أنباء وآراء

كواكب خارج المنظومة الشمسية: أرض جهنّميـّة

عالمٌ جهنّميٌّ... ذلك ما يتصف به كوكب كِبلر 78ب، الذي يدور حول نجم شبيه بالشمس، ويبعد عن سطحه المرئي مسافة تقل عن قُطْر ذلك النجم، إلا أن وجوده يُبشِّر باكتشاف وتوصيف كواكب صالحة للعيش فيها.

دريك دِمينج
  • Published online:

الهدف الرئيس لعلم الكواكب الخارجية – أي دراسة الكواكب الموجودة خارج المنظومة الشمسية – هو العثور على كواكب شبيهة بالأرض تدور حول نجوم شبيهة بالشمس وتوصيفها. وهذه مهمة شاقة لأن الأرض ضئيلة جدًا من حيث الحجم والكتلة مقارنة بالكون، ولذا.. فإن الكواكب الشبيهة بالأرض تضيع بسهولة ضمن وهج نجومها الشبيهة بالشمس. ولقد حصلت خطوة عملاقة نحو العثور على أرض أخرى عام 1995 حينما اكتُشِفت الكواكب الخارجية الأولى وهي تدور حول نجوم شبيهة بالشمس1، إلا أن تلك الكواكب الخارجية كانت عمالقة غازية، يهيمن عليها الهيدروجين، وهي تدور في مناطق مدارية حارة جدًّا مقارنة بالأرض. من حسن الطالع أن مركبة الفضاء كِبلر Kepler التابعة لوكالة الطيران والفضاء الأمريكية ناسا قد غيَّرت من نظرة العلماء إلى الكواكب الخارجية. وفي مقالتين في عدد 21 نوفمبر 2013 من دورية "نيتشر"، أورد هوارد وزملاؤه2 (صفحة 381 من العدد المشار إليه) وبِبَيه وزملاؤه3 (صفحة 377 من العدد نفسه)، كلٌّ على حدة، قياسات لكوكب خارجي، هو كِبلر 78ب، توضّح على نحو جازم أن كتلة ذلك الكوكب أكبر بـ%80 من كتلة الأرض، وأن نصف قطره أكبر من نصف قطرها بـ%20 فقط، أي أنه توأم واقعي للأرض بالمعايير الفلكية.

وقد وَجَدت المركبة كِبلر ألوفًا من الكواكب الخارجية الصخرية والجليدية التي جعلتها مداراتها تحجب دوريًّا أضواء نجومها المضيفة لها. ويُوفِّر مقدار الضوء النجمي الذي يحجب الكواكب تقديرًا لأحجامها. وقد أظهرت المركبة كِبلر أن الكواكب التي تضاهي الأرض في حجمها وفيرة في مجرتنا4. ورغم أن المركبة كِبلر تقيس أحجام الكواكب الخارجية بدقة بالغة، إلا أن تحديد تراكيب تلك الكواكب أمر بالغ الصعوبة. إن معرفة التركيب الإجمالي لكوكب خارجي يتطلَّب تحديد كتلته باستعمال المطياف الدوبلر فائق الدقة الذي يقيس التغيُّرات في طول موجة ضوء النجم المضيف الناجمة عن حركته الانعكاسية أثناء دوران الكوكب حوله. ومع الأسف، معظم الكواكب التي اكتشفتها المركبة كِبلر تُنتِج انزياحات دوبلر أصغر من أن تُقاس. أما فيما يخص الكوكب كِبلر 78ب، فيصف كلٌّ من هوارد وزملاؤه وبِبَيه وزملاؤه قياسات دقيقة للكتلة، مكَّنتهم من الوصول إلى قيمة الكثافة الوسطى للكوكب، وهي مماثلة تقريبًا لكثافة الأرض التي تساوي 5.5 جرام للسنتيمتر المكعب.

كان قياس كتلة الكوكب كِبلر 78ب ممكنًا، نتيجةً لقربه الشديد من نجمه المضيف، وهو ما زوّد كثيرًا من استجابة النجم الدوبلرية، إلا أن ثمن تلك الزيادة في إشارة دوبلر هو بيئة جحيمية للكوكب. فمدار الكوكب يبعد عن السطح المرئي للنجم بمسافة أقل من قطر النجم، ويهيمن على المشهد من سطح كوكب كِبلر 78ب قرص النجم الملتهب الذي يملأ حوالي نصف السماء، من الأفق حتى السَّمْت الرأسي (الشكل 1). ووفقًا للفهم السائد.. فإن احتمالات الحياة في مثل هذه البيئة منعدمة. ومع ذلك.. يمثِّل الكوكب كِبلر 78ب إشارة مشجعة للبحث عن عوالم أخرى خارج المنظومة الشمسية صالحة للحياة.

<p><b>الشكل 1 | الكوكب الخارجي كِبلر 78ب.</b> صورة لانطباعٍ فني عن الكوكب كِبلر 78ب، تبين مشهدًا من سطحه، يملأ فيه قرص نجمه المضيف معظم السماء.</p><p><br></p>

الشكل 1 | الكوكب الخارجي كِبلر 78ب. صورة لانطباعٍ فني عن الكوكب كِبلر 78ب، تبين مشهدًا من سطحه، يملأ فيه قرص نجمه المضيف معظم السماء.

