاب الحاد والعطب المناعي (والحالات المرضية المصاحبة) عند مَنْ يتعاطون الأدوية المضادة للفيروسات7,8.


الشكل 1 | الاختلافات بين العلاج التقليدي المضاد للفيروسات والعلاج بالأجسام المضادة وحيدة النسيلة. أ. العلاج التقليدي المضاد للفيروسات (ART) يتكون من تشكيلة من العقاقير صغيرة الجزيئات، التى تعمل على مواقع متنوعة من الخلية؛ فتحمي خلايا CD4+ T غير المصابة، المستهدفة من قِبَل فيروس العوز المناعى البشري، عن طريق تثبيط ولوج الفيروس إلى داخل الخلية، أو التثبيط الوظيفى للفيروس بعد وُلُوجِه، ولكنّ هذا العلاج لا يؤثر على إنتاج الفيروسات من الخلايا المصابة بالفعل، ولا يزيل جسيمات الفيروس من تيار الدم. والخلايا المستمرة فى إنتاج الفيروسات، والفيروسات الحرة السائرة فى الدم تستطيع أن تبدأ إصابة جديدة إذا تَوَقَّف استخدام العلاج. ويمكن أيضًا للفيروسات الحرة أن تنشِّط الخلايا؛ فتخلق بذلك بيئة التهاب مزمن. ب. الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (mAb) التى ترتبط ببروتينات الغلاف الفيروسي وتثبطها؛ فتعادل بذلك الفيروس بشكل فعال، وبالتالي تمنع انتشار الإصابة. تلك الأجسام المضادة أيضًا قد تكون لها فائدة إضافية فى تسهيل إزالة جسيمات الفيروس من الدم، والقضاء على الخلايا المنتجة للفيروسات، عن طريق آليّات معتمِدة على الأجسام المضادة، وتحديدًا.. التسمم الخلوي بواسطة خلايا المناعة المعتمِدة على الأجسام المضادة (ADCC)؛ مما يؤدى إلى تقليل مخزون الفيروسات الكامنة؛ ويمنع بالتالي النشاط المناعي الموضعي.

كبر الصورة


قد يمنع العلاج باستخدام الأجسام المضادة وحيدة النسيلة ـ مثله مثل الأدوية المضادة للفيروسات ـ انتشار الفيروس، وهو بلا شك السبب وراء القسم الأكبر من نشاط تلك الأجسام، الذى لوحظ فى الدراستين سالفتي الذكر. ومع ذلك.. فإن الأجسام المضادة وحيدة النسيلة لها وظائف جوهرية فعالة، لا تسهل فقط الإزالة السريعة لجسيمات الفيروس التى تنتجها الخلايا المصابة بالتبعية، لكنها تسرع أيضًا من معدل القضاء على تلك الخلايا المنتجة للفيروسات، عن طريق إما تسمم الخلايا بواسطة خلايا المناعة المعتمدة على الأجسام المضادة، أو التحلل المعتمد على البروتينات المتممة أو التبلعم (شكل ب1). وعلى الرغم من أنّ أيًّا من تلك العمليات لم يتم ذكرها مباشرة فى أى من البحثين الجديدين، إلا أن دراسة باروخ وزملائه تُظهِر إزالة أسرع للفيروسات من تيار الدم فى القردة التى تم إعطاؤها الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، إذا ما تمت مقارنتها بتلك فى البشر الذين يعالَجون بواسطة الأدوية التقليدية المضادة للفيروسات. وتقدِّم مجموعة باروخ أيضًا دليلًا ملموسًا على انخفاض مستويات الحمض النووي البشري المرتبط بالخلايا، الخاص بفيروس العوز المناعي البشري (وهي طريقة لقياس عدد الخلايا المصابة)، وعلى التحسن الوظيفي لخلايا CD8+ T التى يستهدفها فيروس SHIV (وهى خلايا مناعية مسؤولة عن مهاجمة الفيروسات) فى الحيوانات المعالجة بالأجسام المضادة وحيدة النسيلة. وربما من المثير أكثر للاهتمام أنّ باروخ وزملاءه يشيرون إلى أن نقاط التوازن للحمل الفيروسي ـ المستوى المستقر لانتشار الفيروس في الدم، الذى يتم الوصول إليه عند حدوث توازن بين معدل تضاعف الفيروس والجهاز المناعي ـ فى الحيوانات بعد توقف العلاج، كانت أقل دائمًا بعد العلاج منه قبل العلاج، مما يدعو إلى الاعتقاد بأن العلاج بالأجسام المضادة وحيدة النسيلة قد حَسَّنَ من الاستجابة المناعية المضادة للفيروسات.

