أنباء وآراء

علم الأرض: التعرية نتيجة التبريد

يؤكد التاريخ الحراري لآلاف العينات من الصخور ـ بشكل مقنع ـ أن برودة المناخ تسرِّع من معدل التعرية لسطح الأرض، كما يكشف عن الدور الكبير للأنهار الجليدية في هذه العملية.

  • Published online:

في العدد الصادر في النصف الثاني من شهر ديسمبر الماضي من دوريّة Nature، الطبعة الإنجليزية، طرح هيرمان وزملاؤه1 تحليلًا لمعدلات التعرية لسلسلة جبلية يوضح أن معدل التبريد العالمي في الستة ملايين سنة الماضية قد سرَّع من عملية تدمير الجبال. تشعل هذه النتائج جدالًا طويل المدى عن الصلة بين المناخ والطبوغرافيا والصفائح التكتونية.

تتكون الطبوغرافيا المرتفعة لسلاسل الأرض الجبلية حينما تجبر الصفائح التكتونية الصفائح القارية على التصادم ببطء، غير أن عملية التعرية بواسطة الأنهار والأنهار الجليدية والانزلاقات الأرضية تعمل بصورة معاكسة لعمليات بناء الجبال هذه عبر تفكيك صخور الأساس وتحريك الرواسب الناتجة إلى الارتفاعات المنخفضة، بحيث تتراكم في الأحواض الرسوبية أو المحيطات. لذلك.. تعكس بِنَى السلاسل الجبلية توازنًا معقدًا بين قوى البناء، وقوى الهدم. ورغم أنه بمقدورنا أن نقيس التغيرات الحالية في الطبوغرافيا باستخدام نظام تحديد المواقع الجغرافية، إلا أن معرفة ما حدث في الماضي والحصول على بيانات تمتد لمقاييس وقتية طويلة يُعَد تحديًا جوهريًّا. وأحد الأسئلة المثيرة للفضول يرتبط بالكيفية التي يؤثر بها المناخ على عمليات التعرية، وبالتالي كيفية تأثيرها على الارتفاع وعلى الشكل الظاهري للسلاسل الجبلية2،3.

منذ ستة ملايين سنة، بدأت في مناخ الأرض العالمي نزعة برودة قوية؛ قادت إلى التثلُّج في السلاسل الجبلية المرتفعة وعند الارتفاعات العالية4. وتَبِعَ ذلك تكوين كتل جليدية ضخمة في بداية العصر الرباعي (المليوني ونصف المليون سنة الأخيرة من عُمر الأرض). ولطالما كان يُنظر إلى حجم الرواسب التي تراكمت في المحيطات خلال البضعة ملايين سنة الأخيرة على أنه يفوق بدرجة كبيرة أي مقدار من الرواسب تم قياسه لأي حقبة ذات طولٍ مساوٍ5، وهو ما يشير إلى زيادة في معدلات التعرية في العصر الرباعي6، إلا أن البعض قد شكَّك في أن هذه الملاحظة قد يكون بها بعض التحيز، بسبب صعوبة قياس الحجم الصحيح للرواسب الأقدم، الشيء الذي يعنى التشكيك أيضًا في ما إذا كانت عمليات السطح هذه قد قادت إلى تعرية أسرع عندما بدأ المناخ العالمي في البرودة والتذبذب7. عالج هيرمان وزملاؤه هذا السؤال بتحليل معلومات جديدة: التاريخ الحراري للصخور.

وباستخدام تقنية التقويم الزمني الحراري، يمكننا إعادة تركيب التاريخ الحراري لعينة صخرية من التركيزات النسبية لغازات نبيلة محددة موجودة داخل العينة، أو من توزيع آثار الدمار التي أنتجتها عملية الاضمحلال الإشعاعي8. وبصورة أكثر تحديدًا، تُمَكِّننا تقنية التقويم الزمني الحراري من تحديد تاريخ برودة الصخرة إلى درجة حرارة "الإقفال"-وهي درجة الحرارة التي لا يمكن عند درجة أقل منها أن تنتشر النظائر الغازية إلى خارج الصخرة، و/أو تتوقف آثار الدمار الصخرية عن التلدين. وتوفر درجة الحرارة هذه بدورها تقريبيًّا السرعة التي جلبت بها التعرية الصخرة إلى السطح، لأن درجة الحرارة تقل كلما قصرت المسافة بين المركز وبين الأرض. وتتراوح درجات حرارة الإقفال بين 70 و250 درجة مئوية حسب تقنية قياس التقويم الزمني الحراري المعينة المستخدمة.

وبالجمع بين عدة أجهزة تقويم زمني حراري ذات درجات حرارة إقفال مختلفة، طبق هيرمان وزملاؤه مقاربة ذكية لتحديد التغيرات التي حدثت في معدل الانجراف في الماضي، إذ جمعوا مجموعة عالمية تصل إلى ما يقارب 18,000 نقطة بيانية زمنية حرارية، ثم استخدموا لوغاريتمًا لإعادة تركيب أنماط معدلات الانجراف لعدة فترات. وقد كشفت نتائج هذه الدراسة عن أن انجراف السلاسل الجبلية قد تسارع بالفعل في كل أنحاء العالم مع برودة المناخ، الأمر الذي أكد صحة المعلومات التي وفرتها أحجام الرواسب.

