أنباء وآراء

كيمياء كهربية: تخزيـن الطاقـة.. بدون اسـتخدام فِلِـزّات

في بطاريات الانسياب، تنتج الطاقة بتمرير محاليل "نشطة كهربيًّا" ـ عادة ما تكون أملاح فلزات ـ عبر خلية كهروكيميائية. وتقوم مادة غير فلزية ذات نشاط كهربي بتمهيد الطريق لتخزين الطاقة على مستوى كبير.

  • Published online:

سوف يتطلب تَبَنِّي مصادر الطاقة المتجددة والمتوفرة بشكل متقطع، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لنسبة تفوق %20 من سعة الطاقة الكلية، استخدام أنظمة تخزين للطاقة الكهربية1. كذلك تتطلب التطبيقات التي تصلح للاستخدام قي تطبيقات على مستوى شبكة كهربائية، أو في محطات توليد في مواقع نائية، وجود أنظمة تخزين رخيصة ومرنة، إلا أن الخيارات المتوفرة حاليًا هي إما أن تكون مقتصرة على مواقع جغرافية محددة (مثل ضخ الماء من مستودع إلى مستوى مرتفع كمصدر لطاقة الوضع)، أو أن تكون باهظة التكلفة (على سبيل المثال.. البطاريات التقليدية والحدافة والتخزين الكهرومغنطيسي فائق التوصيل)2. في العدد الصادر من دورية Nature في الأسبوع الثاني من شهر يناير الماضي، أورد هسكنسون وزملاؤه3 تقريرًا عن تقدم كبير في تطوير التخزين الإقتصادي للطاقة: بطارية "انسياب" تستخدم فقط مواد غير فلزية قابلة للذوبان في الماء كمكونات للقطب الكهربي. يمكن لهذه المواد أن تخفض من تكلفة بطاريات الانسياب في ذات الوقت الذي تزيد فيه من كثافة الطاقة.

تحتاج بطاريات الانسياب لمكونيَن ذائبيَن ونشطيَن كهربيًّا -مركبين يمكنهما أن يقوما بدور في التفاعل الكهروكيميائي الذي يحدث عند القطب الكهربي. ويُفصَل بين هذين المكونين بغشاء أيونيّ التوصيل في الخلية الكهروكيميائية، التي تتحول فيها الطاقة الكيميائية إلى كهرباء (والعكس). وعلى العكس من المواد النشطة كهربيًّا الساكنة المستخدمة في البطاريات التقليدية، يتم ضخ المكونات النشطة كهربيًّا عبر الخلية في هيئة سائل مُنساب، كما أنه يتم تخزينها خارج الخلية في أحواض منفصلة (الشكل 1). يسمح هذا التصميم بزيادة كل من مقدار الطاقة المخزونة (التي تعتمد على حجم الأحواض) ومقدار الطاقة الموَلَّدة (التي تعتمد على حجم الخلية الكهروكيميائية أو حجم مجموعة الخلايا) إلى الدرجة المثلى، كل على حدة.

الشكل 1 | شكل إيضاحي لبطارية انسياب. في هذا التصميم، يتم تخزين محلولَين لمادتَين نشطتَين كهربيًّا (الأخضر والبنفسجي) في أحواض خارجية، ثم ضخهما لتنسابا عبر القطب الكهربي في الخلية الكهروكيميائية. تتفاعل هذه المواد عند الأقطاب الكهربية، مما يؤدي إلى توليد الكهرباء عند توصيل الحمل. ويَحُول الغشاء الموجود بين القطبين الكهربيين دون اختلاط المحلولين، في الوقت ذاته الذي يسمح فيه بنقل الأيونات الحاملة للشحنات، ويؤدي بذلك إلى الحفاظ على التعادل الكهربي. وفي طور الشحن، ينتج مصدر القوة فرق الجهد عبر الخلية. يثبت هسكنسون وزملاؤه3 أن مركبات عضوية مثل الكينونات يمكن أن تستخدم كمواد نشطة كهربيًّا في أنود بطاريات الانسياب. (الشكل مأخوذ من المرجع 8.)