وهناك عدة محاذير يجب ذكرها من هذه النتائج المثيرة. أحدها، هو التنوع الهائل فى نواتج التفاعلات الدوائية من حيوان إلى آخر، التى سوف يكون من الواجب دراستها، إذا ما تم تفعيل سياسة علاجية طويلة الأمد لتلك الأجسام المضادة على البشر. هناك أيضًا القابلية العالية للتطفر لفيروس العوز المناعي البشري، التي تعني إنتاج بروتينات مختلفة بشكل طفيف على أسطح الأغلفة الفيروسية لسلالات الفيروس، سواء داخل الفرد الواحد، أم بين الجماعات وبعضها، مما يجعل من المحتمل أن يحمل بعض البشر فيروسات مقاومة لواحد أو أكثر من الأجسام المضادة وحيدة النسيلة المستخدمة في العلاج. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن مقدرة الأجسام المضادة على عبور الحاجز الدموي الدماغي، وتثبيط تضاعف الفيروس في الجهاز العصبي المركزي تظل محل تساؤل. وأخيرًا، فإنه من غير المعروف بعد إلى أيّ مدى تعرض بروتينات الغلاف الفيروسي على سطح الخلايا المصابة طويلة الأجل. إن إعطاء علاج إضافى بعوامل منشطة للفيروس سوف يكون مطلوبًا، حتى يكون للأجسام المضادة تأثير فعال فى القضاء على تلك المخازن الفيروسية.

وعلى الرغم من تلك المحاذير، فإن نتائج هذين البحثين قد تُحْدِث ثورة فى الجهود الرامية إلى إيجاد علاج لفيروس العوز المناعي البشري. وقد يكون الدمج ما بين العقاقير التقليدية المضادة للفيروسات والأجسام المضادة وحيدة النسيلة ذات التأثير المعادل أكثر فعالية فى تقليل معدل تضاعف الفيروس من تلك العقاقير وحدها، كما قد يؤدي إلى القضاء على الخلايا المنتِجة للفيروس، التي تظهر بعد الإصابات الكامنة، ويقلل من الاستجابات المناعية الشاملة التي قد تكون ضارة، وتزيد من فاعلية اللقاحات العلاجية التى تستهدف الخلايا التائية المناعية التى تهدف ـ في الأساس ـ إلى القضاء على الخلايا الكامنة8. وعلى أقل تقدير، فإن تلك النتائج سوف تحفز التعاون بين فرق الخبراء الضخمة التى تعمل منذ عقود على الحد من انتشار فيروس العوز المناعي البشري وعلاجه بشكل منفرد. وكما ذُكر من قبل9،10، فإنه من الضرورى أن يتم تعاون علمي حقيقي متعدد التخصصات، إذا ما كنا بصدد إيجاد علاج لفيروس العوز المناعي البشري.

  1. Mascola, J. R. & Haynes, B. F. Immunol. Rev. 254, 225244 (2013).

  2. Klein, F. et al. Science 341, 11991204 (2013).

  3. Barouch, D. H. et al. Nature 503, 224228 (2013)

  4. Shingai, M. et al. Nature 503, 277280 (2013).

  5. Moldt, B. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 1892118925 (2012).

  6. Volberding, P. A. & Deeks, S. G. Lancet 376, 4962 (2010).

  7. Palmer, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 105, 38793884 (2008).

  8. Deeks, S. G. et al. Nature Rev. Immunol. 12, 607614 (2012).

  9. Deeks, S., Drosten, C., Picker, L., Subbarao, K. & Suzich, J. Nature Med. 19, 3034 (2013).

  10. Richman, D. D. et al. Science 323, 13041307 (2009).