ووصلت الزيادة المتدرجة لمعدل الانجراف في الارتفاعات المتوسطة (50°-30°) إلى قيمتها القصوى خلال المليوني سنة الماضية. ولذلك.. يقترح هيرمان وزملاؤه أن الأنهار الجليدية هي الدافع الرئيس وراء تسارع معدل التعرية، لأنه عند هذه الارتفاعات تم تثليج الكثير من المناظر الأرضية لأول مرة. والخلاصات التي توصلوا إليها تدعمها حقيقة أن الأنهار الجليدية معروفة بتركها لبصمة مميزة على الشكل الظاهري للمناظر الأرضية خلال فترة زمنية بسيطة نسبيًّا. وعلى سبيل المثال.. التحولات الكبيرة في المناظر الطبيعية التي قادت إلى تكوين نظم أنهار جليدية بالأودية الخلالية الباهرة في النرويج وجرينلاند وغربي أمريكا الشمالية وشيلي ونيوزيلندا (الشكل 1) لابد أنها قد حدثت خلال الملايين الأخيرة من السنين. وتُعَدّ الأنهار الجليدية عوامل تعرية فعالة، لأنه بمقدورها أن تكشط وتقلع صخور الأساس عند انزلاقها عبر الطبوغرافيا شديدة الانحدار.

<p><b>الشكل 1 | منحوت بالأنهار الجليدية.</b> أوضح هيرمان وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> أن عمليات التعرية، بما فيها تلك التي أدت إلى تكوين الأودية الثلجية (الموضحة هنا في حديقة برادشو ساوند فيوردلاند الوطنية، نيوزيلندا)، قد تسارعت في كل أنحاء العالم خلال الستة ملايين سنة الماضية.</p>

الشكل 1 | منحوت بالأنهار الجليدية. أوضح هيرمان وزملاؤه1 أن عمليات التعرية، بما فيها تلك التي أدت إلى تكوين الأودية الثلجية (الموضحة هنا في حديقة برادشو ساوند فيوردلاند الوطنية، نيوزيلندا)، قد تسارعت في كل أنحاء العالم خلال الستة ملايين سنة الماضية.

DAVID WALL/ALAMY


وتثير فرضية أن التغير المناخي هو الدافع الرئيس وراء التعرية الحديثة للسلاسل الجبلية الكثير من الجدل10،9، إذ كانت العادة أن تُعزى الموجات المفاجئة من التعرية إلى التغيرات في النشاط التكتوني، بدلًا من أن تكون إلى تغيّر في المناخ. ولذا.. فسّر العديد من الجيولوجيين التعرية المفاجئة في الماضي القريب على أنها نتيجة لرفع تكتوني، حتى في المواضع التي لم يكشف فيها عن أدلة على حركة الصفائح التكتونية. ولسوء الحظ، فإن تحليل هيرمان وزملائه لا يمكنه الكشف عّما حدث في هذه المناطق المثيرة للجدل. وسبب ذلك هو أن معدلات التعرية في هذه المناطق كانت منخفضة بصورة عامة قبل أن تبدأ في الزيادة منذ 10 ملايين سنة، إلا أن طريقة التقويم الزمني الحراري التي استخدمها المؤلفون تتطلب أن تكون التعرية الكلية مرتفعة بدرجة تكفي للكشف عن الصخور التي يتحصل عليها من أعماق مرتبطة بدرجات حرارة الإقفال. ويعني هذا أنه ينبغي أن تصل التعرية إلى مستوى الكيلومتر، حتى بالنسبة إلى أجهزة قياس التقويم الزمني الحراري التي تعمل على درجات حرارة الإقفال الأقل. ولا يتم الوصول إلى هذه الدرجة من التعرية في العادة إلا عند المناطق التي حافظ فيها الرفع التكتوني على معدلات تعرية عالية لفترة طويلة، وهو السبب الذي أدى إلى اقتصار تحليل المؤلفين على المناطق التي حدث فيها نشاط تكتوني كبير جدًّا في الوقت الحالي، أو عند وقت البرودة العالمي.

ورغم هذا النقص، استطاع هيرمان وزملاؤه أن يوضحوا بصورة مقنعة المدى العالمي لظاهرة التعرية الحادثة مؤخرًا. وتشير هذه النتائج إلى أن المناخ يقود التعرية، لأنه ـ على العكس من النشاط التكتوني ـ يمكن للمناخ أن يتغير بصورة متزامنة في شتى أنحاء العالم.

  1. Department of Geoscience, Aarhus University, Aarhus 8000, Denmark

    • ديفيد لوندبِك إجولم
  1. Herman, F. et al. Nature 504, 423–426 (2013).
  2. Montgomery, D. R., Balco, G. & Willett, S. D. Geology 29, 579–582 (2001).
  3. Molnar, P. Annu. Rev. Earth Planet. Sci. 32, 67–89 (2004).
  4. Zachos, J., Pagani, M., Sloan, L., Thomas, E. & Billups, K. Science 292, 686–693 (2001).
  5. Hay, W. W., Sloan, J. L. & Wold, C. N. J. Geophys. Res. 93, 14933–14940 (1988).
  6. Zhang, P., Molnar, P. & Downs, W. R. Nature 410, 891–897 (2001).
  7. Willenbring, J. K. & von Blanckenburg, F. Nature 465, 211–214 (2010).
  8. Reiners, P. W., Ehlers, T. A. & Zeitler, P. K. Rev. Miner. Geochem. 58, 1–18 (2005).
  9. Ruddiman, W. F. & Kutzbach, J. E. J. Geophys. Res. 94, 18409–18427 (1989).
  10. Molnar, P. & England, P. Nature 346, 29–34 (1990).