كبر الصورة


ولأن المواد النشطة كهربيًّا في بطاريات الانسياب تخزن بصورة منفصلة، فإن احتمالية تفاعلها مع بعضها البعض بصورة عنيفة تكاد تكون منعدمة، وهو ما يجعل هذه البطاريات آمنة الاستخدام بدرجة أكبر من البطاريات التقليدية. لهذه البطاريات كذلك تصميم مرن، كما أنها قد تكون أرخص. ولسوء الحظ، ينحصر اختيار المواد النشطة كهربيًّا لبطاريات الانسياب في مجموعة صغيرة من أنظمة فلزات الأكسدة والاختزال (مع وجود بعض الاستثناءات في حالة مواد الكاثود)، كما أن الذوبان المنخفض لأملاح هذه الفلزات-عادة، في الماء، يقلل بدوره من عدد المواد النشطة كهربيًّا التي يمكن الاختيار بينها. كما تحول مشكلة الذوبان دون الوصول إلى كثافات الطاقة العالية4.

تغلب هسكسون وزملاؤه على مشكلة الذوبان باستخدام مواد عضوية ذوابة ونشطة بالأكسدة والاختزال، تُعرف بالكينونات quinones، كمكونات نشطة كهربيًّا، بدلًا من الفلزات. تم اقتراح5 استخدام الكينونات غير الذوّابة في الماء كمواد قطب كهربي عام 1972، إلا أن استخدام هذا النوع من المركبات في المكونات المخزنة للطاقة في بطاريات الانسياب هو أمر جديد. وقد وجد المؤلفون أن الاختزال الكيميائي للكينونات إلى هيدروكينونات في الماء عند القطب الكهربي يحدث بصورة سريعة جدًّا، الأمر الذي يُعد شرطًا ضروريًّا لتفريغ البطاريات ذات الطاقة العالية.

يمكن التحكم في جهود الأكسدة والاختزال، وفي ذوبان تركيبات الفلزات، بتعديل الروابط المتصلة بذرات الفلزات. أما في حالة الكينونات، فبالإمكان تعديل هذه الخواص بتغيير المجموعات الكيميائية المرتبطة بالحلقات العِطرية في الجزيئات. ويوفر هذا مجالًا أوسع بكثير لإجراء التعديلات، مقارنةً بما هو ممكن في حالة أنظمة الفلزات، لأن المجموعات الكيميائية تكون أكثر قربًا إلى مركز الأكسدة والاختزال من درجة قرب الروابط إلى الفلزات، ولذلك يكون تأثيرها أكبر. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الحصول على أنواع ذات نشاط كهربي سالبة الشحنة – كينونات يمكن أن تلتصق بها مجموعات سالبة الشحنة، مثل تلك التي استخدمها هسكنسون وزملاؤه- ينبغي أن يساعد في تخفيف إحدى المشكلات العملية الرئيسة المرتبطة ببطاريات الانسياب، وهي مشكلة عبور هذه المواد للغشاء سالب الشحنة الموصل للأيونات، إلا أن لهذا النهج نقطة ضعف، وهي أن إجراء أي تحسينات على الخواص الكهروكيميائية و/أو الذوبانية سوف ترافقه زيادة في الوزن الجزيئي للمواد النشطة كهربيًّا، وهو ما سيخفِّض تباعًا من كثافة طاقة البطارية.

زاوج هسكنسون وزملاؤه نظام الكينون/الهايدروكينون السائل عند الأنود مع نظام بروم/بروميد عند الكاثود. تم استخدام نظام الكاثود هذا في السابق في بطاريات انسياب زنك-بروم6 وفي خلايا وقود هايدروجين-بروم الاسترجاعية7(أحد أنواع بطاريات الانسياب). يوفر كاثود البروم-بروميد كثافة طاقة جيدة بتكلفة معقولة، على الرغم من أنه أكّال وغير صديق للبيئة. وحينما اختبر المؤلفون نسخة أصغر (سنتيمترَين مربعَين) من بطارية الانسياب هذه، وجدوا أنها تعطي كثافة طاقة معتبرة (600 ملي واط لكل سنتيمتر مربع) وتوفر كفاءة تيار جيدة (الكفاءة التي تُنقل بها الشحنات للسماح للتفاعل الكهروكيميائي المحدد بالحدوث).