JASIEK KRZYSZTOFIAK/NATURE


تشير كثافة الكوكب إلى أنه ربما يتألَّف من الصخور والحديد، على غرار الأرض تمامًا. أما الكيفية التي أتى بها ليقع في مداره الحالي، الذي تستغرق دورته 8 ساعات ونصف الساعة، فهي غير مؤكدة. ومن أكثر الاحتمالات غرابة أنه يمثِّل النواة المتبقية من عملاق غازي متمزِّق5. وبغض النظر عن تاريخه منذ تكوُّنه، فهو ـ على الأغلب ـ قد تشكَّل بعملية نمو تراكميّة لقرص كوكبي أوّلي من الغاز والغبار، وبذلك يشترك في أصله مع الأرض. إنّ سمات الأرض الأخرى الكثيرة تبدو فريدة، وهو ما يثير التساؤل عن إمكانية أن نتوقَّع بشكل واقعيّ وجود عوالم مشابِهة تستضيف أنماطًا من الحياة خارج المنظومة الشمسية. إن وجود كِبلر 78ب يشي، على الأقل، بأن الكواكب الخارجية الشبيهة بالأرض من حيث التركيب ليست نادرة.

وإذا كانت الكواكب ذات التركيب المشابه الأرض ليست نادرة في مجرة درب التبانة ـ وهذا شيء يبدو معقولًا ـ فمن الممكن العثور على كوكب قريب منا بالمعايير الكونية، يتَّصف بهندسة مدارية ملائمة لحجب الضوء الوارد إليه من نجمه أثناء دورانه، وتلك سمة رئيسة تمكِّن من التوصيف. لذا.. تقوم "ناسا" حاليًا بتحضير قمر صناعي لرصد الكواكب الخارجية العابرة (تِسّ TESS) للبحث في السماء بأسرها عن كواكب خارجية ملائمة من ذلك القبيل. وفي أفضل الحالات التي عُثِر عليها، سوف نتجّه إلى قياسات الكتلة بواسطة المطياف الدوبلر، وإلى توصيف جو الكوكب الخارجي باستعمال تليسكوب جيمس وِب الفضائي (JWST) المُزمع إطلاقه في عام 2018. وكما في حالة كِبلر 78ب، سوف تتعزَّز الإنتاجية العلمية لكلٍّ من تِسّ وجيمس ويب كثيرًا باستعمال المطياف الدوبلر فائق الدقة لقياس كتل الكواكب الخارجية. وقد استمرت دقة هذه التقنية في التحسُّن، حتى إن القياسات التي كانت في الماضي مجرد أحلام ـ وبالتحديد تلك التي تتصف بدقة لسرعة الانعكاس في إطار متر في الثانية ـ قد غدت شيئًا اعتياديًّا.

وأجهزة القياس الرئيسة، التي تمكِّن من استعمال المطياف الدوبلر لمعرفة كتل الكواكب الخارجية، هي مطياف إيشيل عالي الدقة (هايرس) High Resolution Echelle Spectrometer (HIRES) الموجود في تليسكوب كِكْ6، الذي استعمله هوارد وزملاؤه في أرصادهم، وباحث السرعة القُطْرية عن الكواكب عالي الدقة (هاربس) High Accuracy Radial Velocity Planet Searcher (HARPS) الموجود في تليسكوب الـ3.6م في المرصد الأوروبي الجنوبي في لاسيلاّ بتشيلّي7. لقد كان هاربس ناجحًا ـ على وجه الخصوص ـ في إجراء تلك القياسات التي تتطلب دقة عالية لأنه صُمِّم لهذا الغرض تحديدًا. وقد دخل نموذج منه، هو هاربس-ن (HARPS-N)، الخاص بنصف الكرة الشمالي، حيِّز التشغيل عام 2012 في تليسكوب جاليليو الوطني ذي الـ3.57م في مرصد راكي دي لوس موشاتشوس Roque de los Muchachos Observatory في لابالما بإسبانيا، والذي حقَّق انطلاقة مثيرة بتمكين بِبَيه وزملاؤه من قياس كتلة كِبلر 78ب.

وإذا استُعمل هاربس وهايرس مع الكواكب الأرضية الخارجية التي اكتشفها تِسّ، فإنهما سوف يوفِّران قياسات كتلة لكواكب خارجية ذات بيئة أكثر اعتدالًا من بيئة كِبلر 78ب. وبتركيز الاهتمام في نجوم صغيرة أبرد من الشمس على وجه الخصوص، يجب أن يجد تِسّ كواكب خارجية يمكن قياس كتلها بمقايضة مدار كِبلر 78ب القريب بمدارات أبعد حول نجوم أصغر تقارب مناطق مدارية، تكون الحياة فيها ممكنة. قد لا يمكن دفع تلك المقايضة إلى نقطة قياس توأم للأرض يدور مرة واحدة في السنة حول توأم للشمس، إلا أنه سوف يمكِّن فِرَق البحث العلمي في المستقبل من سبر كواكب صالحة للحياة تدور حول نجوم صغيرة. وبذلك.. يُبشِّر كِبلر 78ب بقفزات إلى الأمام في البحث عن الحياة خارج المنظومة الشمسية.

  1. Mayor, M. & Queloz, D. Nature 378, 355359 (1995).

  2. Howard, A. W. et al. Nature 503, 381384 (2013).

  3. Pepe, F. et al. Nature 503, 377380 (2013).

  4. Fressin, F. et al. Astrophys. J. 766, 81 (2013).

  5. Jackson, B., Stark, C. C., Adams, E. R., Chambers, J. & Deming, D. Preprint at http://arxiv.org/abs/1308.1379 (2013).

  6. Vogt, S. S. et al. Proc. SPIE 2198, 362 (1994).

  7. Mayor, M. et al. ESO Messenger 114, 2024 (2003).