تفتح هذه النتائج الطريق للتخزين منخفض التكلفة للطاقة، إلا أن الطريق ما زال طويلًا أمام تطوير بطارية انسياب عملية ومفيدة. وبالتحديد، يجب حل بعض المشكلات قبل أن تستخدم هذه الكيمياء في تخزين الطاقة على مستوى الشبكات الكهربية. اقتصرت دراسة المؤلفين على اختزال الكينون فقط، ولذا.. لا بد من استقصاء التفاعل العكسي، وهو أكسدة الهايدروكينونات. وإذا ما وجد أن التفاعل العكسي له سرعة تفاعل اختزال الكينون ذاتها، سيكون استخدام الكينونات ممكنًا إذن في الأجهزة عالية الطاقة. كذلك ينبغي أن يتم تقييم تركيز الأنواع النشطة كهربيًا، وتأثير شوائب الكينونات، على أداء الخلية وقابليتها للاستخدام بعد عدة دورات من الشحن والتفريغ. وإذا ما اتضح أننا في حاجة إلى كينونات ذات نقاء عالٍ، فهذا قد يزيد من التكلفة بدرجة ملحوظة.

كذلك ينبغي النظر بصورة جادة إلى عبور البروم للغشاء. وحتى إذا لم يتفاعل البروم مع المركبات في نظام الأنود، فإن مثل هذا العبور سوف يقلل من سعة البطارية ومن كفاءة الطاقة (نسبة مخرج الطاقة الكهربية إلى مدخلها)، والتي ينبغي قياسها كدالة في رقم الدورة. التحول من مستوى خلية منفردة صغيرة إلى مستوى رصة متعددة الخلايا ملائمة لأغراض الصناعة قد يكون تحدّيًا، وإدماج عدة مكوّنات لجهاز كبير في هيئة بطارية عاملة قد يكون صعبًا بدوره. للتخرين الساكن للطاقة، فإن الحياة الطويلة (أي ما يزيد عن عشرة آلاف دورة) تمثل عاملًا أساسيًّا في خفض التكلفة، ولذا.. فإن عدد الدورات التي أثبتت في هذا البحث (15) أقل بكثير من المطلوب.

وبالرغم مما سبق، فإن نتائج هسكنسون وزملائه تُعَد نتائج واعدة، كما أنها تشكل أساسًا لتقنية جديدة لبطاريات الانسياب. وإذا ما تمت البرهنة على السعة طويلة المدى والتخزين الكفء للطاقة، وإذا ما أمكن إعداد بطاريات ذات فوائد عملية بالفعل بتكلفة منخفضة، فإن هذه التقنية سوف تصبح ملائمة لنطاق واسع من تطبيقات تخزين الطاقة.

  1. General Electric Global Research, Niskayuna New York 12309, USA

    • جريجوري ل. سلوفِتشيك
  1. Denholm, P., Ela, E., Kirby, B. & Milligan, M. The Role of Energy Storage with Renewable Electricity Generation (Natl Renewable Energy Lab, 2010).
  2. Soloveichik, G. L. Annu. Rev. Chem. Biomol. Eng. 2, 503–527 (2011).
  3. Huskinson, B. et al. Nature 505, 195–198 (2014).
  4. Weber, A. Z. et al. J. Appl. Electrochem. 41, 1137–1164 (2011).
  5. Alt, H., Binder, H., Klempert, G., Köhling, A. & Sandstede, G. J. Appl. Electrochem. 2, 193–200 (1972).
  6. Leung, P. et al. RSC Adv. 2, 10125–10156 (2012).
  7. Cho, K. T. J. Electrochem. Soc. 159, A1806–A1815 (2012).
  8. Wang, W. et al. Adv. Funct. Mater. 23, 970–986 (2013).